تركيا وإيران: مسارات استراتيجية مختلفة ومصالح مشتركة

الأربعاء 2014/07/02
خبراء: التقارب الإيراني التركي يعكس تغيرا في الموقف التركي

لندن – يفرض الوضع في العراق وسوريا تغييرات في السياسات الإقليمية لتركيا تدفعها إلى دعم علاقتها بإيران خشية أن تعود إلى العزلة مجددا بعد فشل مشروعها الإسلامي في المنطقة.

تركيا وإيران تعلمان أن ما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، وهما وإن تشاركتا في الهدف؛ إلا أنهما تختلفان في سياسة تطبيقه؛ فتركيا تطمح إلى تكون عاصمة “العالم السني” في مقابل إيران ترى في نفسها زعيمة “العالم الشيعي” وممثلته الوحيدة. وكلا النظرتين تخفيان مطامع كثيرة في الشرق الأوسط ورغبة قوية في منافسة مكانة المملكة العربية السعودية في المنطقة.

لكن الوضع الخطير في العراق، اليوم، يجمع في بوتقة واحدة طهران وأنقرة لأن “الانقسام” وخطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، “داعش” والقوة الجديدة التي اكتسبها الأكراد على خلفية الانهيار الأخير في الحكومة المركزية ببغداد له تداعيات كارثية على الأتراك والإيرانيين، الذين سيقفون ضد تقسيم العراق وسيــحاولون منع الأكراد مـن الاسـتقلال ودعم الحكومة العــراقية.

وكانت مجلة “فرونت بايج” الأميركية قالت في تقرير لها إن أردوغان التركي وملالي الإيراني يتشاركان في رفضهما للدولة القومية. وبينما يسعى أردوغان إلى استعادة نظام الخلافة العثمانية، يسعى المرشد الأعلى إلى نشر مبادئ الثورة الإسلامية الإيرانية.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف يعمل كلاهما على زعزعة استقرار دول المنطقة وإثارة الفتنة الطائفية، ودعم كيانات ضعيفة تتناحر في ما بينها وتشعر جميعها بالتهديد مما يدفعها إلى طلب العون الخارجي.


روحاني في أنقرة


في غمرة الأحداث العاصفة في منطقة الشرق الأوسط، أدى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الشهر الماضي، زيارة إلى تركيا، التقى خلالها بنظيره التركي عبدالله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

الخلاف الاستراتيجي العميق بين تركيا وإيران لم يمنع الطرفين من بناء علاقات اقتصادية سرية متينة

البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية التركية والإيرانية قالت إن الزيارة تهدف إلى تحسين العلاقات بين البلدين ودعم التعاون الاقتصادي والأمني والاستراتيجي بينهما. لكن الخبراء يؤكدون أنه، عند وضع العلاقة بين أنقرة وطهران في إطارها التاريخي والسياسي والاستراتيجي والديني، لا يمكن اعتبار زيارة روحاني زيارة دبلوماسية تقليدية بين بلدين إقليميين متنافسين.

كانت زيارة حسن روحاني إلى أنقرة (09-06-2014)، الزيارة الدبلوماسية الرسمية الأولى لرئيس إيراني إلى تركيا منذ 1996 (قام بها الرئيس الأسبق أکبر هاشمي رفسنجاني).

وخلال تلك الزيارة قال روحاني إنّه “من الضروري لإيران وتركيا التعاون في كافة المجالات، خاصة المتعلقة بشمال أفريقيا وفلسطين والشرق الأوسط”.

ودأب كبار المسؤولين من البلدين على الاجتماع مرة كل ثلاثة أشهر لمناقشة التطورات الإقليمية والدولية. وقد شمل الاجتماع الأخير، في مايو من هذا العام، جدول أعمال غنيا شمل مداولات بشأن الأزمة الدائمة في المنطقة.

في تعليقه على هذه الزيارة، التي سبقتها زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى طهران، يرى محمد السعيد إدريس، رئيس وحدة الدراسات العربية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن بوادر تغيير في السياسة التركية تلوح في الأفق، فليس سرا أن تركيا وإيران على خلاف بشأن سوريا، ناهيك عن القضايا الأخرى. ومع ذلك فإن الصورة قد تتغير بعد زيارة روحاني.

أنقرة لأفراد قنصليتها بالموصل: لا تغادروا.. داعش ليست خصما لتركيا

اتفق في الرأي جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، قائلا إن أنقرة وطهران مستفيدتان مما يحدث في العراق، فإيران ترغب في زيادة نفوذها داخل بغداد، باعتبارها تمثل قاسما مشتركا مع الشيعة، بينما تركيا تحاول فرض وصايتها على العراق خوفا من الأكراد، أو الحديث مجددا عن دولة مستقلة على مشارف حدود تركيا، مما يهدد أمنها القومي.


تركيا تساعد إيران


الخلاف الاستراتيجي العميق بين تركيا السنية وإيران الشيعية، والتنافس حول فرض الوجود كقوة في منطقة الشرق الأوسط لم يمنعا الطرفين من بناء علاقات “سرية” متينة. وأبرز دليل على ذلك ما يعرف بمعاملات “الغاز مقابل الذهب”.

فقد تم في سنة 2012 الكشف عن وثائق وتقارير تفيد أن تركيا ساعدت إيران على الالتفاف حول العقوبات الدولية المفروضة عليها بهدف دفعها إلى وقف برنامجها النووي. ونقلت التقارير أن تركيا ابتاعت الغاز الطبيعي الإيراني بالليرة التركية، وحولت الأموال إلى حسابات في البنك الحكومي التركي “هالك بنك”. ثم قام تجار الذهب الإيرانيون بعد ذلك بأخذ هذه الأموال واشتروا ذهبا ثم قاموا لاحقا بنقله خارج تركيا وباعوه نقدا. السيولة النقدية بطبيعة الحال شحيحة بالنسبة إلى الإيرانيين الذين يعانون من العقوبات الاقتصادية، وقد ساعدهم الذهب على التعويض عن ذلك النقص.

وقد اعترف نائب رئيس الوزراء التركي علي بابكان أن “صادرات الذهب التركية إلى إيران تنتهي كدفوعات مقابل مشتريات تركيا من الغاز الطبيعي”. ولم يكن هناك من سبب لإخفاء ذلك فبيع الذهب كان قانونيا من الناحية التقنية، لكنه كان عملا بارعا صمم لاستغلال ثغرة في نظام العقوبات عن طريق السماح للإيرانيين باستخدام المشترين الخواص لشراء الذهب لفائدة الحكومة الإيرانية.

في يناير 2013 تحركت إدارة أوباما لسد هذا الفراغ وذلك بإقرار حظر على كل المبيعات من الذهب إلى إيران، لكن بطريقة مشكّك في أمرها لم تجعل الإدارة العقوبات نافذة المفعول مباشرة، بل تم تأجيل المنع لمدة ستة أشهر ولم يدخل حيز النفاذ إلا في الأول من يوليو 2013، مما أعطى تركيا وإيران مجالا للاستفادة أكثر من معاملات “الغاز مقابل الذهب”.

بينما يسعى أردوغان إلى استعادة نظام الخلافة العثمانية يسعى المرشد الأعلى إلى نشر مبادئ الثورة الإسلامية الإيرانية

وكشفت مصادر إيرانية أنّ "التجارة بين البلدين بلغت 22 مليار دولار في 2012، في حين تراجعت إلى 20 مليار دولار في 2013". وقد وضع رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان حجر الأساس في اتجاه تحسين العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خلال زيارته لإيران في يناير، حيث تمّ توقيع اتفاقية تجارية تفضيلية تهدف إلى مضاعفة حجم المبادلات التجارية بين البلدين من 13.5 مليار دولار سنويا (2014) إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2015.

وأنشأت إيران في السنوات الأخيرة عددا من الشركات على الأراضي التركية لمساعدتها على الالتفاف حول العقوبات والحصول على مواد تستعمل في البرنامج النووي. وكانت هذه الشركات مثيرة للجدل، فمثلا في سنة 2011 تبين أن أحد رجال الأعمال الإيرانيين كان يعمل مع شركتين تركيتين تزود إيران بقطع تستخدم في برنامجها الصاروخي. وفي السنة الموالية تم الكشف عن أن شبكة تزويد ألمانية كانت تستخدم شركة واجهة تركية لتحويل مواد إلى مفاعل ‘أراك’ النووي في إيران.


بوادر تغيير


التقارب الاقتصادي لم يمنع أنقرة وطهران من التصادم، على المستوى السياسي، خصوصا في ما يتعلّق بالملف السوري، حيث أن الجانبين على طرفي نقيض، فإيران تدعم بشار الأسد وتركيا تدعم المسلّحين المعارضين للنظام السوري. لكن بوادر تغيير بدأت تظهر على الموقف التركي، خصوصا بعد تعقد الوضع في سوريا وامتداد الحرب إلى العراق.

شهدت الأشهر القليلة الماضية تغيرا تدريجيا في سياسة أنقرة تجاه سوريا، إذ شدّدت السلطات التركية من صرامة الإجراءات المفروضة على عبور شخصيات المعارضة لحدودها، بالإضافة إلى تخفيفها من وتيرة الإمدادات الموجهة إلى المعارضة السورية.

يعلق خبراء على ذلك بأن تركيا تخشى العزلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد فشل جماعة الإخوان المسلمين في الإمساك بزمام الأمر في مصر وفشل المشروع الإسلامي الذي تبنّاه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

في ظل الوضع المتغير في المنقطة وتصاعد تهديدات التنظيمات المتشدّدة، إلى جانب استغلال الأكراد للوضع في العراق وسوريا للتقدّم نحو تحقيق مشروع دولتهم المستقلّة، لم يجد الأتراك بدّا من محاولة توطيد العلاقات بالمثلث الروسي-الصيني-الإيراني (الداعم لبشار الأسد) حتى لو كان ذلك على حساب الموقف التركي من سوريا.

يخلص تقرير لمركز العربية للدراسات إلى أن الطرفين، التركي والإيراني، يحاولان لملمة الجروح والأزمات الاقتصادية المتزايدة سواء على إثر الأوضاع الداخلية غير المستقرة وقضايا الفساد في تركيا وإيران، أو على إثر العقوبات الاقتصادية الدولية التي انهكت الاقتصاد الايراني على خلفية البرنامج النووي، مع الوضع في الاعتبار قرب ميعاد التوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والغرب في ما يتعلق بتسوية برنامجها النووي وكذلك اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التركية في اغسطس القادم ورغبة أردوغان في اجراء اصلاح وانعاش اقتصادي أملا في جذب أصوات الناخبين، بالإضافة إلى رغبته في تعويض خسارته للاستثمارات الخليجية على خلفية الموقف التركي المتعنت من مصر في أعقاب احداث 30 يونيو.

6