تركيا وإيران: هرولة أو ارتماء

الأربعاء 2013/12/04

في مؤتمر القمة الإسلامية في طهران أطلق الرئيس المصري السابق محمد مرسي مبادرته الرباعية التي دعا فيها إلى إشراك إيران في السعي لإيجاد حل في سوريا.

مبادرة ولدت ميتة لأن إيران مشتركة بالكامل في الحرب ضد الشعب السوري، ومع ذلك استثمرتها طهران لتعلن من وقت لآخر ضرورة تفعيلها، بالتزامن مع إرسالها آلاف المقاتلين إلى سوريــا وكأنما مصر ومبادرة مرسي الغطاء لذلك، وهو الغطاء الذي لمسناه بوضوح أكثر فيما بعد حينما انتقد مســاعد وزير الخارجيــة الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، من قاهرة المعز، قرار مؤتمر الدوحــة بمنح مقعد سوريا للائتلاف الوطني السوري.فيا للعار الإخواني، فقد أشغل الأمميون الناسَ بترضي محمد مرسي عن الخلفاء وأخفوا عنهم الأخطر والأكثر أهمية.

الموقف يتكرر هذه المرة من تركيا، فما إن تم الإعلان عن اتفاق «النووي الإيراني» حتى زادت تركيا من وارداتها النفطية من طهران، وأعلن السفير الإيراني لدى أنقرة أنها على استعداد للتوسط بين تركيا وسوريا، ثم زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو ليعلن مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف دعوتهما لوقف القتال في سوريا، ويتبع ذلك الإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس الإيراني حسن روحاني لأنقرة في فبراير القادم، بالتزامن أيضاً مع زيادة الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد لتحقيق مكاسب على الأرض تدعم موقفها التفاوضي في جنيف 2. وهو الدعم الذي أدى إلى عدم تحقيق قوى الثورة السورية لمكاسب كبيرة مؤثرة.

هذا تكرار لسيناريو مرسي يقدم خلاله أردوغان تركيا غطاء لمساندة الممارسات الإيرانية في سوريا. وهذا ليس بالأمر المستغرب فعلاقة التنظيم الدولي بإيران بدأت منذ حسن البنا واتصاله بالإمام محمد القمني في إيران، وتعمقت بعد لقاء الوفد الإخواني الذي ضم راشد الغنوشي وحسن الترابي بالخميني في باريس قبل الثورة واستمرت حتى اللحظة.

فيا للعار الإخواني، فقد أشغل الأمميون الناسَ بتغريدات أردوغان باللغة العربية حول مشاريعه في بلده عما هو أهم وأخطر.

وعذرا على الاستطراد، فقد تخيـلت ذات مساء، أن الرئيـس الصيني يغرد باللغة الأورديـة حول مشاريعه في بلده، وتساءلت ماذا سيستفيـد المواطن الباكستاني من ذلك؟ أم لعل ما يفعله بقصد الترويـج لنفسه في أوسـاط الباكستانيين، أو ربـما يريـد أن يقدم لمؤيديــه مادة ليشغلوا الباكستانيين عن تحالفات صينيـة- هنديـة ضدهم؟

وعودة للموضوع أقول خلال السنوات الماضية لم تحاول تركيا ممارسة أي ضغط على إيران حتى في أشد حالات التوتر الناشئ عن الخلاف حول سوريا، بل كانت العلاقات بين البلدين شديدة المتانة.

وقد أعلنت تركيا مراراً وتكراراً عن حق إيران في تخصيب اليورانيوم وبذلت جهوداً كبيرة للتوصل لحل سياسي لمشكلة إيران النووية، كما عارضت فرض أي عقوبات إضافية على طهران، وذلك على لسان وزير خارجيتها داود أوغلو. وقامت كذلك بتزويد إيران بـ 120 كيلو من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمئة وقايضته بـ 1200 كيلو من اليورانيم منخفض التخصيب.

وساهمت في إيصال الغاز الإيراني لأوروبا واستوردت مليارات الأمتار المكعبة منه، إضافة إلى توقيعها عدداً من العقود لإنشاء ثلاث محطات توليد للطاقة، إضافة إلى استيراد الطاقة الكهربائية من إيران عبر خطوط الضغط العالي.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: طالما أن العلاقات بين أنقرة وطهران بهذه المتانة رغم الخلاف حول سوريا، فما سر الهرولة التركية نحو إيران بهذا الشكل الذي أحرج الأصوات الأممية التي تنادي بأردوغان خليفة عليهم؟ثم هل هي هرولة بالفعل أم هي مزيد من الارتماء في أحضان ملالي قم؟

الحقيقة أنه بعد سقوط الإخوان في مصر وفشل المشروع التركي لبناء محور من الدول العربية التي خطط لها أن تدور في الفلك التركي.

وبعد عدة شهور من المحاولات المستميتة لإعادة الحكم الإخواني إلى مصر التي أفسد أردوغان علاقة تركيا معها، وبعد سقوط حلمه بعودة النفوذ العثماني والذي جَيَّرَ له التاريخ التركي لعله يحظى بموطئ قدم في الدول العربية بمساعدة ودعم الأمميين والتنظيم الدولي للإخوان.

وما تلا ذلك من إحباط نتيجة عدم استجابة أوروبا لطلبه بعدم الاعتراف بالنظام المصري المؤقت، ثم القشة التي قصمت ظهر البعير التركي حينما اتجهت القاهرة نحو روسيا، مما أجبر الولايات المتحدة الأميركية على الاعتراف بأن إسقاط محمد مرسي كان تصحيحاً للمسار الديمقراطي الذي اختطفه الإخوان.

وبعد مسلسل الفشل المنفرد الناتج عن تخبط السياسة الخارجية لرجب طيب أردوغان، وما رافقه من فشل مشترك مع قطر في توحيد فصائل المعارضة السورية ومساهمتهما الكبيرة في الانشقاقات في صفوف الثوار والتي أدت إلى أن تتحول إحدى الفصائل (الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش») إلى شوكة تهدد الأمن القومي لأنقرة.

بعد كل هذه الحقائق على الأرض، وأمام الاتفاق الروسي- الأميركي لإنهاء المشكلة السورية سياسياً، لم يعد أمام تركيا إلا أن تنتهج منهجاً عملياً لصالح اقتصادها من ناحية، وإيجاد مخرج لها من فشلها في سوريا من ناحية أخرى.

وهو الأمر الذي يمكن اعتباره عودة للسياسة التركية التي اتبعتها لسنوات طويلة ولم تخرج فيها عن مفهوم السلم مع الجميع «zero problem policy»، وتحاول في الوقت نفسه العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في المنطقة، خاصة بعد أن خسرت الجميع ولم يعد لها تأثير على قضايا المنطقة.

ويبدو أن محاولة إعادة تقسيم النفوذ لن تنجح، فإيران التي تمكنت من السيطرة على العراق، والتي نجحت في تعزيز موقف النظام السوري العسكري نتيجة الانشقاقات الثوار لن تسلم لها بذلك.

ولا يتبقى أمام أنقرة إلا محاولة حفظ ماء الوجه وإقناع إيران بالتخلي عن دعمها لنظام بشار لأسد. الذي يؤكد ذلك تصريح وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في زيارته الأخيرة لطهران والذي قال: بأن المنطقة في حاجة إلى التهدئة وإلى معاهدة تسبق مؤتمر جنيف2.

هذا يعني وبكل بساطة أن التخبط الأردوغاني قد وصل مرحلة الارتماء في أحضان ملالي قم لإنقاذه شخصياً من نتائج سياسته الخارجية وتحالفاته الخاطئة، والعودة بتركيا إلى المربع الأول. فهل تفعل إيران ذلك؟

في الأغلب ستفعل، لأن من مصلحتها استمرار رئيس الوزراء التركي في منصبه لفترة قادمة فهو لن يستطيع الحفاظ على السياسة التركية القديمة، وسيعاود محاولة تحقيق حلمه العثماني على حساب استقرار الدول العربية. الفوضى في الدول العربية هدف تتقاطع فيه مصالح إيران والولايات المتحدة الأميركيـة والتنظيم الدولي للإخوان، ولكلٍ غايته.


كاتب سعودي

9