تركيا وازدواجية المواقف بين سوريا وليبيا

الشيزوفرينيا السياسية التي يعاني منها أردوغان تصبح حالة طبيعية إذا أدركنا أن الدفاع عن ميليشيات حكومة السراج وتبنّي ميليشيات شمال سوريا يصبّان في سياق واحد هو خدمة المشروع التوسعي العثماني الجديد.
الثلاثاء 2020/01/14
تغوّل سياسي من أجل المصلحة

لا يكاد يمر يوم دون أن تصدر تصريحات رسمية عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو عن وزير خارجيته أو وزير دفاعه أو أحد مستشاريه، لتصبّ في منحى واحد، وهو أن قرار التدخل العسكري في ليبيا ينطلق من أن حكومة فايز السراج معترف بها دوليا، وهي التي تمثل بلادها في الأمم المتحدة، وبالتالي فإن دعمها ينسجم مع الشرعية الدولية. أما الجيش الوطني الليبي الذي يحظى بالدعم الشعبي، وينبثق عن سلطة مجلس النواب المنتخب والمعترف به دوليا، ويبسط نفوذه على أكثر من 90 بالمئة من مساحة البلاد، ويضم حوالي مئة ألف مقاتل يتوزّعون على جيوش البر والبحر والجو، فهو في نظر نظام أنقرة مجرد ميليشيات.

إذا كانت المسألة مسألة شرعية دولية، كما يقول أردوغان، فإن النظام السوري لا يزال الممثل الشرعي لبلاده في نظر العالم بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لكن النظام التركي يتعامل مع حكومة مؤقتة تدار من بلاده، يعتبرها الممثل الشرعي للشعب السوري، ومع ميليشيات يطلق عليها اسم الجيش الوطني السوري، يستعملها في الإبقاء على الفوضى في أجزاء شاسعة من البلاد، ويعتمد عليها في حربه ضد الأكراد، ثم يرسل منها مرتزقة للقتال إلى جانب حلفائه في ليبيا.

فهل يستطيع أردوغان تفسير هذه الازدواجية؟ كيف يقنعنا بأنه مع حكومة السراج لأنها معترف بها دوليا، بينما هو يدعم حكومة مؤقتة في شمال سوريا غير معترف بها من أي نظام آخر غير نظامه، بل ويدعم حكومة أخرى في شمال قبرص لا يعترف بها أحد سواه، وقد تم فرضها على الأرض بقوة السلاح عندما غزت تركيا الشمال القبرصي في يوليو 1974؟

إن الشيزوفرينيا السياسية التي يعاني منها أردوغان تصبح حالة طبيعية إذا أدركنا أن الدفاع عن ميليشيات حكومة السراج وتبنّي ميليشيات شمال سوريا يصبّان في سياق واحد هو خدمة المشروع التوسعي العثماني الجديد تحت غطاء جماعة الإخوان وحلفائها ممن لا يعترفون بالوطن والوطنية، ولا بالدولة وسيادتها، ويتجاوزون قيم الانتماء إلى الوطن نحو وهم الانتماء لمشروع الخلافة الذي يحاول أردوغان إحياءه ليجعل منه إطارا عقائديا لإعادة تشكيل الطموح الإمبراطوري القومي الطوراني على حساب العرب.

القضية لا تتعلق بشرعية أو قانون أو دين أو مبدأ، وإنما بمصالح جماعة تتغطّى بشعارات الإسلام، لتمارس أبشع الجرائم وأقذر المؤامرات في حق الدول والشعوب بحثا عن نفوذ سابق يحاول أردوغان استرجاعه

ولا بأس أن يتحدث أردوغان عن حقوق ثقافية لليبيين أو سوريين منحدرين من أصول تركية أو عثمانية، لكنه بالمقابل لا يعترف بحقوق الأكراد سواء كانوا في بلاده أو في دول الجوار، ولا يرى مانعا من شن هجومات عسكرية على مدنهم وقراهم وتجمّعاتهم، فالقضاء عليهم بالنسبة له واجب قومي ووطني ملقى على عاتقه.

ذلك هو أردوغان الذي يتحدث عن حقوق الفلسطينيين ويتهم دول الاعتدال العربي ببيعها أو بالتخلي عنها، وهو المرتبط بعلاقات التعاون والتكامل مع إسرائيل على جميع الأصعدة بما في ذلك العسكرية والأمنية منها، ولا يستطيع قطع علاقاته الدبلوماسية مع تل أبيب، ولا حتى الامتناع عن استقبال السواح الإسرائيليين، أو وقف تجارته معهم، ولا التخلي عن مشاريع التصنيع الحربي التي تنفذها بلاده مع عتاة الصهاينة.

وكذلك هو أردوغان الذي يعلّم حلفاءه من الإسلاميين في البلاد العربية كيف ينقلبون على دولهم الوطنية وعلى زعاماتهم التاريخية المتهمة لديهم بالعلمانية وعدم اعتماد الشريعة، بينما يرفع في كل مكاتبه وقصوره صور الزعيم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس العلمانية في تركيا، احتراما منه لتاريخ بلاده، مقابل ازدرائه تاريخ الآخرين.

وهو نفسه الذي تعامل مع تنظيمات داعش والقاعدة وكل تفرعات الإرهاب، وفتح أبواب بلاده لاستقبال الإرهابيين وتمريرهم نحو العراق وسوريا، ثم إعادة تصديرهم إلى ليبيا، ليستعملهم في قضاء مصالح نظامه، وهو الذي أشرف على تهريب النفط إلى بلاده، وعلى تفكيك المصانع والمعامل السورية وسرقتها، وعلى نهب الآثار وبيعها في السوق السوداء، وعلى تشجيع تجار ليبيا على تخريب مؤسسات بلادهم وتحويلها إلى خردة تنقل إلى بلاده.

وهو الذي ينتقد موقف الشعب المصري من الإخوان الذين سعوا إلى الانقلاب على دولته، في حين قام بقمع مئات الآلاف من الأتراك بزعم محاولتهم الانقلاب على نظامه، فالشعوب لا تعني شيئا للحاكم بأمره العثماني أمام مصلحة النظام وعقيدة الحزب ومشروع التغوّل والتوسع الذي يتزعمه في المنطقة.

ومن يتابع هذه الأيام عملية نقل إرهابيي شمال سوريا إلى غرب ليبيا لتشغيلهم كمرتزقة في ميليشيات فايز السراج، يدرك طبيعة أردوغان ونظامه. فالقضية لا تتعلق بشرعية أو قانون أو دين أو مبدأ، وإنما بمصالح جماعة تتغطى بشعارات الإسلام، لتمارس أبشع الجرائم وأقذر المؤامرات في حق الدول والشعوب، بحثا عن نفوذ سابق يحاول أردوغان استرجاعه، ليخدم من خلاله مصالح الأسرة التي يريد تكريسها كأسرة مالكة متسلّطة في خلافة جديدة، وحزب يعمل على تحويله إلى قوة تجنيد واستقطاب واحتواء للعملاء والأتباع من باعة الأوطان في المنطقة، ونظام يتجاوز طبيعته السياسية ليتحول إلى آلية استعمارية متجاوزة لحدودها الإقليمية، هدفها التمدّد والتوسع على حساب الآخرين.

8