تركيا والأكراد.. الصراع بذريعة داعش

السبت 2016/08/27

في سوريا، تتأسس التحالفات الدولية وتندلع أكبر المعارك تحت شعار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. مع ذلك، فإن ما يبدو كهدف مشترك، أي تدمير “دولة الخلافة”، لا يحتل إلا مكانا ثانويا ضمن أجندات متنافسة تتحرك بطموحات شديدة الخصوصية.

آخر المشاركين في الحرب على داعش هو تركيا التي زجت بقواتها الخاصة وعدد من الآليات والطائرات الحربية داخل الأراضي السورية، بهدف مساندة تحالف مكون من مجموعة فصائل سورية للسيطرة على بلدة جرابلس الحدودية. أطلقت تركيا المعركة في سياق الحرب على داعش، ثم ما لبثت أن وسعت مراميها لتضع المعركة في سياق الحرب على الإرهاب. وتقصد بالإرهاب عدوها اللدود، حزب العمال الكردستاني، الذي تخوض معه منذ العام 1984 جولات متقطعة من العنف اندلعت جولتها الأخيرة منذ أكثر من عام وقد ذهب ضحيتها أكثر من 1400 شخص وتسببت بنزوح نحو 400 ألف مدني.

هي حرب طاحنة إذن، وتحتل قمة أولويات الأجندة العسكرية التركية التي تستهدف إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من المواقع الحضرية جنوب شرق البلاد. ويبدو أنها امتدت لإخراج فرع حزب العمال في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي، من منطقة غرب نهر الفرات. هدف الحرب التركية هو محاربة الأكراد في سوريا انطلاقاً من الذريعة الأكثر تداولاً في أيامنا: الحرب على داعش.

الأكراد يظهرون اندفاعاً استثنائياً لمحاربة تنظيم داعش. وهنا يظهر أن الهدف الرئيسي من حربهم تلك هو انتزاع كيان قومي غير متعين الحدود في سوريا بذريعة قتال داعش التي تمثل الفرصة التاريخية الثانية التي أتيحت لهم خلال الأعوام الماضية.

الفرصة الأولى كانت مع اندلاع الثورة السورية وقد أتاحت لهم إنهاء عقود من التمييز والاضطهاد. فمنذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، منع الأكراد من التحدث والتعلم بلغتهم، وحرم مئات الآلاف من الحصول على الجنسية السورية وتعمد انتهاج سياسة التهميش لمناطق تواجدهم.

مع اندلاع الثورة في العام 2011، اضطر النظام السوري إلى تقديم تنازلات بدأت بعد أيام من انطلاق الاحتجاجات الشعبية حيث سمح لهم بالاحتفال بعيد النيروز. وأكمل الأكراد انتهاز الفرصة التاريخية الأولى بانسحاب النظام في منتصف عام 2012 من مناطق تركزهم شمال البلاد وتسليم إدارتها لحزب الاتحاد الديمقراطي.

الفرصة التاريخية الثانية فقد سنحت لهم بعد بروز داعش في سوريا واعتمادهم من قبل الولايات المتحدة ليكونوا القوة الرئيسية في إستراتيجية محاربة التنظيم. تحت شعار الحرب على داعش اندفعت قوات حماية الشعب الكردية لإنشاء كيان قومي كردي يبتلع المناطق ذات الغالبية العربية في شمال سوريا. هكذا انتقل من اختبر الاضطهاد القومي عقوداً طويلة، إلى موقع من يمارس الاضطهاد ويهجر السكان من مدنهم وقراهم.

يدرك الأكراد جيداً أن وجود تنظيم داعش من جهة، وتشكيلهم لتحالف استثنائي يضم النظام السوري وإيران وروسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، وفرا لهم فرصة تاريخية لا يمكن أن تتكرر لقضم المزيد من الأراضي والمساومة عليها عندما يحين موعد المفاوضات. استغلال الفرصة التاريخية يقتضي انتزاع أي رقعة أرض متاحة سواء من داعش، أو من المعارضة السورية، أو حتى من النظام السوري.

ودائماً تحت ذريعة الحرب على داعش، يجري السماح للطفل المدلل بالعبث لبعض الوقت، وانتزاع مكاسب مستمرة تراهن القيادة الكردية في سوريا على أنها ستكون، في أسوإ الأحوال، أمام خيار التفاوض عليها وإعادة جزء منها أو مقايضتها بأراض لم تصلها جيوشها بعد. باختصار تؤمن قوات حماية الشعب الكردية بأن مهمتها تنحصر في تحقيق الإنجازات العسكرية مع استبعاد لإمكانية تعرضها لتهديد وجودي في المستقبل بسبب الحماية الدولية التي تتمتع بها.

ويُظهر الدعم الأميركي للعملية العسكرية التركية، وتهديد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن بإيقاف دعم الأكراد في حالة عدم انسحابهم من غرب نهر الفرات، أنهم أساءوا تفسير موقف واشنطن، أو وقعوا في شرك التصريحات الأميركية المبهمة التي لم تساعد على وضع سقف لطموحاتهم التوسعية ودفعتهم نحو المزيد من الاستخفاف بمخاوف بقية الأطراف سواء المحلية منها أو الإقليمية.

هكذا صارت الحرب على داعش مجرد أكذوبة تخفي وراءها سلسلة من الأهداف الخاصة لكل طرف يحارب التنظيم. ما يجري حالياً لا يتعلق بالهدف المعلن أي استئصال داعش، بل يتعلق برسم وإعادة تشكيل دموية لمناطق النفوذ المستقبلية في سوريا.

كاتب فلسطيني سوري

9