تركيا والاتحاد الأوروبي: جار مزعج لقارة عجوز تبحث عن الاستقرار

التقارب التركي الروسي الأخير لن يمر بشكل مجاني، فالأوروبيون لا يخفون انزعاجهم من السلوك غير “المنضبط” لأردوغان الذي أطلق حملة انتقام أقرب أن تكون شخصية من المشاركين في الانقلاب الفاشل. فلقاء الرئيس التركي بالرئيس الروسي يراه الاتحاد الأوروبي محاولة روسية لاستمالة عضو في حلف الشمال الأطلسي، الأمر الذي ينقص من حظوظ الأتراك في الانضمام إلى الاتحاد.
الخميس 2016/08/11
ضحية الابتزاز التركي

برلين - قرأ ساسة أوروبا زيارة رجب طيب أردوغان الأخيرة إلى روسيا على النحو الذي يجب، فسياق الزيارة كان مناسبا كي تتاح الفرصة أمام أردوغان ويعيد الكرة إلى ملعب الأوروبيين في تدبير حلول للأزمات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط (سوريا والعراق) وأن يتدبر الاتحاد الأوروبي أمره في حل معضلة اللجوء التي تعتبر تركيا أحد مفاتيح حلولها أو تعقيدها، وذلك هو الإطار الدقيق الذي يمارس من خلاله أردوغان ابتزازه للأوروبيين، لكن وبملاقاته بوتين، الثلاثاء 9 أغسطس الجاري في سان بطرسبرغ، فإن رد الفعل الأوروبي أصبح أكثر وضوحا في منحاه الهجومي.

فقد سبق أن قوبل رد فعل تركيا على محاولة الانقلاب الفاشلة مؤخرا، عبر فرض قيود على الحقوق المدنية وتطهير عشرات الآلاف من موظفي الحكومة، بالتلويح بإصبع التحذير من قبل جيرانها الأوروبيين، الأمر الذي خيب آمال أردوغان الذي كان يعتقد أن دول الاتحاد سوف تدعمه في ما يسميه الإعلام التابع لحزب العدالة والتنمية بأنه “دفاع عن الديمقراطية”، لكن الأمر كان عكس ما يظنه الرئيس التركي. وقد ظهرت اللهجة الحادة في العلاقة بين الطرفين في تصريحات البعض من المسؤولين الأوروبيين والأتراك على حدّ السواء.

عتاب دبلوماسي

استدعت بلجيكا والنمسا على حدّ سواء السفير التركي لدى كل منهما لمناقشة الوضع الراهن في تركيا، التي هي الآن في ظل حالة الطوارئ.

وحذر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، أنقرة مطالبا إياها بالحدّ من حالة الطوارئ إلى أقصر وقت ممكن. وقال في بيان “هذا أيضا في مصلحة تركيا نفسها، إذ أن أيّ شيء آخر سوف يمزق البلاد ويضعف تركيا داخليا وخارجيا”.

ماريا إيلينا بوتشي: إذا أعادت تركيا العمل بعقوبة الإعدام سيتم وقف التفاوض بشأن الانضمام إلى الاتحاد فورا

ولدى الاتحاد الأوروبي مصلحة كبيرة في الحفاظ على استقرار جارته المزعجة في الكثير من الأحيان، لأسباب ليس أقلها أن بروكسل خصت أنقرة كشريك رئيسي للاتحاد الأوروبي في حل أزمة اللاجئين بالقارة.

ولكن بينما يشرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عملية تطهير كبيرة بمؤسسات الدولة، فهو لا يستمع إلى كلمات التحذير الصادرة عن الاتحاد الأوروبي.

ويتمنى الأوروبيون لو كانت العلاقة مع تركيا محددة في البعض من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية فقط دون أن يفرض الأتراك أنفسهم على الأوروبيين ويطالبون بالانضمام إلى منطقة اليورو، لكن يعلم الأتراك جيدا أن لديهم الأوراق الكافية لجرّ الأوروبيين نحو طاولة مفاوضات أقرب إلى شروطهم منها إلى الأوروبيين.

وقال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في تركيا عمر جليك إن تركيا ستوقف تنفيذ اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لمنع تدفق المهاجرين إذا لم يحدد الاتحاد بوضوح موعدا لإعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول.

وفي مقابلة مع قناة خبر ترك التلفزيونية التركية قال جليك “إن مطالبة تركيا بتغيير قوانينها لمكافحة الإرهاب (وهو طلب أوروبي رئيسي لوضع اللمسات الأخيرة على إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول) سوف تعني تعريض أمن أوروبا نفسها للخطر”.

وعلى الرغم من توجيه مدافعين عن الحقوق انتقادات للاتفاق بشأن المهاجرين فإنه ساعد على خفض أعداد المهاجرين واللاجئين الوافدين إلى السواحل الأوروبية كثيرا، مما أعطى الساسة في الاتحاد الفرصة لالتقاط الأنفاس بعد وصول نحو 1.3 مليون شخص إلى أوروبا العام الماضي، وبذلك فأوراق الأتراك تعتبر قوية من الناحية الأمنية والجيوسياسية.

وقال أردوغان إن الدول الأوروبية “بالتأكيد ليس لديها الحق في انتقاد تركيا”، متحججا بأن فرنسا أعلنت حالة الطوارئ لأسباب أقل بكثير ضمن مواجهتها لتهديد إرهابي مستمر. وأوضح البروفيسور أليساندرو أورزينى، مدير مركز دراسة الإرهاب في جامعة روما تور فيرجاتا، في مقال افتتاحي في صحيفة الماساجيرو “الهاجس الرئيسي للشخص الذي كان هدفا لانقلاب عنيف ليس الاستماع إلى النداءات الإنسانية من المجتمع الدولي، ولكن إنقاذ حياته وحياة المقربين منه”.

تركيا تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم

الإعدام وأوروبا

تعلم الدوائر الاستراتيجية الأوروبية جيدا أن القطيعة بين تركيا وروسيا لن تدوم طويلا، لأن الحاجة الاقتصادية والجيوسياسية بين البلدين ملحة إلا في حالة حدوث تغيّر جذري في النظام التركي، وهذا ما جعل الأوروبيين يراقبون عن كثب طبيعة التعاطي التركي مع الهزات السياسية الكبرى في البلاد مثل الاختبار الذي مرّ به أردوغان مع محاولة الانقلاب الفاشلة (الذي فشل فيه من وجهة النظر الأوروبية).

إذ تدرس الحكومة في أنقرة إعادة العمل بعقوبة الإعدام، التي ألغتها في عام 2004 في وقت كانت تكثف جهودها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن التكتل الأوروبي بعث برسالة واضحة وصريحة إلى تركيا في الأيام الأخيرة، عبر قول المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، شتيفن زايبرت “إن البلد الذي لديه عقوبة الإعدام لا يمكن أن يكون عضوا في الاتحاد الأوروبي”.

وقالت وزيرة الشؤون البرلمانية الإيطالية، ماريا إيلينا بوتشي، لزملائها نواب البرلمان الإيطالي بروما في 20 يوليو الماضي “إذا ما أعادت تركيا العمل بعقوبة الإعدام، سيتم وقف عملية التفاوض بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فورا، لأن تركيا ستكون قد خرقت مبادئ الاتحاد الأوروبي”.

ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخرا، تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين في العالم، بما يقرب من 2.5 مليون شخص. والآن، ووسط تقارير عن توجه مدبري الانقلاب التركي إلى اليونان لتقديم طلبات لجوء، كثفت تركيا من وجود خفر السواحل في بحر إيجه.

وفي الوقت نفسه، أدّت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة إلى توتر أعصاب قبرص، فحتى وقوع محاولة الانقلاب، كان ينظر إلى أردوغان كرمز أمل لحل التقسيم الجيوسياسي المستمر منذ عقود بين الشطر الجنوبي اليوناني من الجزيرة التابع للاتحاد الأوروبي والشطر الشمالي التابع لتركيا. وقال صحافي يوناني للوكالة الألمانية “إذا كان الجيش التركي قد تمكن من تولي السلطة، فإننا كنا سنعود مرة أخرى إلى المربع رقم واحد”.

لكن القبارصة مازالوا متخوفين بشدة، كما ذكر أكاديمي مشترطا عدم الكشف عن هويته، حيث أشار إلى أن العديد منهم لا يشعرون بالارتياح إزاء عقد آمالهم الخاصة بإيجاد حل، على زعيم يعتبره الكثيرون استبداديا على نحو متزايد.

ولا يوجد أدنى شك في أن عضوية الاتحاد الأوروبي والمشكلة القبرصية انحدرتا إلى أدنى أولويات الرئيس التركي في الأيام الأخيرة.

وعرضت بروكسل على أنقرة 6 مليارات يورو في شكل مساعدات إنسانية لتعاونها في تسهيل عودة المهاجرين القادمين عبر البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، يعتمد هذا الاتفاق على وضع تركيا كدولة منشأ آمنة، وهو وضع تم التشكيك فيه مرارا من جانب جماعات حقوق الإنسان.

7