تركيا والاتحاد الأوروبي: طلاق خلعي أم رجعي

الأربعاء 2014/03/12
أمام تركيا عقبات كثيرة وصعبة لبلوغ العضوية"المنشودة" في تكتل أوروبا

بروكسل- تعترض العديد من دول الاتحاد الأوروبي حاليا على انضمام تركيا له، خاصة بعد فضيحة الفساد التي مست “سمعة” أردوغان داخليا ودوليا، في الوقت الذي تسعى فيه تركيا لإبراز نفسها كمحور استراتيجي في المنطقة.

منذ تأسيس الاتحاد الأوربي بدوله الواقعة في أوروبا بشقيها الغربي والشرقي، وتركيا تحاول أن تحقق حلمها بالانضمام إلى هذا الاتحاد مستفيدة من الحقيقة الجغرافية لوقوع الجزء الغربي من مدينة إسطنبول في القارة الأوروبية.

هذا الحلم قد بدأ يتحقق عام 2005، حيث أعلن رسميّا فتح الملف التركي من أجل مفاوضات الانضمام، وقد كان الطموح التركي للانضمام إلى دول هذا الاتحاد مفهوما ومبررا، فالأتراك يسعون إلى مشاركة أوروبا في تطورها واستقرارها ورفاهها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ولم تكن عملية التحضير لانضمام تركيا إلى دول الاتحاد سهلة وبسيطة إنما كانت صعبة ومعقدة، فقد برزت العقبات والصعوبات أمام هذا الانضمام، كان أهمها رفض بعض دول الاتحاد للعضوية التركية، حيث تجسّم هذا الرفض في سلة المتطلبات الأوروبية المقدمة إلى تركيا، كشروط ومستلزمات وصلت حد التعجيز في بعض الأحيان.

كما أنه لم يفرح الفرنسيون ولا اليونانيون ولا القبارصة، لفتح ملف الانضمام بل عارض هؤلاء علنا انضمام الأتراك إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن، أن هناك من أخفى رفضه وهناك من وافق على مضض حتى صارت لعبة جر الحبل بين الأطراف طويلة وشاقة وغير حاسمة.

ورغم الإشارات الإيجابية التي انطلقت من الجانب التركي كبوادر خير وتقدم في كافة المجالات، إبان فترة فتح ملف الانضمام، إلاّ أنه تحتم على الأتراك أن يحققوا فصول الانضمام التي جاءت بـ35 فصلا.

وقد أولت القيادات التركية جل اهتمامها في تحقيق هذه الفصول، ابتداء بتلطيف الجو السياسي ومرورا بالازدهار الاقتصادي ووصولا إلى الرفاه الاجتماعي والاهتمام بحقوق الانسان، حيث كان ذلك بداية مطمئنة لدول الاتحاد في بدء مشوار محادثات الانضمام التي تركزت على الإصلاحات السياسية الداخلية والتي يجب أن تتناغم وتتطابق مع الذوق والمنهج الأوروبي.

رفضت دول من الاتحاد عضوية تركيا من خلال (سلة) تصفها تركيا بأنها تعجيزية

وعلى إثر ذلك بوقت قصير، أفاق الأتراك على حقيقة التهاون الأوروبي في عملية انضمام تركيا إلى دول الاتحاد وعدم جديتهم في تحقيق هذا المشروع، فبدأ العد التنازلي التركي للرحيل أو على الأقل تجميد عملية الانضمام وعدم الاكتراث بها. وهناك الكثير من الحقائق والأحداث التي تشير إلى توافق أوروبي تركي في الرؤى والمسار ينصبّ على تجميد الصلة وإيقاف مشروع إدماج تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي وأهم هذه الحقائق تتمثل في:

أولا، لم يفتح من الـ35 فصلا من فصول الانضمام المطلوب تنفيذها إلا 13 فصلا ! بينما جُمّدت 8 فصول بقرار المجلس الأوروبي عام 2006، في حين رفعت فرنسا حق “الفيتو” بوجه خمسة فصول ورفعت قبرص حق “الفيتو” على ستة فصول. وجراء ذلك، اعتبر الأتراك هذا التصرف الأوروبي بأنه تباطؤ وعرقلة في إنجاز الفصول وحجج واهية يستخدمها الأوروبيون، لرفض انضمام تركيا إلى دول اتحادهم.

ثانيا، إبان الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت تركيا كردة فعل على قرار الحكومة بتحويل منتزه “ميدان تقسيم” إلى مجمع تجاري في مدينة إسطنبول في صيف عام العام الماضي، أصدر الاتحاد الأوروبي قرارا في هذا الشأن أدان فيه الإسراف في استخدام القوة ضد المتظاهرين الأتراك.

وتبعا لذلك لم تعر الحكومة التركية أهمية إلى هذا القرار بل رفضته بإصرار، حيث تهكم رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على هذا القرار واعتبره كيل بمكيالين.

العلاقة التركية - الأوروبية
◄ 1959.07.31 تركيا تطلب الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة

◄ 1964.12.01 تنفيذ اتفاقية الشراكة بين الطرفين

◄ 1987.04.14 تركيا تطلب بشكل رسمي الحصول على عضوية الاتحاد

◄ 1996.03.06 تشكيل الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد

◄ 2004.12.17 بدء المفاوضات بين تركيا والاتحاد

مشيرا إلى أن الانتقادات يجب أن يوجهها الاتحاد لنفسه، بل رفضت تركيا تدخلات السياسيين الأوربيين في شأنها الداخلي وكأنها أرادت أن توحي للأوربيين بأنهم لا يهتمون بها أو بأنهم يعتبرونها ليست جزءا منهم. هذا الأمر قد زاد التوتر بين الطرفين وجمّد الاتصالات المشتركة المتعثرة حول الانضمام، وجعل التراشق مستمرا بالأقوال خصوصا بعد أن اقترحت حكومة أردوغان مؤخرا، مشروع قانون يمنح جهاز الاستخبارات الداخلية سلطات أوسع.

فقد صرّح النائب الأوربي البريطاني، أندرو داف، بأن تعليق طلب تركيا في الانضمام لدول الاتحاد سيتخذ خلال هذا العام، كما أن هيلين فولتر، رئيسة اللجنة البرلمانية التركية الأوروبية المشتركة، أشارت إلى أن “أهلية” تركيا لعضوية الاتحاد أصيبت بضعف شديد خلال السنوات الأخيرة.

ثالثا، ترى تركيا نفسها ومن خلال مواصفاتها العامة، بأنها دولة كبيرة في ثقلها وتأثيرها وأهميتها، فهي قوة سياسية واقتصادية وعسكرية يحسب لها، كما أن لها خصالا استراتيجية مهمة، فهي عضو في حلف “الناتو” وفي المجلس الأوروبي وفي دول “G20” ومجلس الأمن والمؤتمر الإسلامي.

كما أن تأثيراتها على دول المنطقة ودورها في موازنة القوى وموقعها الجغرافي الحساس، جعلها قوة لا يستهان بها ويحسب لها ألف حساب. هذا الشعور المتنامي في الأهمية والثقل يتناقض مع سياسة الأوروبيين المهينة لها في وضع الموانع والعقبات أمامها في معالجة ملف الانضمام إلى اتحاد دولهم، حيث ملّ الأتراك من الركض وراء الأوربيين الذين يتعاملون معهم وكأنهم طلاب مشاكسون غير مؤهلين للنظم والالتزامات الأوروبية.

رابعا، في الوقت الذي تتنامى فيه قوة تركيا الاقتصادية، أصيب الاقتصاد الأوروبي بالركود والجمود، حتى تباهى الأتراك باقتصادهم الصاعد صعود اقتصاديات الدول النامية والصاعدة اقتصاديا مثل الصين والهند والبرازيل، إذ حقق الاقتصاد التركي ارتفاعات ملحوظة في معدلات إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الأخيرة. هذا التفاوت في المسار الاقتصادي بين تركيا وأوروبا جعل الأتراك يشعرون بأنهم هدية إلى أوروبا وليس العكس وبأنهم قد يفيدون أكثر مما يستفيدون.

12