تركيا والصواريخ.. قصة لا تنتهي

على الرغم من أن هذه القضية من صنع الرئيس التركي إلى حد كبير، فإن تداعياتها ستكون على البلد برمّته.
الجمعة 2019/07/19
مبيعات الأسلحة لتركيا أفضل خيار جيوسياسي لروسيا

هل تذكرون ذلك المشهد الدرامي الذي ضم كلّا من روسيا وتركيا حول قضية الصواريخ أرض-جو؟ لا أقصد مكونات نظام أس 400 التي تصدّرت عناوين الأخبار هذا الأسبوع؛ بل أحداث عامي 1997-1998، عندما احتجّت الحكومة والجيش في تركيا بشدة على تسليم الصواريخ أس 300 إلى القبارصة اليونانيين.

هددت تركيا في ذلك الحين باعتراض السفن الروسية التي تحمل الصواريخ أس 300 إلى الجزيرة المنقسمة، خشية تعرض مصالحها الأمنية للخطر. وكان رجال خفر السواحل والبحرية التركية يصعدون بصفة دورية على متن السفن، بما في ذلك تلك التي كانت ترفع علم الاتحاد الروسي، لتفتيش البضائع التي تحملها تلك السفن. وبعد تدخل الولايات المتحدة، وافق الرئيس القبرصي آنذاك غلافكوس كليريديس على نشر الأسلحة الروسية الصنع في جزيرة كريت اليونانية، بعيدا عن مرمى تركيا.

لكن الوضع انقلب بعد 20 سنة؛ اليوم، تركيا، وليست اليونان أو القبارصة اليونانيين، هي التي تقف في صف موسكو. وبينما يبتهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومؤيدوه بوصول شحنات أس 400 إلى تركيا، فإن مسؤولي الدفاع في أثينا يمضون قدما في الاتفاق الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق ألكسيس تسيبراس مع الولايات المتحدة بشأن تحديث الطائرات المقاتلة من طراز أف 16.

يُجري السعوديون مفاوضات مع روسيا. ومن شأن احتمال البيع أن يفتح الباب في سوق الدفاع الخليجي الجذّاب للغاية

وعقد نيكوس باناغيوتوبولوس، وزير الدفاع اليوناني المعيّن حديثا، هذا الأسبوع أول اجتماعاته مع السفير جيفري بيات. وأشاد الدبلوماسي الأميركي باليونان واصفا إيّاها بأنها “أحد أعمدة الاستقرار في شرق المتوسط”.

وحقيقة الأمر أن توازن القوى في المنطقة قد تغيّر؛ ففي أواخر التسعينات لم تكن روسيا أكثر من مجرد مصدر إزعاج، إذ بعد أن قلّصت تواجد قواتها البحرية في البحر المتوسط بالفعل في منتصف السبعينات، أصبح كل ما يمكن أن تأمل فيه هو الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية الطيبة مع الدول التي تجمعها بها ميول مشتركة، وربما الحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها كثيرا من خلال بيع الأسلحة. وكان من الصعب جدا أن تكون منافسا للهيمنة الغربية على المنطقة.

كانت المؤسسة الأمنية التركية تراقب بحذر مقترحات موسكو بشأن اليونان وقبرص وسوريا وأرمينيا؛ لكن لم يبذل أحد في البيت الأبيض أو البنتاغون الكثير من الجهد في هذا الشأن. في المقابل، فإن روسيا برزت اليوم كوسيط قوي في سوريا، وشريك مفضل لدى أردوغان.

وقد تكون مبيعات الأسلحة أفضل خيار جيوسياسي لروسيا؛ فهذه المبيعات تعزز العلاقات مع القادة وقواتهم العسكرية، وتعزز إيرادات الصناعة العسكرية، التي تمثل أحد قطاعات التكنولوجيا المتقدمة القليلة في الاقتصاد الروسي. وتضع صادرات الأسلحة روسيا في مكانة تقترب فيها من أن تكون ندّا للولايات المتحدة. الأهم من ذلك أن المخاطر المتعلقة بهذا الشأن ليست كبيرة.

ومن خلال بيع الصواريخ أس 400 لتركيا والصين وغيرهما، فإن روسيا لا تواجه خطر الدخول في صراعات يمكنها أن تنأى بنفسها عنها.

ويستحق نظام الصواريخ أرض-جو أس 400 الحديث عنه بشكل خاص؛ فبعد أن دخل هذا النظام الخدمة في عام 2007، وأُتيح للتصدير في أوائل العقد التالي، اشترته كل من بيلاروس (التي حصلت على سعر مخفّض في إطار ترتيب لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي)، والجزائر والصين. وفي الفترة من عام 2015 إلى عام 2017، استوردت مصر الصواريخ أس 300 في.أم أنتيي 2500، التي يعتقد الخبراء العسكريون أنها إلى حد ما متفوقة على النظام الذي اشترته تركيا. وتُستخدم التكنولوجيا الصاروخية الروسية حتى في كوريا الجنوبية.

بينما يبتهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومؤيدوه بوصول شحنات أس 400 إلى تركيا، فإن مسؤولي الدفاع في أثينا يمضون قدما في الاتفاق الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق ألكسيس تسيبراس مع الولايات المتحدة

ولا شك في أن السعوديين يراقبون الاتفاق التركي عن كثب. ويُجري السعوديون مفاوضات مع روسيا. ومن شأن احتمال البيع أن يفتح الباب في سوق الدفاع الخليجي الجذّاب للغاية. وهذه ليست بالأخبار الجيدة لإيران، التي تفخر بامتلاك أس 300، لكن لغة المال والأعمال هي التي تسود دائما.

لكن ماذا عن تركيا؟ تريد تركيا أيضا أن ترتمي في أحضان عالم التجارة وتجني الثمار. والقصة التي يرويها القصر الرئاسي التركي هي أن الاتفاق مع روسيا سيشمل بشكل أو بآخر نقلا للتكنولوجيا. لكن هذا من الأمور غير المرجحة بالنظر إلى تصريحات المسؤولين الروس. وفي نهاية المطاف، فإن تركيا ما زالت جزءا من حلف شمال الأطلسي، وهي صديق بقدر ما هي منافس في السياسة بالمنطقة، وربما أسواق الدفاع أيضا.

في الوقت ذاته، فإن مخاطر إقصاء تركيا عن قطاع الصناعات العسكرية الأميركي قائمة بالفعل. لكننا لم نعرف حتى الآن إلى أي مدى ستكون العقوبات الأميركية قاسية، ومتى ستُفرض تلك العقوبات، بالنظر إلى أن الصواريخ أس 400 لن يتم تجميعها ونشرها قبل العام المقبل. ولو كنت تركيّا، لوددت بشدة أن تكون لدى أردوغان خطة بشأن كيفية التعاطي مع هذه القضية. وعلى الرغم من أن هذه القضية من صنع يده إلى حد كبير، فإن تداعياتها ستكون على البلد برمّته.

7