تركيا والعتبة الانتخابية: إقصاء الأكراد بعقلية العسكر

تصويت الناخبين الأكراد في الولايات والمناطق التي يعيشون فيها جاء بكثافة، وتخطي حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية متروك لموقف وضمير سلطة حزب العدالة والتنمية.
الاثنين 2018/05/14
النظام التركي لا يأبه لأصوات الأكراد

مضت 28 عاما على الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر في تركيا حين أعلن ضباط الجيش فرض الأحكام العرفية وعدم اتباع الحكومة، لتحكم بذلك القوات التركية المسلحة البلاد لمدة ثلاث سنوات انتهت بتعيين عراب الانقلاب آنذاك كنعان أفرين رئيسا لتركيا.

تمكنت تركيا من التخلص من قبضة ضباط الجيش على السلطة وعام 2010 فاز حزب العدالة والتنمية بغالبية الأصوات في استفتاء يطالب بإلغاء صلاحيات أفرين الذي منحها للمسؤولين العسكريين وتعديل الدستور، وحين تولى رجب طيب أردوغان الرئاسة عام 2012 شهدت تركيا أول محاكمة لقادة انقلاب عسكري في تاريخها، سميت بمحاكمة القرن. لكن على رغم من محاكمة العسكريين وتنحيهم من على الحكم إلى أن تصميم وشكل السياسة المدنية ظلا كما هما مشابهين لتلك الفترة التي عانت منها البلاد اعتقالات وأحداثا دامية.

ولم تستطع السياسة التركية حتى الآن أن تتجاوز الخطوط الحمراء العريضة التي رسمها الانقلابيون آنذاك. لم يتم الاعتراف بالأكراد كمواطنين متساوين مع غيرهم في أي وقت قط. دائما ما تمّ اعتبارهم مشكلة أمنية، وجُعلوا ذريعة لا غنى عنها بالنسبة للسياسات الأمنية.

قليجدار أوغلو مهندس هذا التحالف الذي شكلته أربعة أحزاب من المعارضة أعلن ترشيح محرم إينجه للانتخابات الرئاسية، ومن المعلوم أن محرم إينجه أكثر خصوم قليجدار أوغلو معارضة له

وقد استهدف الانقلابيون إقصاء الأكراد خارج المشهد السياسي، ولتحقيق ذلك الهدف وضعوا شرط تجاوز العتبة الانتخابية التي تمثل 10 في المئة، والتي كانت العقبة الكؤود بالنسبة لذلك الوقت. وكم هو مؤسف أن تتبنى السياسة المدنية هذا التصرف منذ 28 عاما؛ فما ألغت العتبة الانتخابية، وما تخلت عن اعتبار الأكراد مشكلة أمنية. لو أن هذا العائق المتمثل في العتبة الانتخابية وضع اليوم، لجعلت انتخابات 7 يونيو 2015 أساسا، ولصارت تلك العتبة الانتخابية 15 في المئة.

وجدير بالذكر أن في الانتخابات العامة الأولى التي أجريت بعد الانقلاب العسكري 12 سبتمبر كان كنعان أفرين يحدد عبر شاشات التلفاز من الذين يرغب في انتخابهم، واليوم أيضا يقوم رئيس الأركان العامة بـ”زيارة” الشخص الذي لا ترغب السلطة المدنية في ترشحه. هذا التشابه في الممارسات قائلة “العقلية هي نفس العقلية، ما تغيّر هو الأبطال والأدوار والأدوات فحسب”.

من المؤسف أيضا أن السياسة في بلادنا تُعتبر امتيازا لا يمكن أن يمارسه إلا الأتراك السنة. والقومية الإسلامية المتهالكة تُستبدل اليوم بشكل غير متهالك باسم تحالف الأمة.

وبهذه الطريقة يتم توثيق عدم الاعتراف بأن 15 في المئة ممن يعيشون في هذه الأراضي؛ في تركيا ليسوا مواطنين أتراكا متساوين مع غيرهم؛ وذلك يحدث عبر سياسة طرد الأكراد التي تنفذ بالشراكة بين السلطة والمعارضة. علاوة على ذلك فإن هذين التحالفين يعدان بـ“الديمقراطية والعدالة والحرية وسيادة القانون”. لكن مفهوم الديمقراطية لدى من يشكلون جبهة السلطة حاليا لاحتلالها المراكز الأخيرة في مؤشرات الديمقراطية والقانون والحرية.

أما بالنسبة لتحالف المعارضة المكون من أربعة أحزاب فإن وعد قليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية بتوفير الديمقراطية والعدالة والحرية مجروح منذ البداية بالرغم من كل الجهود المبذولة.

لذلك فإن قليجدار أوغلو مهندس هذا التحالف الذي شكلته أربعة أحزاب من المعارضة أعلن ترشيح محرم إينجه للانتخابات الرئاسية، ومن المعلوم أن محرم إينجه أكثر خصوم قليجدار أوغلو معارضة له، كما أنه سبق وترشح مرتين ضده لتولي منصب الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري، ومع أن قليجدار أوغلو خطا خطوات مفاجأة وغير مألوفة ما إن تم إعلان تاريخ الانتخابات المباغتة؛ إلا أنه لم يستطع تتويج تلك الخطوات التي بعثت الأمل فينا جميعا لصالح الديمقراطية بـ’تحالف أساسه صفر في المئة’ تشارك فيه جميع الأحزاب.

وكان قليجدار أوغلو وصف هذا التحالف بقوله “نريد تحالفا أساسه صفر في المئة لإلغاء العتبة الانتخابية 10 في المئة التي فرضها انقلاب 12 سبتمبر. ثانيا نريد إزالة جميع العقبات التي تعترض طريق الحق في الانتخاب”.

وعلى الرغم من كلمات قليجدار أوغلو هذه إلا أنه لم يستطع تحطيم الصمود والمقاومة اللذين تسبب فيهما الترشح المبكر لرئاسة الجمهورية من قبل ميرال أكشنر الاسم الطموح، الذي يُقدم على أنه وجه قديم في السياسة، ولكنه جديد بفضل أنصاره الذين تم تجديدهم. ويبدو أن ما أثر في ذلك هو احتمالية أن تذهب بعض أصوات حزب الشعب الجمهوري لصالح أكشنر.

وبناء على استطلاعات رأي مفاجئة قامت بها بعض شركات استطلاع ودراسة الرأي العام؛ فإن أكشنر التي وضعت حزب الشعب الجمهوري في مأزق بهذا الشكل، قد كشفت بسبب موقفها المتشدد هذا أن انفصالها عن حزب الحركة القومية لم يكن من أجل تأسيس رؤية سياسية جديدة، وأن مفهوم القومية لديها لا يختلف كثيرا جدا عمّا لدى حزب الحركة القومية، وبالتالي فإنها لن تستطيع أن تصبح حزبا مركزيا.

من المؤسف أيضا أن السياسة في بلادنا تُعتبر امتيازا لا يمكن أن يمارسه إلا الأتراك السنة. والقومية الإسلامية المتهالكة تُستبدل اليوم بشكل غير متهالك باسم تحالف الأمة

والأكثر من ذلك أنها تضيق إطار طموحها وتحصره في مجرد الإطاحة بأردوغان وسلطته فحسب بدلا من أن تقول شيئا جديدا للناخبين باسم الديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة، بل إنها لا تكتف بهذا أيضا؛ إذ تهدي ترشحها لتولي الرئاسة إلى أردوغان، حتى وإن انتقلت الانتخابات الرئاسية إلى الجولة الثانية. وتم التغاضي عن أكثر الطرق تأثيرا وفاعلية لضمان أمن الانتخابات وصناديق الاقتراع؛ حيث أُغفلت حقيقة إجراء هذه الانتخابات في ظل قانون الطوارئ. ولا تزال عملية حظر التجوال مفروضة في بعض المناطق الريفية في الجنوب الشرقي من البلاد، وهناك بعض الولايات منع فيها إجراء كافة الأنشطة والفعاليات لمدة 30 يوما، باستثناء حفلات الافتتاح الرسمي والمراسم الحكومية، كما تمّ تجاهل خطابات بعض المحافظين التي تحمل تهديدا من شأنه أن يؤثر في اختيارات الناخبين.

لذلك جاء تصويت الناخبين الأكراد في الولايات والمناطق التي يعيشون فيها بكثافة، وتخطي حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية متروك لموقف وضمير سلطة حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية والموظفين العموميين أذناب تلك السلطة. وبالتالي فإن مبدأ العدالة والمساواة في التمثيل النيابي مجروح نظرا إلى أن عتبة الـ10 في المئة موجودة من أجل حزب الشعوب الديمقراطي فحسب.

والأهم من ذلك أنه لم يتم التفكير قط في الأضرار التي سيلحقها بوحدة البلاد وصمودها ذلك الاعتقاد السائد بأن الأكراد قد استُبعدوا تماما من المواطنة المتساوية. وتم بقدر كبير القضاء على الأمل في تأسيس برلمان تعددي وديمقراطي، وإقامة السلام والأمان والعدالة التي يرغب فيها المجتمع تحقيقا للتعددية، وخاصة أنه قد ضاعت هباء التوقعات والآمال المعقودة من أجل تضميد جراح سببتها انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها في السنوات الأخيرة مئات الآلاف من الناس وعلى رأسهم الأكراد، اعتمادا على السياسة الأمنية المتشددة.

7