تركيا والعراق.. خطوات فعالة لإعادة بناء الثقة

الاثنين 2013/12/23
الزيارات الرسمية كانت مقدمة لتبديد العلاقات السياسية المتوترة

سعت تركيا إلى مراجعة سياستها الخارجية، مع العراق جوارها الإقليمي بعد اختلافات جوهرية أبرزها الوضع في سوريا، والتدخل التركي في شؤون العراق، ما استوجب على أنقرة إعادة النظر في ميزان تحالفاتها لتظهر من جديد كفاعل في المنطقة.

بعد عامين من التأزم في العلاقات العراقية التركية جاءت الزيارات الرسمية المتبادلة بين عدد من مسؤولي البلدين، والتي بدأت تحديدا في شهر سبتمبر الماضي بزيارة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي “فولكان بوسيكر” لبغداد حاملا دعوة رسمية من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لنظيره العراقي نوري المالكي لزيارة أنقرة، لتعبر عن مرحلة جديدة من إعادة بناء الثقة بين البلدين وتنقية الأجواء بعد حالة من الاختلاف في الرؤى السياسية الإقليمية بشأن عدد من القضايا كالأزمة السورية والعلاقات التركية مع إقليم كردستان العراق والتي غالبا ما كانت تتجاوز الحكومة المركزية في بغداد.

وربما يشير ذلك إلى إمكانية حدوث انفراجة قريبة في العلاقات بين البلدين في ضوء بعض النتائج التي تمخضت عنها تلك الزيارات وتوجت في الأخير بزيارة وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري لأنقرة في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، وأعقبتها زيارة نظيره التركي داوود أوغلوا لبغداد منتصف الشهر الماضي استباقا لزيارة المالكي المرتقبة لأنقرة.


زيارة محورية


المالكي في لقائه بفولكان بوسيكر حدد توجهات حكومته تجاه أنقرة خلال المرحلة القادمة في ثلاث نقاط: الأولى، هي أن التطورات الحادثة في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد ما يتعلق منها بدولة الجوار سوريا وما يرتبط بها من ملفات “كردية” مهمة للجانبين العراقي والتركي باتت تفرض عليهما ضرورة مراجعة حساباتهما الإقليمية والثنائية على حد سواء. ويصدق هذا بشكل خاص على الجانب التركي الذي فشل في توظيف أكراد سوريا في مساعيه لإسقاط نظام الأسد، وهذه التطورات تعد -على حد تعبير المالكي- “حافزا إضافيا” يدفع إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتنميتها ويسمح في الوقت نفسه بهامش من الاتفاق على “إدارة الاختلاف” بينهما بشأن بعض الملفات.

تسعى أنقرة بقوة إلى طي صفحة الخلافات مع بغداد، رغبة في استعادة دورها في المنطقة عبر البوابة العراقية خلال المرحلة القادمة

أما الثانية، فتتعلق برغبة بغداد في احترام أنقرة للحكومة المركزية باعتبارها المسؤولة عن إدارة شؤون الدولة العراقية في إشارة ضمنية إلى رفض التطور الواضح في العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة وإقليم كردستان دون المرور بالحكومة المركزية في بغداد، لاسيما في الجانب الاقتصادي. إضافة إلى إدانة الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي داوود أوغلو العام الماضي لمدينة كركوك المتنازع عليها بين بغداد وحكومة الإقليم دون تنسيق مع بغداد.

كما يرغب العراق في أن تتحمل تركيا مسؤوليتها في ما يتعلق بضبط عمليات تهريب النفط العراقي عبر الحدود التركية، والتي تتم دون علم وزارة النفط العراقية. يضاف إلى كل ذلك وضع خطوط عامة لتسوية كافة المسائل العالقة كالسياسة المائية ومسألة حماية تركيا لنائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي المحكوم عليه بالإعدام.

والثالثة، رغبة حكومة المالكي في ابتعاد الحكومة التركية عن توجيه الاتهامات الطائفية لها باعتبارها حكومة شيعية تمثل الداعم الرئيسي لنظام الأسد، وساهمت في تيسير ممرات الدعم الإيراني للنظام السوري، وهو الاتهام الذي كان سببا قويا لحالة الفتور في العلاقات خلال العامين الماضيين.


طي صفحة الخلافات

تركيا تعود من أربيل إلى بغداد

يشكل التقارب التركي العراقي مؤخرا منهجا جديدا اعتمدته أنقرة لتجميل صورتها إقليميا ودوليا من خلال تحسين علاقاتها الديبلوماسية مع جوارها العراقي والتي شهدت توترا شديدا، بعد أن تركزت بوصلتها على تعميق العلاقة مع حكومة إقليم كردستان العراق، على حساب الحكومة المركزية في بغداد.

وفي مناسبات كثيرة كانت تركيا تتعمد تجاهل بغداد من خلال تقوية العلاقات الاقتصادية مع أربيل عبر الصفقات والمبادلات التجارية التي كانت تتم بين الطرفين، حيث يوجد العديد من الشركات التركية التي تعمل في الإقليم وتقوم بتنفيذ أنشطة عديدة في مجال السياحة والعقارات، إضافة إلى المشاريع الاقتصادية والتجارية التي أصبحت مزدهرة في كردستان.

وتخللت ذلك سلسلة الزيارات الرسمية التي كان يقوم بها المسؤولون من الجانبين، والتي طورت المبادلات بينهما لتشمل قطاع النفط بعد أن اتفقا على إقامة خط لتصدير النفط وآخر للغاز من كردستان العراق إلى تركيا دون موافقة بغداد، وهو ما زاد التوتر في علاقة بغداد مع الجانبين.

من هنا تعالت الاتهامات بين أنقرة وبغداد التي رأت أن تركيا تتعمد التدخل علنا في شؤونها الداخلية لتوسيع نفوذها، وكان ذلك ضمن الانتقادات التي وجهها رئيس الوزراء نوري المالكي إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي تعتقد الحكومة أن له دورا في دعم المظاهرات والمسيرات التي كانت تخرج ضد حكومة المالكي، إضافة إلى توظيف علاقة تركيا القوية مع أكراد العراق لتدفع بهم في مواجهات وخلافات مع الحكومة المركزية، بينما في المقابل تتهم انقرة بغداد بمساندة نظام الرئيس بشار الأسد من منطلق طائفي باعتبار أن المالكي ينتمي إلى الطائفة الشيعية.

ويرى المراقبون أن المخطط التركي الذي كان يراهن على أكراد العراق قد فشل بعد أن حاصرت أنقرة عزلة إقليمية سببتها مواقفها الخارجية غير المتزنة. ولا يخفى على المتابعين التهديد الذي يمثله حزب العمال الكردستاني لأنقرة التي كانت تسعى إلى تقوية علاقاتها مع أربيل لتدعيم قوتها في مواجهة مجموعات حزب العمال.


في المقابل ترى أنقرة الساعية بقوة إلى طي صفحة الخلافات مع بغداد، والراغبة في “استعادة” دورها في المنطقة عبر البوابة العراقية خلال المرحلة القادمة، أن الدولتين تأثرتا بشدة بحالة فتور في العلاقات، على الرغم من اتفاقيات التعاون الاستراتيجي المبرمة بينهما في أعقاب الانسحاب الأميركي من الأراضي العراقية عام 2010.

واعتبرت أنقرة أن الاختلاف الجوهري حول الأزمة السورية بين الطرفين يمكن إدارته عبر الحوار المشترك وعبر آلية رسمية مشتركة تتولي هذه المهمة التي أصبحت مهددة للأمن القومي للبلدين، لاسيما بعد حدوث تغيرات إقليمية قد تسفر عن خريطة جديدة للعلاقات الإقليمية لا تريد تركيا أن تكون مهمشة فيها أو بعيدة عنها. خاصة أن تركيا تدرك جيدا مدى الحاجة الأميركية إليها وإلى قواعدها العسكرية ومساعداتها اللوجستية خلال أية تحركات سواء ضد نظام الأسد أو ضد المجموعات الجهادية المتشددة التي لا حصر لها في الأراضي السورية.

ويعني هذا وفقا للرؤى التركية عدم قدرة واشنطن على الاستغناء عن خدمات أنقرة وأنها ستبقي على دورها ضمن قواعد لعبتها في المنطقة. ولكن ستسعى واشنطن إلى إعادة تشكيل هذا الدور، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه ومع بقاء نظام الأسد وانتظارا لما سيسفر عنه الجدل الدولي بشأن عقد مؤتمر “السلام حول سوريا” من عدمه وما سيسفر عن المؤتمر من حلول، ستعيد واشنطن إدخال تركيا إلى المنطقة عبر العراق بما يعيد لها دور الموازن الإقليمي المعتاد لإيران، ولكن هذه المرة الموازن لإيران الجديدة المنفتحة على الولايات المتحدة والغرب، وهو ما يفسر الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لأنقرة.


التقارب التركي العراقي


التوقيت الذي يتم فيه التقارب التركي العراقي في السياق السابق لا يمكن فصله عن ثلاثة تطورات أساسية: الأول، يتعلق بتطورات الداخل في كلا البلدين خلال الفترة الماضية، خاصة في ما يتعلق بوضعية الأقلية الكردية -تركياً وعراقيا- لاسيما الأكراد الأتراك والعثرات التي تواجه اتفاق المصالحة الموقع في مارس الماضي بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني المعارض الداعي إلى وقف القتال بين الطرفين وانسحاب المقاتلين الأكراد إلى جبال قنديل العراقية، وانعكاساته الأمنية والسياسية على العلاقات مع العراق.

وكان هذا الاتفاق قد أثار غضب بغداد ودفعها إلى تقديم شكوى للأمم المتحدة ضد تركيا وضد الحزب الكردستاني نفسه خلال مايو الماضي، حينما دخل الاتفاق حيز التنفيذ، باعتبار أن هذا الاتفاق يعد انتهاكا لسيادة الأراضي العراقية ووحدتها. يضاف إلى معطى الحالة الأمنية البعد الاقتصادي لاسيما التعاون التركي مع إقليم كردستان العراق الغني بالنفط والاتفاقات النفطية التي عقدتها أنقرة مع حكومة الإقليم متجاهلة بهذه الخطوة الحكومة المركزية العراقية.

وكان البعد الاقتصادي النفطي أكثر إلحاحا على أنقرة لتطوير علاقات متميزة مع العراق وهو المتغير الذي لا يزال يلعب دورا ضاغطا في العلاقة بين البلدين. والثاني يخص تطورات الموقف الأميركي من الأزمة السورية بعد حادثة استخدام السلاح الكيميائي في الصراع المسلح بين النظام السوري والمعارضة -في ضوء تفاهمات روسية أميركية واضحة- والذي جنح إلى وقف الضربة العسكرية للنظام التي كانت مقررة عقابا له على تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية في الصراع، وهو ما يتعارض مع الموقف التركي الخليجي الداعم بشدة للمعارضة وتسليحها وللخيار العسكري.

والثالث يتعلق بحالة التقارب الأميركي- الإيراني التي بدأت في أعقاب إلقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني لخطابه “المعتدل” في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر الماضي، وارتفاع مؤشرات التفاؤل بشأن إجراء حوار أميركي- إيراني مشترك خلال الفترة القادمة، ما يعني جلوس الخصمين على مائدة مفاوضات واحدة تختفي وتنتهي فيها “المعادلات الصفرية”، بحيث يعترف الطرفان بمصالح كل منهما في المنطقة وما سيتبع ذلك من خطوات بشأن كيفية إدارة خلافاتهما.

وترتبط بذلك ترتيبات إقليمية جديدة لكل ملفات التماس الإقليمية المشتركة الإيرانية- الأميركية سواء في العراق أو سوريا أو لبنان وهو ما سيكون له تأثيره المباشر على المصالح التركية الإقليمية التي تتعارض مع نظيرتها الإيرانية في بعض الملفات.

التحول التركي الإيجابي نحو العراق كان (ضرورة) إقليمية بالنسبة إلى أنقرة بعد سلسلة من الصدمات والإخفاقات التي واجهت تحركاتها الإقليمية مؤخرا

وفرض تطور الحوار الأميركي- الإيراني بدوره على السياسة التركية ضرورة وضع بدائل سياسية جديدة في علاقاتها الإقليمية في المنطقة قادرة على استيعاب التغير المحتمل في خريطة العلاقات الإقليمية الجديدة خلال المرحلة القادمة، بل وأن يكون لها دور واضح فيها وهو ما يفسر مسارعة تركيا لاستعادة الثقة مع الجانب العراقي الذي لا يزال يحظى برعاية أميركية وإيرانية واضحة.

يبدو إذن أن التحول التركي الإيجابي نحو العراق ووفقا للمعطيات السابقة كان “ضرورة” إقليمية بالنسبة إلى أنقرة بعد سلسلة من الصدمات والإخفاقات التي واجهت تحركاتها الإقليمية مؤخرا، وهو ما يمكن وصفه بأنه تحول “تكتيكي” نوعي يستهدف في الوقت الراهن إعادة التوازن للعلاقات التركية- العراقية التي ستكون بوابة عودة أنقرة إلى المنطقة من جديد، لاسيما وأن العراق بدا متقبلا لهذه الخطوة التركية وتفاعل معها بإيجابية طالما كانت تحظى بدعم وموافقة واشنطن.

7