تركيا والولايات المتحدة.. وفن اللاصفقة

إحدى العقبات التي تحول دون التقارب الحقيقي بين تركيا والولايات المتحدة تتمثل في الخلل الشديد في عمل إدارة ترامب.
السبت 2019/01/12
نظرات تكشف خفايا العلاقة بين ترامب وأردوغان

أثناء اقتراب العام 2018 من نهايته، بدت تركيا والولايات المتحدة تعملان على إصلاح العلاقات بينهما. كان القرار المفاجئ الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التاسع عشر من ديسمبر بأنه سيسحب القوات الأميركية البالغ قوامها 2000 جندي من شمال شرق سوريا بمثابة نبأ سار للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

كما ألمح الرئيس الأميركي إلى استعداده لإنهاء التحالف مع وحدات حماية الشعب، تلك القوة الكردية السورية التي شكّلت الجزء الأكبر من القوات البرية التي ألحقت الهزيمة تقريبا بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا بدعم من سلاح الجو الأميركي.

بدا ترامب وكأنه أعطى الضوء الأخضر للجيش التركي لبدء عملية عبر الحدود تهدف إلى تفكيك كيان الحكم الذاتي في سوريا الذي أعلنته وحدات حماية الشعب، التي تقول أنقرة إنها امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يحارب من أجل إقامة حكم ذاتي كردي في تركيا منذ العام 1984.

لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل إن ترامب ردد أيضا الحجج التي تتذرع بها أنقرة. فعند حديثه عن مكالمته الهاتفية مع أردوغان يوم الرابع عشر من ديسمبر، شدّد الرئيس الأميركي على أن تركيا ستنهي مهمة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. حتى لو لم يكن هناك أي مراقب جاد للشؤون السورية في الولايات المتحدة مستعد لتصديق ذلك، فثمة قدر من التفهم للمنطق وراء خطوة ترامب. لم تكن المشكلة في القرار هي جوهره، بل توقيته والطريقة المفاجئة التي اتخذ بها. ليس لدى واشنطن أي سبب استراتيجي طويل الأمد يدفعها لإبقاء القوات على الأرض في سوريا.

مما زاد الطين بلة تلك الزيارة التي قام بها مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون (أو مايك بولتون كما يصفه ترامب مرارا من حين لآخر) لأنقرة، والتي انتهت بكارثة بعدما ألغى أردوغان اجتماعه معه. فما أغضب الرئيس التركي هو إصرار بولتون على أن الانسحاب الأميركي مشروط بتعهد تركيا بعدم مهاجمة وحدات حماية الشعب في سوريا. ومن بين نقاط الخلاف أيضا احتمال تأجيل واشنطن لموعد الانسحاب بعد فترة الثلاثين يوما المتوقعة في الأصل.

وفي حين أن عمليات التطهير التي تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الحدودية المتاخمة للعراق قد تستمر شهورا، يشير إعلان بولتون إلى أن القوات الخاصة الأميركية، بجانب قوات كوماندوز فرنسا وغيرها من حلفاء الولايات المتحدة، لا تستعجل الرحيل.

من النقاط المهمة أيضا أن الرسالة أوصلها بولتون، الذي قال مرارا إن القوات الأميركية يجب أن تبقى في سوريا لمواجهة إيران وحلفائها. ولقد أتى مستشار الأمن القومي الأميركي إلى أنقرة بعد محادثات في إسرائيل طمأن فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتننياهو والمسؤولين الأمنيين على أن واشنطن تظل ملتزمة التزاما كاملا باحتواء الجمهورية الإسلامية.

باختصار، كان لدى أردوغان سبب وجيه يجعله غاضبا من بولتون والولايات المتحدة، مثلما عبّر عن نفسه، بحماسته المعتادة، في كلمة ألقاها أمام حزبه البرلماني يوم الثلاثاء.

ربما تكون هذه الأزمة الجديدة ضارة نافعة. فهي تتيح للولايات المتحدة وتركيا الوقت لإبرام صفقة بخصوص شمال شرق سوريا. وأنقرة تفضل سيناريو الانسحاب التدريجي على الرحيل المفاجئ، كونه يعفي أردوغان من أن يضطر للاندفاع إلى سوريا وربما يخاطر بالمواجهة مع نظام الأسد وإيران المتحالفة مع الأكراد.

إن تسليم الولايات المتحدة منطقة عازلة على طول الحدود السورية إلى تركيا عن طريق التفاوض هو أفضل نتيجة إلى حد كبير. والوضع الأمثل هو أن يجمع الأميركيون الأسلحة الثقيلة التي وزعوها على وحدات حماية الشعب. لا أحد يدري ما إن كان هذا السيناريو مرجحا، لا سيما بعد الضغائن التي ولدتها جولة بولتون في الشرق الأوسط.

تلك المشكلة الدبلوماسية تذكر الأذهان بأن إحدى العقبات التي تحول دون التقارب الحقيقي بين تركيا والولايات المتحدة تتمثل في الخلل الشديد في عمل إدارة ترامب. لقد اعتقد أردوغان على الأرجح أنه توصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي. لكن البيت الأبيض يغيّر مساره الآن، ربما بسبب ردود الفعل في الداخل وخاصة من الجمهوريين في الكونغرس والصقور في الإدارة.

والآن بعد أن تخلص ترامب من جيمس ماتيس في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، بات يتمتع بقدر أكبر من الحرية في السياسة الخارجية. غير أنه يظل عاجزا عن المضي قدما في قراراته. ونتيجة لذلك، تظل الولايات المتحدة تسلك طريقا متعرجا في سوريا من غير اتجاه واضح.

أما مشكلة تركيا فهي أوسع بكثير من ذلك. فقدر لا بأس به مما يريده أردوغان من الولايات المتحدة لا يتوقف على إرادة ترامب. حتى لو أراد الرئيس الأميركي أن يفعل ذلك، فلا يمكنه ببساطة أن يأمر بتسليم فتح الله غولن على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في العام 2016.

علاوة على ذلك، تتفاوض الحكومة التركية حاليا على إعادة المصرفي التركي محمد حقان عطا الله – المدان في نيويورك بمساعدة إيران على تفادي العقوبات – إلى بلاده، إلا أن ترامب لا يستطيع التأثير على الإجراءات القضائية في القضية.

وأخيرا، ثمة كراهية واضحة لتركيا وأردوغان في الكونغرس الأميركي. فالكابيتول هيل يبدي غضبه من شراء أنقرة صواريخ أس- 400 سطح-جو من روسيا. يبدو أن فن الصفقات لم يعد كما كان.

6