تركيا وثمن العودة إلى سياسة "صفر مشاكل"

الجمعة 2016/07/08

يبدو أن كلا من روسيا وإسرائيل كانتا مضطرتين لتطبيع العلاقة مع تركيا، بعد أخذ ورد دام ست سنوات بين إسرائيل وتركيا، وأكثر من سبعة أشهر بين تركيا وروسيا. مع ذلك، كانت تركيا أيضا مضطرة لعودة هذه العلاقات.

في ما يتعلق بروسيا، تعاني موسكو من عقوبات اقتصادية أوروبية أميركية منذ سنوات، على خلفية الأزمة الأوكرانية، وتدخل الكرملين في سوريا. هذا جعلها تقبل بسهولة أسف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مقتل قائد المقاتلة “سوخوي 24” أواخر نوفمبر الماضي، حتى دون إقرار تركي معلن بدفع تعويضات كشرط روسي لعودة العلاقات بين البلدين.

بعد هذا، أصبحت سياسة “صفر مشاكل”، التي كان أردوغان يتلقى المديح عليها قبل عام 2011، محل تساؤل وخشية بل وخوف، من مراقبين مختلفين، ومن السوريين المعارضين خاصة.

تلك “السياسة” التي صاغها وزير الخارجية، ورئيس مجلس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، تبخرت مع السنة الثانية والثالثة للربيع العربي، حتى تكثفت مشاكل تركيا مع دول جوارها، من سوريا إلى العراق وإيران، فضلا عن مصر، وعدد من دول الخليج، وأوروبا والولايات المتحدة.

في ما يتعلق بروسيا وبعد الإعلان عن بوادر حسن النوايا من خلال رسالة أردوغان لزعيم الكرملين، واتصال فلاديمير بوتين بالأول، أوعز بوتين إلى وزرائه بالعمل على تسريع المصالحة، وشجع السواح الروس على قضاء إجازاتهم في تركيا، بينما استبشر قطاع النسيج والملابس الجاهزة التركي بعودة سوق الـ150 مليون نسمة إلى حضنه. وبالفعل، كان السواح الروس وراء الباب، حتى أنهم رفعوا درجة إشغال الفنادق إلى 90 بالمئة خلال اليومين الثالث والرابع من يوليو الجاري، حسب رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، في وقت كانت تصب فيه كل التوقعات أن الموسم السياحي الحالي سيكون أشد المواسم سوءا منذ سنوات.

البعد الروسي ينفتح على البعد الإسرائيلي حيث تبدو المصالحة مع روسيا مرتبطة، بطريقة ما، بالمصالحة مع إسرائيل، خاصة أن علاقة موسكو وتل أبيب تشهد تطورا كبيرا، على خلفية التقاطع في المصالح في الساحة السورية.

في عام 2013، اعتذرت الدولة العبرية من تركيا على قتل 10 أتراك على متن السفينة “مافي مرمرة” في 2010، لكن تركيا لم تقبل الاعتذار دون تعويض، وانتظرت حتى الأسبوع الماضي، عندما أقرت إسرائيل بمبدأ دفع تعويضات لأهالي الضحايا الأتراك، بالإضافة إلى جملة من الشروط منها ما يتعلق بتسهيل وصول مساعدات تركية إلى قطاع غزة.

بالطبع، العلاقة التركية الإسرائيلية معقدة، خاصة أن تركيا من الداعمين الكبار لحركة “حماس” الحاكمة لقطاع غزة منذ عام 2007، والتي تعلن العداء لإسرائيل بشكل يفوق ما تُظهره السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله بقيادة محمود عباس.

في سوريا لا يزال جزء من هذا الملف الشائك ممسوكا من تركيا، خاصة أن إسطنبول المقر الرسمي لـ“الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة”. ومن المتوقع أن تنجح بالشراكة مع المملكة العربية السعودية باستمرار الإمساك بالملف، دون أن يعني ذلك إمكانية الضغط لتحقيق اختراق سياسي، أو عسكري، فخيوط اللعبة الرئيسية لا تزال في يدي واشنطن وموسكو.

أما في العامل الاقتصادي المتمثل في الغاز والسياحة، فلم يتعجل بنيامين نتنياهو القول “الآن، من الممكن توريد الغاز من إسرائيل إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، من دون الاتفاق كان من المستحيل فعل ذلك”.

وردت الحكومة التركية بالتأكيد على أن استيراد الغاز الإسرائيلي هو “صفقة كبيرة”، حيث تشير معلومات إلى رغبة أنقرة باستهلاك نصف كمية الغاز التي ينتجها حقل “لفياثان” بدءا من عام 2020. كما يمكن لإسرائيل، بعد الاتفاق مع تركيا، توسيع مشروع أنابيب الغاز ليمر بالأراضي التركية، أو عبر قبرص التركية.

هذا يعني أن روسيا شعرت بالخطر من الاتفاق التركي الإسرائيلي، كون تركيا تعد ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي بعد ألمانيا.

وبالنظر إلى أرقام التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل، بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2014 ما قيمته 5.5 مليار دولار، ما يعني أن البلدين كانا يتعاملان مع بعضهما وفق مبدأ “تجزئة الخلافات”، فالاقتصاد يحل محل العلاقات السياسية السيئة ريثما تتحسن الأحوال.

وتعبير “تجزئة الخلافات” هو التوصيف الذي نحته الدبلوماسي التركي السابق، ورئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية، سنان أولجن، ويعني به “تحييد جميع الخلافات بين البلدين جانبا، وتشكيل فرق عمل تخص الأمور الاقتصادية أو السياسية، المتوافق عليها بينهما”.

كما تأمل تركيا في الاستفادة من تطبيع العلاقات مع روسيا لعودة التعاون الاستراتيجي، خصوصا على صعيد الغاز، وبناء المفاعلات النووية، بالإضافة إلى عودة السياح الروس، حيث أحجم 91.8 بالمئة منهم (3.5 مليون سائح عام 2014) عن زيارة تركيا في الشهور السبعة الماضية.

وفي مجال الطاقة، كانت تركيا تشتري سنويا نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي (14 ٪ من صادرات روسيا، و56 بالمئة من حاجة تركيا). إذ تقدر الصادرات الروسية بـ187 بليون متر مكعب، بينما تقدر حاجة تركيا من الغاز بـ50 مليار متر مكعب.

وتكمل تركيا ما تحتاجه من الغاز باستيراد 18 بالمئة منه من إيران، و11 بالمئة من أذربيجان، ومن الجزائر وقطر 15 بالمئة.

كما أن روسيا لا تزال تبحث عن بدائل لنقل غازها الطبيعي إلى أوروبا بطرق لا تمر عبر أوكرانيا، وهي مضطرة لذلك لتحسين علاقاتها مع تركيا، ليمر أنبوب “السيل التركي” تحت البحر الأسود.لكن المفاوضات في هذا الشأن تعطلت بسبب خلافات تقنية تطالب فيها أنقرة بأن تكون شريكا في البيع، وليس مجرد أرض عبور، ثم جاءت حادثة إسقاط الطائرة لتجمد المباحثات.

وقبل إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية، كانت الشركة الروسية الحكومية “روس أتوم” تعد دراسة لبناء أربعة مفاعلات نووية في تركيا، قدرة كل منها 1200 ميغاواط، ضمن مشروع تصل قيمته إلى 20 مليار دولار.

في المحصلة فإن نصيب السياسة يتمثل في أنه، وعلى كره من روسيا وإسرائيل، كانت كل منهما مضطرة لتطبيع العلاقة الاقتصادية مع تركيا، كون العلاقة السياسية عصية على التطبيع في الظروف الحالية، فروسيا عملت عقب حادثة الطائرة على دعم كل من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وحزب العمال الكردستاني في تركيا، وكلاهما مصنف كمنظمة إرهابية من قبل تركيا. ومن السهولة توقع أن توقف روسيا دعمها للحزبين. كما أن مواصلة إسرائيل لحصارها لقطاع غزة، وحركة حماس الحاكمة هناك، كانت تحرم تركيا من لعب ورقة سياسية دينية في تسويقها لنفسها أمام العالمين العربي والإسلامي.

لكل ذلك ستتأخر القاطرة السياسية وراء القاطرة الاقتصادية التي تحركت، ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تحسنا في علاقات تركيا مع شركاء آخرين في المنطقة، وقد تكون الإمارات العربية المتحدة أحد هذه الأطراف.

كما يُتوقع أن يشمل التعاون بين روسيا وتركيا التنسيق الأمني لملاحقة المقاتلين الروس المنتسبين إلى داعش، خاصة بعدما ثبت أن منفذي الهجوم الإرهابي على مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول هم من رعايا دول الكومنولث السوفييتي السابق.

كاتب لبناني

9