تركيا وروسيا: السياسة لا تعكر صفو الاقتصاد

السبت 2014/12/06

بدت الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تركيا مثمرة على المستوى الاقتصادي. فرغم الخلافات السياسية الكبيرة فيما يتعلق بالأزمة السورية، واصلت تركيا وروسيا توطيد علاقاتهما على الصعيد الاقتصادي. وهو ما يؤشر على أن الصراع والتحالف، على المستويين الإقليمي والدولي، كان ولا يزال محكوماً بالمصالح السياسية والاقتصادية، بعيداً عن سردية الصراع السني- الشيعي كمحرك للعلاقات السياسية في المنطقة.

تقف تركيا في موقع النقيض التام لموقف روسيا فيما يخص الصراع في سوريا. فالأخيرة لا تدعم حتى مجرد تغيير جزئي في بنية النظام السوري بما يؤدي إلى حل سياسي، بل تدعم بقاء بشار الأسد في السلطة رغم كل الدمار والفوضى الحاصلة والتي طالت آثارها تركيا بصورة واضحة. فيما تدفع تركيا دون كلل من أجل إبعاد الأسد عن السلطة. في الحقيقة، يبتعد الموقف التركي فيما يخص سوريا حتى عن الموقف الغربي، فيما يتناقض بشكل حاد مع موقف روسيا.

غير أنه، وفي عمق العلاقات السياسية بين تلك الأطراف، يبدو المشهد مختلفاً. إذ أن تركيا ببنيتها الحالية وعلاقتها المتوترة مع الغرب وأميركا خلال العقد الماضي، هي أقرب لروسيا ولدول “الممانعة” كإيران الخميني وسوريا الأسد منها إلى الغرب. كان ذلك يبدو بشكل جلي قبل اندلاع الثورة السورية، حيث تقاربت تركيا مع كل من إيران وسوريا وروسيا على المستويين الاقتصادي والسياسي. توسطت تركيا لإطلاق مفاوضات بين سوريا وإسرائيل ودعمت موقف سوريا في تلك المفاوضات، كما توسطت في مفاوضات إيران النووية على قاعدة إعلان تأييدها حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، كما ساندت روسيا وبعض دول أميركا اللاتينية في محاولات فك الارتباط مع الاقتصاد العالمي.

أخطأت تركيا في حساباتها إبان اندلاع الثورة السورية، فقد ظنت، كما هو حال الجميع، أن الثورة السورية المتصاعدة في ذلك الوقت سوف تنجح في إجبار الطغمة الحاكمة على الرضوخ، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل ما في نظام الحكم على ما حدث في تونس ومصر وليبيا بدرجات متفاوتة.

ولحماية مصالحها التي كانت متنامية مع النظام السوري، آثرت التخلي عن الأسد في محاولة لإبقاء علاقاتها مع النظام الجديد القادم. هكذا، لم تساند تركيا الثورة السورية عند انطلاقها بقدر ما ساندت مصالحها. وهي بذلك لم تعاد النظام بسبب كونها دولة “سنية” كما تفترض سرديات تحيل كل الصراع في المنطقة إلى دوامة عنف مستعرة بين السنة والشيعة. فكونها دولة “سنية” حسب تلك السرديات لم يمنع تقاربها الكبير مع النظام السوري وإيران “الشيعية”، في مقابل شبه عداء مع المملكة العربية السعودية والإمارات وعدد من الدول “السنية” حيث يسود التوتر العلاقات بين الجانبين حتى اليوم.

الرئيس الروسي المتألم والمحاصر بعد أن اشتدت العقوبات الاقتصادية الغربية وتهاوت أسعار النفط، هرع إلى تركيا في محاولة لتخفيف النزيف الاقتصادي الحاد. الموقع الحقيقي لتركيا المحكوم بالمصالح السياسية والاقتصادية والذي يختفي تحت دخان الحرب السورية والصراع السني- الشيعي كان شديد المرونة في ملاقاة الحاجات الروسية.

هكذا أعلن بوتين أن روسيا ستبدأ بيع الغاز إلى تركيا بأسعار مخفضة بنسبة 6 بالمئة. وأن العمل سيتوجه لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين، وهي في أفضل حالاتها حاليا، ليصل التبادل التجاري في حلول 2020 إلى 100 بليون دولار. هذا يشير إلى علاقة “استراتيجية” تقوم على قاعدة صلبة لم تتأثر بحدث كبير كالحدث السوري. ويمتد هذا التعاون الاستراتيجي ليعلن القيصر الروسي إلغاء مشروع خط أنابيب غاز “ساوث ستريم” الذي كان يفترض أن ينقل الغاز من معامل شركة “غازبروم” الروسية إلى أوروبا. أما المفاجأة فكانت بإعلان أن البديل قد يكون إنشاء مجمع غاز على الحدود التركية اليونانية، وهو ما قد يحقق طموح تركيا في أن تكون مركزا لنقل الغاز إلى أوروبا، فيعزز ذلك موقعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي.

على شاشات التلفاز، يجري التركيز على أشكال الصراعات في حالات كثيرة فيما يتم تجاهل جوهرها. حينها لا تحضر الحروب والنزاعات كجزء من صراع سياسي- اقتصادي، وإنما كامتداد لصراع ديني- طائفي. في أفضل الأحوال تظهر كصراع بين الغرب والشرق، بغض النظر عن مضمون هذا الشرق، أو ذاك الغرب.

هكذا، يبدو شكلياً إلى حد كبير قصر الحديث على صراع سني- شيعي يحرك السياسة الإقليمية والدولية، مثلما كان الحديث يجري سابقاً على صراع إسلامي- مسيحي. فهذا النوع من الصراعات ليس موجوداً على أرض الواقع بقدر وجوده في بعض الكتب الرديئة، وفي عقول من يقبعون في الماضي. أما الواقع، فهو أكثر تعقيداً، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية وتشكل جوهر كل الصراعات والتحالفات، حتى تلك التي تظهر في لحظة ما على هيئة صراعات دينية.


كاتب فلسطيني سوري

8