تركيا وموقفها من التحالف الدولي

الأربعاء 2014/10/01

الحدود الطويلة لتركيا، والعلاقة الإخوانية بين أردوغان وحزبه وإخوان سوريا، وكون أردوغان يعتبر النظام السوري علوياً، سمح للسياسة التركية بلعب دور مركزي فيما يخص المعارضة ولاحقاً في العمل العسكري.

تركيا عملت، ومنذ بداية الثورة، على إحكام سيطرة الإخوان على المعارضة ونشاطاتها أملاً في إيصالها للحكم، وهذا كان يتناغم مع موقف أميركي قديم، يقول بضرورة وصول الإخوان إلى سدة الحكم، ودعم النهضة التونسية والإخوان المصريين، وبالتالي كان العمل من أجل إيصال الإخوان السوريين إلى الحكم وفرض سيطرة على سوريا، متعدد الأشكال اقتصاديا وسياسيا وأيديولوجيا كذلك، سيما وأن تركيا عرفت أهمية سوريا قبل الخلاف مع الأسد، حيث كانت بمثابة النافذة إلى العالم العربي.

هذا كلّه تغير، فالإخوان سقطوا في مصر وتراجعوا في تونس، وحدث تصادم بين السياسة السعودية والأميركية بخصوص الإخوان. تركيا تذرعت بحجة الأتراك المحتجزين في العراق لعدم الدخول بالتحالف، ولكن لا يمكنها عدم المشاركة فهي ضمن الحلف الأطلسي حيث تسود السياسات العالمية لأميركا في المنطقة.

الآن تم إطلاق سراح المحتجزين، فلماذا لا تشارك؟ هنا لا تزال تركيا على نهجها السابق في دعم الإخوان، بل وحتى داعمة لداعش كما تقول بعض التقارير، وبعد الضربات الجوية على داعش وأخواتها كالنصرة وأحرار الشام وغيره، خرجت مظاهرات في تركيا مؤيدة للتنظيم وفي مناطق نفوذ أردوغان وحزبه! ولكن يبقى الإشكال قائماً كيف ستتخلى تركيا عن الإخوان وعن داعش كذلك؟

دعمت تركيا داعش لأنه يقف أمام تمدد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي هو جزء من حزب العمال الكردستاني في تركيا، ولا تزال العلاقة متوترة بين أردوغان وبين ذلك الحزب، وبالتالي أي تمدد له، سيضر بمصالح تركيا الإقليمية وداخلها. إذن تركيا لن تنضم للتحالف ما لم تضمن حقوقها في سوريا المستقبلية. وهنا يشير بعض المحللين، أنه دون تدخل بري ربما سيقوى الخصم أكثر مما سيضعف، حيث وبغياب قوات برية لن تكون الجدوى كبيرة، تركيا لديها هذه القوات ويمكنها حسم الكثير من المعارك وبإمكانها إغلاق الحدود أمام الجهاديين وتمويلهم، ولكن تركيا لا تريد الحرب ضد داعش. فالتنظيم حصان رابح في السياسة التركية لأنه يُوقف التمدّد الكردي، ويدفع القوى الفاعلة في سوريا لكي تتقبل الإخوان، وهو ما يعطي أهمية للدور التركي في سوريا حالما تبدأ العملية السياسية.

مقترحات تركيا هي إقامة منطقة آمنة وفرض حظر جوي، واقتران الضربات على داعش بضربات توجه إلى قوات الأسد، وفي النقطة الأخيرة تلتقي السياسة السعودية والتركية، فالاثنتان تريدان إسقاط النظام؛ ولكن ذلك يتعارض مع السياسة الأميركية، التي لا تريد إسقاط النظام عبر الحل العسكري بل تريد حلاً سياسياً بما يشبه بنود اتفاق جنيف، فهناك توازنات طائفية تبتغي تشكيلها في النظام القادم، ولا تريد قطع التفاوض مع روسيا وإيران.

أميركا لديها حسابات إقليمية واسعة في المنطقة، وهذا سبب التعارض الإضافي مع المملكة السعودية، حيث الأخيرة تريد تحجيم إيران، بينما أميركا تريد تحجيماً أضيق بكثير لإيران، ومن هناك تعطيها دوراً في العراق، ولا تتجاهل مصالحها في سوريا وفي لبنان. وفي هذه النقطة تركيا أقرب إلى الموقف الأميركي، حيث هناك علاقات اقتصادية واسعة بين إيران وتركيا، ولكن ربما هناك عامل اختلاف هو العامل الديني، وهذا يقرّب تركيا إلى السعودية. أميركا تستفيد من كل هذه التناقضات، ومن هنا تؤكد أميركا أن مقاصد التحالف تتطلب سنوات طويلة لتتحقق، والقصد هنا إعادة ترتيب كافة الملفات العالقة وترتيب شؤون الحكم بالعموم في الدول الثائرة، وفي الدول المستقرة كذلك.

إن دخول تركيا في التحالف، سيكون دعماً للموقف السعودي، وتحديداً في مسألة إسقاط النظام، ووضعها كهدف قريب غير بعيد. تركيا ستدخل التحالف لا محالة، إن التزاماتها ضمن الحلف الأطلسي تجبرها على ذلك، والنظام السوري بكافة الأحوال أكثر من ضعيف، وتخفيف الضغط عليه كان بسبب تراجع موقع الإخوان في المعارضة السورية، ولكن اللعبة أصبحت الآن دولية، وأميركا لا تسمح بموقف مستقل لتركيا، فهي إما ستدخل ضد داعش، أو ستصبح داعمة لداعش في الفهم الأميركي، سيما وأن التحالف يتوسع تباعاً، وهناك دول عربية تشارك في القتال الجوي كذلك.

الأيام القادمة ستفرض الكثير من الاقتراحات التركية على التحالف الدولي، وهذا سيغير الكثير من مجريات المعارك على الأرض، وربما ستشهد تراجعاً للنظام. تأخر تركيا وبدءها التحضير حالياً للدخول قد يغير الاستراتيجية الأميركية، فأميركا كذلك ليست مستعدة لتدخل بري، وبذلك يصبح الدور التركي أساسي في حسم الموقف من داعش ومن النظام السوري. وهذا ما سيمنع التقارب بين الاتحاد الديمقراطي الكردي وبين أميركا، ويساعد في ذلك أنه محسوب على النظام، وهذا ما سيشكل عامل ضغط على تركيا، حيث ورغم تلك الحسبة فقد مررت أميركا إعلامياً أنها بصدد دعم الاتحاد عسكرياً لإيقاف داعش وطرده، وربما الاعتماد عليه في ملاحقة داعش ما لم تتدخل تركيا.

لا خيارات كثيرة لتركيا ولكن بإمكانها أن تفرض شروطاً كما أوضحنا، وهذا ربما سيغير من معادلات أميركا ويدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، وتحديدها أكثر فأكثر، حيث يجمع المحللون على ضعف المسرب منها، والبعض يقول إنها ردة فعل كلاسيكية على إهانة كبيرة بذبح صحفيين أميركيين، وسوى ذلك.

إذن تركيا ستكون ضمن التحالف وسيحدد الأخير استراتيجيته، وسيجبر الاتحاد الديمقراطي الكردي على إنهاء عقلية التعصب والانفتاح على بقية فصائل العمل العسكري وعلى الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، وربما ستقتنع تركيا بدور جزئي للإخوان السوريين في شؤون الحكم لاحقاً، وهذا ما لن تعارضه أميركا والسعودية، وستقبل به قطر التي يُمسك بخناقها أميركياً لإنهاء علاقتها المميزة بالإخوان، وضرورة الاصطفاف مع دول الخليج في الموقف من التحالف ومن الإخوان كذلك.


كاتب سوري

9