تركيز الجامعات على نشر المقال البحثي يأتي على حساب جودة العمل

يسعى الباحثون والأكاديميون في الجامعات الكبرى حول العالم إلى تكثيف جهودهم في الأعمال البحثية. ويحاولون نشر بحوثهم في الدوريات المختصة وغيرها وذلك لأن عدد البحوث المنشورة واعتمادها كمرجع أو للاستشهاد بنتائجها يعد من بين المعايير التي تأخذ بعين الاعتبار في أغلب التصنيفات الدولية لأفضل الجامعات في العالم. الأمر الذي دفع العديد من الجامعيين إلى التركيز على عدد البحوث المنشورة مقابل إهمال النوعية والفائدة المرجوة من ورائها.
الثلاثاء 2017/07/18
هل يفقد البحث العلمي بريقه في سبيل النشر

لندن – تتنافس الجامعات الكبرى في العالم ومن بينها الجامعات البريطانية على نشر أكبر عدد ممكن من البحوث العلمية في الدوريات المختصة وغيرها. وفي خضم هذه المنافسة تقع العديد من المؤسسات الجامعية في الاهتمام فقط بالكمية المنشورة ما يدفع باحثيها إلى إهمال النوعية الجيدة للبحث وللقواعد العلمية المتبعة فيه بجانب عدم تركيزهم على أهمية نتائجها والفائدة منها.

وطرح أحد الباحثين البريطانيين في مقال نشر له في صحيفة الغارديان البريطانية تساؤلات كثيرة في ما يخص جدوى الأعمال البحثية في الجامعات من بينها: هل تنتج الجامعات أبحاثاً سطحية وبلا قيمة بسبب التركيز على عنصر النشر فقط باعتبار ذلك المؤشر الوحيد على جودة الأداء؟ وقال “طرأ في ذهني هذا التساؤل حينما كنت أعمل في وحدة بحوث متخصصة في الرعاية الاجتماعية. ثم جاء بعد ذلك أحد الباحثين ليؤكد شكوكي".

تلقى الباحث تمويلاً مادياً محلياً في إحدى المدن التي شعرت فيها وكالات الرعاية الاجتماعية بالقلق حيال انتشار تعاطي المخدرات بين المراهقين ما بين 16 و17 عاما. واتخذت الوکالات الأبحاث كوسيلة تساعدها على فهم کیف تؤثر مجموعات الأصدقاء علی الاندفاع وراء هذا السلوك المنحرف. وقال الباحث خلال الندوة التي قدم فيها بحثه، إنه صمم البحث على أساس أكاديمي مستعيناً باختصاص علم الاجتماع. بداية لم يوضح في ما قاله السبب الحقيقي وراء حصوله على الدعم المادي في المقام الأول، وكانت النتيجة أنه لم يُقابل أيا من متعاطي المخدرات من هؤلاء الشباب لاستجوابه.

واستخدم الباحث بدلا من ذلك تعريف السلوك المنحرف مستشهداً بأبحاث أخرى لباحثين سبقوه في الكتابة بخصوص هذا الموضوع ونشروا أبحاثهم في مجلات كان يأمل في نشر أبحاثه فيها. وكانت النتيجة التي خلُص إليها بعد ذلك بعيدة كل البعد عما وجب عليه تناوله في بحثه بخصوص قضية المخدرات. فقد تناول في بحثه فئة عمرية تتراوح ما بين 12 إلى 24 سنة، وهي ليست نفس الفئة العمرية التي أثارت قلق الوكالات المحلية آنذاك. وفي الخلاصة وبدلاً من تقديم بحث يستهدف مشكلة حية ومهمة، تم استبداله بدراسة سابقة بهدف اختيارها للنشر من قبل بعض المجلات المرموقة.

العمل من أجل إنتاج الأبحاث النافعة والمفيدة، في بعض الأقسام الجامعية، يأخذ اتجاها معاكسا لمصلحة الباحث

ولا يعد هذا المثال حالة شاذة في عالم البحوث العلمية في الجامعات لأن نفس الشيء يحدث في الكثير من فرق البحث في الجامعات البريطانية وغيرها حيث تعتمد العديد من وحدات البحوث على أساس إثبات نجاح المؤسسة البحثية وترقية الباحثين على حساب الغرض الأساسي لكتابة الأبحاث العلمية.

ويشير الباحث في مقاله إلى مثال مِن تجربته في البحث العلمي موضحا “نصحتني المشرفة بحذف بعض التفاصيل لتقرير كنت أنوي إرساله إلى الإدارة الحكومية التي تموّل أبحاثي. كما طلبت مني أيضاً حذف أي تفسيرات غير مؤكدة، حيث يتم الحكم على حالة ‘عدم اليقين’ من قبل الحكام الأكاديميين، ضمن عملية تمويل ‘إطار التميز البحثي’، بأنها أيضاً قصور في كتابة التقرير. وحذرت أيضا من أن بعض الكلمات من الممكن أن تكون لها دلالة مختلفة بالنسبة للحكام، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي بهم إلى إنقاص درجات من البحث بسبب الفشل في تغطية المسائل المرتبطة ببعضها البعض، وفضلت حذفها نهائياً".

ويؤكد أنه بذلك تم حذف أهم المعلومات التي كان من الممكن أن تُثقل فائدة التقرير. وبالتالي يمكن للحكومة حينئذ أن تدفع عشرات الآلاف من الجنيهات التي تأخذها في المقام الأول ممن يدفعون الضرائب. وتكون النتيجة النهائية بحثاً معيباً ناقصاً، تمت كتابته فقط ليجد فريق الحكام الأكاديميين صعوبة في انتقاده.

وتُقابل النتائج العلمية الحقيقية للأبحاث أحيانا مقاومة من قبل المشرفين على وحدة الأبحاث نفسها، على الرغم من أن تلك النتائج الحقيقية يمكن أن تشكل عامل جذب للمجلات العلمية، إلا أنهم يتخوفون دائماً من احتمال رفض نشر الأبحاث. ويمكن القول بأن الحكام الأكاديميين، الذين يتم اختيارهم من قبل المجلات العلمية لتقييم العمل البحثي، هم من يمارس السلطة الحقيقية في الحكم على هذه الأعمال. وبالحديث عن إمكانية تناقض الاستنتاجات البحثية مع آرائهم، فإنه من الأفضل أن تقدم نتائج مألوفة لفريق الحكام إذا ما أردت لعملك في النهاية أن يُنشر في إحدى المجلات العلمية المرموقة.

ويتعجّب العديد من الباحثين من الأسلوب المتبع حاليا من قبل الباحثين الذين يصممون أبحاثهم بطريقة مبتذلة مع إضافة بعض التفاصيل الصغيرة كل مرة إلى أبحاثهم.ويؤكد المشرفون على وحدات البحث أنه عندما يعرف الجميع ما يجب مراعاته لإعداد البحث، سيتم قبوله فوراً للنشر، وبالتالي فإن على الباحث الذي يرغب في نشر بحثه أن يعتمد محاكاة أسلوب الباحثين الذين كتبوه من قبله.

وما يقلل احتمالات المخاطرة بنشر البحث أن يتبع الباحث نصائح وتحذيرات المشرف عليه بخصوص نتائج التحليل البحثي.وقبل أن يبدأ بتحليل البحث، عليه أن يقرر أولا في أي من المجلات المرموقة يريد لبحثه أن يُنشر، ثم يصيغ البحث بشكل يتناسب مع أساليبهم المتبعة في النشر. ولعل هذه الطريقة تساعد على نشر أكبر عدد ممكن من الأبحاث، أما من حيث الاستفادة الحقيقية التي يمكن أن تحصل من قراءة تلك الأبحاث، فحدث ولا حرج!

ويخلص الباحث كاتب المقال إلى القول “أرى من خلال وجهة نظري أن العمل من أجل إنتاج الأبحاث النافعة والمفيدة، في بعض الأقسام الجامعية، يأخذ اتجاها معاكسا لمصلحة الباحث. فمن خلال تجربتي الخاصة أستطيع القول بأن إنتاج الأبحاث العلمية ذات القيمة يُجدي نفعه إذا كنت تعالج القضايا التي تهم العالم من حولك، وليس عالم المجلات العلمية".

وتدفع الجامعات الآن الباحثين لاستهداف مؤشرات جودة الأداء بدلاً من تقديم عمل بحثي يُفيد الجميع. كل ما عليهم فعله لإثبات جودة العمل هو إنتاج عمل بحثي سطحي وغير متكافئ وخاضع للرقابة الذاتية فقط، ليصبح من السهل بعد ذلك أن تخدع به ممولي البحوث. ويلاحظ الباحث أنه "عندما تعمل بهذه الطريقة لفترة طويلة، تفقد بمرور الوقت قدرتك على العمل بأي طريقة أخرى، ولا تستطيع بعد ذلك رؤية العيب الذي يشوب تلك الطرق المتبعة".

17