تركي الحمد وباسم يوسف

الثلاثاء 2016/01/19

يمثل لي تركي الحمد قيمة ذاتية لشخصي منذ أن كنت مراهقة، قرأت كتبه ورواياته كاملة، وأحببت أن أشبهه، أن أكون في تماثل صادق غير معطل مع أفكاري، ألاّ أحيد عنها، ألاّ أتعب أو أنزعج من تأثيرها العكسي، أن أمتلك قيمة وفكرا خاصا بي.

هل وصلت إلى ما وصل إليه تركي الحمد؟ لا أظن فلا زلت في أول الطريق، في أول مشوار البحث عن المنديل المفقود، لازلت أعاني حتى أحتفظ بصورتي، أن أرتفع لرقعة السماء، متفهّمة أكثر لوعي الداخلي، منغمسة أكثر مما يجب في تطبيق القواعد والقوانين التي من شأنها أن تجعلني في أريحية مع ذاتي، لازلت أغذي وعيي بالأفكار المتفائلة حول البشر، ولازلت حتى اللحظة أذهل ممّا يحدث، من العتمة، من استدارة الأرض، من قوة الكشافات الضوئية، وأخشى أن يغادرني الذهول يوما ما فتصيبني شرارة الاكتئاب وهذا أكثر ما أخشاه.

سهرت قبل ليلتين لأقرأ تغريدات تركي الحمد على حسابه في تويتر، ودون أن أفهم لماذا وكيف ولم، بكيت.. غادرتني بهجة أيام الإجازة القصيرة التي قضيتها مع عائلتي، في محاولة منا للهروب من النغمة الإلزامية للحياة المعتادة، كنا نريد أن نكون في حالة من الفوضى الغاوية، من التحرر من قيود الانضباط والمناورات المرغمين بأدائها في أعمالنا.

كتب الحمد عن القراءة السلفية الأصولية للدين، وبأنها ليست القراءة الوحيدة، فالقرآن حمال أوجه، وللحقيقة كما يقول أكثر من وجه، وكتب أيضا عن الرئيس الأميركي باراك أوباما وحملته التي بدأها تحت شعار “نعم نستطيع”، وكيف تبيّن لاحقا أنه لا يستطيع، والأهم من كل ذلك، رؤيته المتقدمة والعصرية عن تصرفات إيران وملاليها ومنطق العصابة الذي تقوم به، وعن إسرائيل وأشار إلى أنها ورغم عدوانيتها تتصرف بمنطق الدولة مع غيرها، فمن يكون الأجدر بالخوف منه؟

في الإجازة بدأت في قراءة السيرة الذاتية للأسير اللبناني سمير القنطار، حينما لمحه زميلي في مكتبتي قال لي “لماذا اشتريت كتابا لرجل متلون؟”، لم أفتح فمي بنصف كلمة، لم أكن أعرف كيف أرد عليه، لم أعرف عن سمير سوى أنه أسير في السجون الإسرائيلية لـ28 عاما، وخرج إثر صفقة تبادل تمت بين حزب الله وحكومة إسرائيل.

القنطار الدرزي تم أسره وهو في السادسة عشرة من عمره، حينما كان عضوا في جبهة التحرير الفلسطينية، ويقال إنه انضم إلى حزب الله بعد إطلاق سراحه عام 2008، ولأنه استشهد إثر غارة إسرائيلية استهدفت مبنى في بلدة جرمانا جنوب دمشق، قررت قراءة سيرته الشخصية كي أفهم، ماذا يقصد زميلي بالمتلون؟ ولازلت حتى الآن أكمل قراءة سيرته الذاتية، لكن ما أثارني حقا ما كتبه القنطار، وربما الأمر ليس خافيا على معظم المتابعين لشؤون السياسة، بأن إسرائيل تضع حياة جنودها وسلامتهم في المرتبة الأولى، فهي لا تعير بالا حينما يتم قتل أحد من مواطنيها، لكنها لا ترضى بأي ضرر لأي من جنودها، وتساءلت اليوم بعد قراءة تغريدات تركي الحمد، هل هذا جزء ممّا قصده برؤية إسرائيل التقدمية لدولتها؟ وربما الأهم من ذلك، هل حرص الحمد على أن يلقي الضوء هذه المرة على هذا الكيان من منطق مختلف، ورغبته الجادة في أن تستفيد دول الخليج من تجربة الدولة المحتلة رغم صغر مساحتها وعدد سكانها؟

صادف بعد قراءتي لتغريدات كاتبي المفضل، أن شاهدت لقاء مع الإعلامي المصري باسم يوسف، لا أحد منا لا يعرف الإعلامي والطبيب وبرنامجه الشهير “البرنامج”، والذي توقف بأمر من السلطات المصرية حينما تولى عبدالفتاح السيسي منصب الرئاسة، إثر سقوط الرئيس السابق محمد مرسي، لم أكن مهتمة بمتابعة باسم يوسف، لم أشاهد سوى فقرات بسيطة لبرنامجه، ولكني أحببت كثيرا شخصيته، هو أيضا بدا لي واعيا بما يقوم به، تحدث كما تحدث الحمد عن أفكاره، تخطى حواجز عديدة ودافع عن برنامجه دون أن يفتح على نفسه أي حروب، لتكتشف سريعا أسباب نجاح برنامجه، لأن هناك من هو متصالح مع ما يحمله من قيم.

هذا الأسبوع بدا لي مؤثرا، لأنني كنت قريبة من ثلاث شخصيات، الحمد والقنطار وباسم يوسف الذي جعلني أعيد مشاهدة لقائه لمرتين، أريد أن أكون جزءا مؤثرا من دون أن يكون لديّ نهم غبي للأضواء أو الشهرة، أود أن أكون مخلصة للطبقة العليا من الوعي من دون أن استند إلا على مفاهيمي، أود أكثر أن أكون مخلصة للنتائج التي عليّ أن أصحبها حتى نهاية المطاف.

كاتبة سعودية

8