ترك الصغار معزولين في غرفهم ليس أسلوبا لتهذيب سلوكاتهم

العقاب بالعزل يزيد من عدوانية الأطفال ويقلل من تركيزهم.
الأربعاء 2020/12/02
العزل يعزل الصغار عن عالمهم ويؤثر على نفسياتهم

كان عزل الأطفال على مدى العقود الماضية وسيلة شائعة للتعامل مع سلوكياتهم غير اللائقة، حتى أنه بات طريقة أكثر شيوعا يستخدمها الآباء ويوصي بها أطباء الأطفال وخبراء تنمية الطفل. لكن بعد عقود من اتباع هذه الطريقة في التربية لتعديل سلوك الأبناء ولتجنب الأساليب الأخرى خاصة منها التي تعتمد على العنف الجسدي، أكدت التجارب والبحوث أن العزل له آثار بالغة على نفسية الأبناء وعلى علاقتهم بوالديهم.

نصح خبراء التربية لفترات طويلة الآباء والأمهات باتباع أسلوب العزل في تأديب الأطفال عند ارتكابهم سلوكا غير لائق. ويعتمد هذا الأسلوب على تخصيص مكان في المنزل يجلس فيه الطفل لفترة زمنية محددة بمفرده إلى أن يتم السماح له بالقيام منه والانضمام إلى الأسرة مرة أخرى. إلا أنه وبعد سنوات من التشجيع على هذا الأسلوب، نبّه الخبراء إلى ضرورة إيقاف هذا السلوك السيء الذي يتم اللجوء إليه كوسيلة تربوية، بالإضافة إلى أن نتائجه لا تختلف كثيرا عن العقاب البدني من حيث الآثار المدمرة لنفسية الطفل وعلاقته بأبويه.

وقال الخبراء إن التجربة الأساسية التي يقدمها بقاء الطفل وحيدا في الغرفة هي العزلة، حتى عند تطبيقها بصبر وحب وهدوء تعلّمه العزلة أنه عندما يرتكب خطأ، أو عندما يواجه صعوبة في حياته، سيضطر إلى مواجهتها بمفرده، وهو درس قاسٍ يُشعره بالرفض في هذه السن الصغيرة.

ويعتقد الآباء أن عزل الطفل يمنحه فرصة لضبط مشاعره والهدوء والتفكير في الخطأ الذي ارتكبه وفي كلمات العتاب التي تلقاها، لكن ما يحدث في الواقع هو أن هذا الأسلوب يجعله غاضبا ومشتتا وتقل قدرته على التحكم في نفسه أو التفكير في ما فعله، ويجمع تركيزه حول كيفية معاقبة والديه له.

وتوصلت دراسات حديثة إلى أن الوالدين اللذين يستخدمان طريقة العزل كعقاب لطفلهما يلاحظان أن سلوكه لا ينضبط بمقدار الجهد الذي يبذلانه في عدم الصراخ بوجهه، وضبط النفس لعدم جرح مشاعره، موضحة أن إرهاق الطفل عاطفيا بعزله يدفعه إلى إساءة التصرف أحيانا. فعواطفهما العنيفة وحاجتهما للوصال وقهرهما للبقاء بمفردهما أكبر بكثير من قدرتهما الحقيقية على فهم واستيعاب سبب ذلك. وفي المقابل فإنه بسبب عجز الطفل عن التعبير عن حاجته ومشاعره، ستظل تصدر عنه سلوكيات عدوانية وغير محترمة وغير متعاونة، مما يعد دليلا بسيطا على أن الوالدين فشلا في تنمية بعض مهارات السلوك السليم بداخله حتى الآن.

نتائج عكسية

هدى العماوي: أسلوب العزل يسبب اضطراب سلوك الطفل ويعيق تواصله الاجتماعي
هدى العماوي: أسلوب العزل يسبب اضطراب سلوك الطفل ويعيق تواصله الاجتماعي

وبينت الأستاذة هدى عبدالعال العماوي، المختصة في علم النفس الإكلينيكي في مصر، أن عزل الطفل كوسيلة للعقاب له نتائج عكسية على علاقة الطفل بالأب والأم، مما يؤدي إلى تكوين مشاعر العدوان تجاههما، ويظهر ذلك من خلال تبني الطفل لسلوكيات سيئة مثل السرقة والكذب والتبول اللاإرادي، بالإضافة إلى تكون مشاعر سلبية لديه مثل عدم الثقة في النفس والتي تنعكس على مسار حياته.

وقالت العماوي لـ”العرب” “يجب أن يتجنّب الآباء والأمهات استخدام العزل كعقاب للأطفال نظرا إلى تأثيراته السلبية التي تشمل أيضا تواصلهم مع المحيطين بهم، وفي بعض الأحيان على لغة التواصل بينهم وبين الأشخاص مما يؤدي إلى اضطراب في السلوك وفي التواصل الاجتماعي لديهم”.

ولا يطبق أسلوب العزل في المنازل فحسب بل هو أسلوب قديم يتبعه الكثير من المدرسين والمربّين، حيث يطلب عدد من المدرسين والآباء من الطفل اللجوء إلى أحد أركان الفصل بعيدا عن أي نشاط، أو الدخول إلى غرفته لمدة قد تطول أو تقصر، في محاولة لتحسين سلوكه إذا أخطأ.

وكشفت دراسة عربية حديثة شملت أكثر من 500 طفل، في بحث عن أسلوب المدرسة السلوكية في تهذيب الأطفال، أن جميع الأطفال أكدوا أن هذا الأسلوب هو نوع من العقاب، وأنهم لا يحبذونه، ولكنهم يرضخون له لأنه عبارة عن نظام أو قانون وضعته المدرسة أو العائلة.

وقال البعض إنهم يلجأون إلى اتباع سلوكيات سيئة حتى تخرجهم المُدرسّة من الفصل أو تبعدهم عن النشاط لأنهم يشعرون بالملل، ويتعمد البعض الآخر مضايقة المدرّسة ليثبتوا لرفاقهم أنهم شجعان، فيما يرى آخرون أن في عزلهم جذبا للانتباه.

وقالت الدراسة إن الكثير من المدرسين والآباء يرون أن استبعاد الطفل وحرمانه من النشاط هو أسلوب راقٍ ومتمدن بعيدا عن الصراخ في وجه الطفل أو إهانته أو ضربه، دون التفكير في شعوره أثناء هذه الفترة التي قد تتراوح بين 5 دقائق و60 دقيقة.

وأشارت إلى أن المدرّس يعزل الطفل عن النشاط الذي يقوم به في الفصل، والآباء والأمهات يعزلونه عن طاولة الطعام أو غرفة التلفزيون أو الحديقة، ويطلبون منه أن يبقى وحيدا لأنه أخطأ، دون أن يسألوا ماذا تعلّم أثناء هذه الفترة؟

وقال العديد من الأطفال المشاركين في الدراسة والذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والرابعة عشرة إنهم يشعرون بالوحدة القاتلة وبالغضب الشديد، وقال أحدهم “أقسمت أن أنتقم عندما تتاح لي الفرصة”، وقال آخرون “أكره أمي، أكره أبي، أكره المدرّس، أكره البيت، أكره المدرسة، تمنيت لو كنت كبيرا فأضرب أبي، تمنّيت لو كنت ناظر المدرسة لأطرد المدرّس، أكره نفسي، لا أحب الحياة، لا أريد أن أكون هنا، أحسد أختي لأنها صغيرة لا تتكلم ولا تمشي، أريد أن أكون بمفردي إلى الأبد..إلخ”.

وأكدت الدراسة أن هذه بعض من المشاعر السلبية التي تترسّخ في أعماق الطفل عندما يتم عزله كوسيلة لتهذيب سلوكه، وبمراجعة الكثير من الحالات التي استخدمت فيها هذه الطريقة، وجدت الدراسة تكرار الطفل لنفس السلوك وزيادة في العناد، وإذا حدث تغيير في السلوك؛ فإنه وقتي، وما يلبث أن يعاود الطفل نفس السلوك السيء.

وتوصلت إلى أن مهمة المدرّس والآباء تتمثل في أن يتواصلوا مع الطفل وبأسلوب هادئ، للتعرف على سبب السلوك السيء حتى يمكن إزالة الأسباب، مشيرة إلى ضرورة مراعاة أن معايير الصواب والخطأ موجودة بالفطرة داخل الطفل، فالطفل الذي يصدر عنه سلوك سيء، يشعر بالخجل والعار والذنب والخوف من تلقاء نفسه.

وشدّدت على ضرورة الانتباه إلى أن هذه المشاعر السلبية مصاحبة للسلوك السيء، وإما أن تكون أحد أسباب السلوك السيء أو أحد نتائجه، ولذلك فواجب المدرسين والآباء مساعدة الطفل على مواجهة هذه المشاعر السلبية والتخلص منها، مؤكدة أن أساليب العقاب بما فيها أسلوب العزل لا تتعرف على أسباب السلوك السيء، ولا تقدم حلولا له، وهي مجرد أداة سهلة يستخدمها الكبار لردع الطفل أو تهذيبه دون وعي بأضرارها.

الألم الشعوري

السلوك العدواني عند الأطفال صرخة من أجل التواصل معهم وضمهم، في وقت يكون فيه رد فعل الآباء هو عزل الأطفال وحدهم
أسلوب العزل يسبب اضطراب سلوك الطفل ويعيق تواصله الاجتماعي

وتوصلت دراسة أنجزتها “تينا باين بريسون”، المؤسسة المشاركة لمركز أبحاث الوعي الذهني بجامعة كاليفورنيا والمديرة التنفيذية لمعهد “مايندسايت”، إلى أن السلوك العدواني عند الأطفال هو صرخة منهم وطلب لمساعدة أهلهم على تهدئتهم والتواصل معهم وضمّهم، في وقت يكون فيه رد فعل الآباء هو عزلهم لوحدهم، وعدم تلبية الحاجة النفسية والشعورية لديهم.

وكشف تصوير الدماغ أن تجربة الألم الشعوري، مثل تلك التي يسببها الرفض والعزل، تبدو مشابهة جدا لتجربة الألم الجسدي من حيث نشاط الدماغ في الحالتين. وجاء ذلك في دراسة منشورة في مجلة “العلوم”، بعد تصوير الأعصاب بالرنين المغناطيسي، بناء على الفرضية القائلة إن قواعد الدماغ للألم العاطفي والأذى الاجتماعي مشابهة لتلك التي تحدث مع الألم الجسدي.

وفحص المشاركون في الدراسة الأطفال أثناء لعبهم مباراة كرة قدم مع زملائهم، ثم جرى استبعادهم في نهاية المطاف. وبالتوافق مع دراسات سابقة على الألم الجسدي، كان هناك نشاط أكثر يتم في القشرة الحزامية الأمامية للدماغ أثناء الاندماج مع الآخرين بشكل إيجابي. وفي الحين الذي زاد فيه النشاط بالفص الجبهي الأيمن أثناء استبعادهم من المباراة.

السلوك العدواني عند الأطفال صرخة من أجل التواصل معهم وضمهم، في وقت يكون فيه رد فعل الآباء هو عزل الأطفال وحدهم

وأوضحت بوني كومبتون، معالجة الأطفال المتخصصة في المشاكل السلوكية، أنه “عندما تعطي طفلا وقت عقاب بالعزلة، فإن الرسالة التي ترسلها هي: إذا أسأتَ التصرف، فسأحتاج إلى فصلك عن العائلة، وعن نشاط ما، وعن أصدقائك، بينما يُقصد من وقت العزلة مساعدة الأطفال على التفكير في إساءة التصرف، لا يغير هذا العقاب السلوك في المعتاد”.

وأشارت إلى أنه في واقع الأمر الأطفال لا يهدأون حقا أثناء وقت العزل، أو يفكرون في ما فعلوه من خطأ، وبدلا من ذلك، يميلون إلى التفكير في مدى ظلم والديهم، مضيفة أن أوقات العزلة قد لا تكون غير مثمرة وحسب؛ بل قد تكون مدمرة أيضا، لأنها تسهم في شعور الانعزال والهجر.

ولفتت إلى أن الأطفال ربما يرون أوقات العزل على أنها نتيجة لكونهم سيئين للغاية، لدرجة أن والديهم لا يريدونهم في جوارهم، وهذا بدوره، يزيد من توترهم ويسبب المزيد من نوبات الغضب السلوكية. ونصحت بوني بإعطاء الطفل وقتا للمشاركة بدلا من العزلة، مبيّنة أن وقت المشاركة يسمح للطفل بتهدئة عقله وتقليل الشعور بالارتباك العاطفي، في حين أنه لا يزال مرتبطا بوالديه. ويمكن أن تعلّم أوقات المشاركة الأطفال كيف يُهدّئون أنفسهم وكيف ينظمونها.

وأفاد الخبراء بأن هناك مقالات عديدة وكتبا كثيرة تؤيد هذا العقاب ولكن هناك مقالات أكثر وكتب أكثر ترفض عزل الطفل كعقاب له، منبهين إلى أن مدرسة التربية الإيجابية اكتشفت عيوب العزل وتم توجيه الكثير من الانتقادات لما تستخدمه وتنشره بين الآباء من أساليب تربوية ضارة ومؤذية.

بل ووصل الأمر إلى كشف بعض التزوير والخداع الذي حدث في تلك البرامج، لإقناع المشاهدين بأن سلوكيات الطفل قد تحسنت وتطورت إلى الأفضل في حين أن هذا لم يحدث في الواقع.

21