ترميم بطيء لقصبة الجزائر الهرمة

تعتبر الجزائر على مر العصور نقطة تقاطع ثقافات وحضارات، وقد تجلى ذلك من خلال إرثها العمراني الذي اكتسب بمرور الوقت طابعا جزائريا، حتى صنفت مدينة الجزائر ثاني أجمل مدن العالم في 1958 وفق الاتحاد العالمي للمهندسين، اعترافا بموقعها الجغرافي المميز. لكن غبار التاريخ والإهمال من قبل السلطات والمواطنين لسنوات عديدة جعلا الأحياء القديمة تعيش حالة مزرية حتى أصبحت آيلة للسقوط. وفي استفاقة متأخرة تسعى السلطات العمومية إلى ترميم هذه المعالم التاريخية وتهيئتها لتصبح الجزائر البيضاء عروس المتوسط.
الخميس 2017/02/23
المدينة العتيقة وجهة سياحية واعدة

الجزائر- تواجه قصبة الجزائر التاريخية التهميش والتقصير الحكومي في المحافظة على المنطقة التي تعد من أفضل المواقع التاريخية والأثرية في البلاد. وكشف مدير ديوان تسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية في الجزائر عبدالوهاب زكاغ أنه تم إحصاء قرابة 100 بناية تاريخية مهددة بالانهيار في القصبة مصنفة ضمن قائمة الخانة الحمراء أي المتداعية، مؤكدا على ضرورة التكفل بها.

وتتميز قصبة الجزائر العاصمة بتشكيلة مميزة من المنازل التي أطلق عليها اسم الدويرات بالنظر إلى صغر حجمها مقارنة مع المنازل الأخرى التي اشتهرت في القصبة وأصبحت قصورا ومتاحف. وأوضح زكاغ أنه تم إحصاء 93 بناية تاريخية مهددة بالانهيار في أي لحظة بالقصبة معلنا عن تحويل مؤقت أو دائم لقاطني هذه البنايات التاريخية من أجل الشروع في عملية الترميم قصد وقف أو الحد من التدهور الذي يزيد من خطره تسرب المياه وحالة قنوات الصرف الصحي المهترئة.

يتخوف السكان من التلاعب بملفات المستفيدين الحقيقيين من برنامج السكن، ويشككون في السلطات المحلية التي لا تبذل أي مجهود لانتشالهم من المعاناة

وقال إنه منذ انطلاق عملية الترميم عام 2014 تم القيام بأشغال تدعيم أولية مست 717 بناية من أصل 1861 بالقصبة لوقف الانهيار وذلك في إطار المخطط الدائم لحماية القصبة. وأشار زكاغ إلى صعوبة عملية التدخل في نسيج قديم مصنف وطنيا وعالميا ومحمي بنصوص قانونية خاصة أن القصبة آهلة بالسكان. ويقول مختصون في التراث الجزائري إن لكل بناية في القصبة رسمها ومعالمها الخاصة بها، ما يضع المرممين أمام مسؤولية الترميم بشكل دقيق للحفاظ على خصوصية كل بناية وكل معلم تاريخي، فعمل المرممين يشبه كثيرا العملية الجراحية، وأول شرط لإعادة الحياة إلى هذا التراث المادي هو احترام خصوصيته بما فيها من نقوش ومواد خشبية ورخامية ونحاسية وزخرفية.

واعتبر زكاغ قرار تحويل ملف القصبة مؤخرا إلى مصالح محافظة الجزائر إيجابيّا ومحفزا مهما من شأنه أن يعطي الدفع الحقيقي للملف ويسرع عملية ترميم هذا المعلم التاريخي نظرا لما تتوفر عليه المحافظة من إمكانيات لا سيما في مجال ترحيل السكان والتهيئة العمرانية والنظافة وغيرها. وأكد المتحدث أنه سيقدم كل الدعم التقني وتفاصيل الدراسات ومشاريع الترميم في القصبة، وهي المشاريع التي قام بها فريقه الهندسي المكون من 20 مهندسا لمصالح المحافظة وذلك في انتظار ما سيسفر عن الهيكلة الجديدة للديوان والتعرف على طبيعة المهام الموكلة إليه. وأوضح زكاغ أنه قبل عملية تحويل ملف القصبة نحو مصالح المحافظة كان مبرمجا الشروع في عملية التدخل الاستعجالي لإنقاذ 212 بناية فضلا عن 7 مساجد و9 مبان تاريخية مرتبطة بالثورة التحريرية و51 بناية فارغة.

سكان الخانة الحمراء

تشهد أحياء بلدية القصبة هذه الأيام حالة من الغليان والاستنفار بعد إعلان فتح ملف الترحيل بحي القصبة من قبل محافظ العاصمة عبدالقادر زوخ وإدراجه في أجندة إعادة الإسكان خلال المراحل القادمة. ولم يبق في الحي العتيق الذي تهاوت بعض بناياته وتشققت جدرانه التي كانت حصنا في حقبة زمنية بعيدة، سوى بعض “الدويرات” (منازل صغيرة) المهددة بالسقوط.

غليان واستنفار بين سكان الخانة الحمراء

وقد عبرت بعض العائلات عن تخوفها من الأخطار المحدقة ببناياتها القديمة الهشة التي لا تحتمل الصمود أمام الظواهر الطبيعية، وهي مجبرة على الإقامة تحت أسقفها في ظل أزمة السكن التي تعرفها العاصمة وغياب البديل عن تلك المساكن التي آوت هذه العائلات سنين عديدة. وتؤكد تلك العائلات أنها لم تجد أي مساعدة من السلطات المحلية بالرغم من نداءات الاستغاثة التي كانت تطلقها في حال حدوث تناثر الحجارة أو هطول الأمطار.

ويقول أصحاب هذه العائلات إن النداءات والشكاوى التي تقدموا بها لم تلق أي رد إيجابي لتفادي حدوث كارثة، مطالبين محافظ العاصمة بالتدخل السريع لإنقاذهم من خطر الموت الذي يتربص بهم، ويتطلعون إلى إدراجهم ضمن عمليات الترحيل التي من المزمع أن يتم الشروع فيها خلال الأيام القليلة القادمة. وينتظر السكان دورهم في الترحيل خاصة بعد أن عزفت الحكومة عن النبش في هذا الملف منذ سنوات، إلا أن الخبر الذي أعلنه المحافظ بإدراج عملية ترحيلهم التي باشرتها مصالح المحافظة منذ يونيو من سنة 2014 أعاد إليهم الأمل في الظفر بسكن لائق يحفظ كرامتهم.

ويتخوف السكان من التلاعب بملفات المستفيدين الحقيقيين، ويشككون في السلطات المحلية التي لا تبذل أي مجهود لانتشالهم من المعاناة التي يتكبدونها في بنايات توشك على السقوط في أي لحظة، فقد أصبحوا لا يثقون بمصالح البلدية، إضافة إلى الفوضى السائدة بين العائلات التي تريد كلها الظفر بالسكن وهاجس الإقصاء يقض مضاجعها. يذكر أن عمليات إعادة الإسكان بالعاصمة التي انطلقت منذ سنة 2014، استفادت منها أكثر من 52 ألف عائلة بإقليم محافظة الجزائر. وفاق عدد الطعون التي رفعها المقصيون من قائمات المستفيدين من السكن الاجتماعي منذ بداية 2014 الـ15 ألف طعن، مع الموافقة على 7500 طعن، حيث نال أصحابها مساكن جديدة.

قصبة التراث

يعتبر حي القصبة بموقعه ومعالمه وهندسته شاهدا على ذاكرة وتاريخ الشعب ‏الجزائري لاحتوائه على أكبر تجمع عمراني ومبان تاريخية قديمة، منها قصر الداي -أو كما يعرف بدار السلطان- وقصر الرياس وقصر خداوج العمياء ودار عزيزة. وتحتوي القصبة على مساجد عديدة منها الجامع الكبير والجامع الجديد وجامع كتشاوة وجامع علي بتشين، وجامع السفير وجامع السلطان وجامع سيدي رمضان، بالإضافة إلى مساجد صغيرة كمسجد سيدي محمد الشريف وسيدي عبدالله وسيدي بن علي، فضلا عن ضريحها الشهير سيدي عبدالرحمن الثعالبي الذي لا يزال يمثل مزارا كبيرا في حي القصبة، وأيضا الجامع الكبير الذي تم هدمه في بداية الاستعمار الفرنسي، والذي كان يتوسط ما يعرف اليوم بساحة الشهداء.

وينتقد المؤرخ الجزائري المختص في تراث القصبة محمد بن مدور عملية الترميم البطيئة لهذا المعلم التاريخي المصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو عام 1992، فقد بني هذا الحي قبل اختراع وسائل النقل الحديثة، وشوارعه عبارة عن أزقة ضيقة وأنفاق تحت العمارات وسلالم. ويبرز المؤرخ الجزائري في كتاب له بعنوان “قصبة الجزائر تراث في خطر” تاريخ القصبة وبعض بناياتها الرمزية مثل أبواب المدينة وقصورها ومساجدها وحصونها وسيدي عبدالرحمان الثعالبي الولي الحارس للجزائر.

استفاقة متأخرة

وتوقف الكاتب مطولا عند الدمار الذي طال مختلف البنايات والتغييرات التي شهدتها المدينة العتيقة خلال الحكم العثماني ثم خلال الفترة الاستعمارية مثل تدمير مجموعة من المنازل لبناء قصور وبيوت الأعيان (الفترة التركية). وتطرق إلى تقرير للجيش الفرنسي يعود تاريخه إلى سنة 1830 يتحدث عن تخريب وحتى تدمير “900 منزل ريفي ومعظم الوثائق الإدارية” للمدينة، وفي نفس الفترة تم تدمير العديد من التجمعات السكنية لبناء عمارات ذات طابع أوروبي وإنجاز طرقات مخصصة للعربات.

وخصص المؤلف في هذا الكتاب فصلا لقلعة الجزائر من خلال العودة إلى تاريخ هذا القصر الذي بني سنة 1592 من طرف المعلم موسى الأندلسي والذي احتضن ثكنات قبل أن يصبح مركزا للسلطة السياسية والإدارية والعسكرية للدايين الأخيرين للجزائر. ويقول محمد بن مدور “عند الاستقلال تعرضت ‘دار السلطان’ لاقتحام من طرف 60 عائلة أقامت بها، وأدخلت عليها تعديلات قبل أن تسند عملية ترميمها سنة 1985 إلى مكتب دراسات بولوني ثم إلى ديوان تسيير الأملاك الثقافية واستغلالها”. وتطرق إلى ترميم القصبة الذي لم يعرف بعد تقدما ملحوظا بسبب “التأخر في الأشغال الاستعجالية” التي لم تنته منذ سنوات. ويؤكد بن مدور أن 600 بناية من مجموع 15 ألفا أثناء العهد العثماني ما زالت قابلة للترميم والاسترجاع.

وجهة سياحية واعدة

تعتبر مباني الجزائر العاصمة وخاصة أحياء القصبة إرثا عمرانيا باستطاعته أن يفيد السكان سياحيا وثقافيا واجتماعيا خاصة إذا تمت عملية الترميم كما يجب وليس بالاقتصار على تزيين الواجهات وتبييضها، خاصة وأنها مبان قديمة جدا تستحق الترميم والتهيئة لتصبح واجهة سياحية ومحطة تلخّص تاريخ الجزائر. ويدعو خبراء السياحة الجزائريون إلى تغيير أسلوب تعاملهم مع مدينتهم والحفاظ على المباني التي تضم جهدا إنسانيا راقيا يتمثل في النحت على الخشب والأشكال النحاسية أو حتى التماثيل التي لا تزال ظاهرة للعيان.

ويرى الخبير السياحي عثمان سحنون أن مخطط إعادة تهيئة المباني القديمة هو خطوة هائلة في تاريخ المدينة سيمنحها مجالا أوسع “لتتنفس بفضل مشاريع المترو والتراموي والنقل البحري والمصاعد الهوائية، وأيضا بفضل إعادة تأهيل الواجهة البحرية” التي ستبرز للزوار جمال المباني والتشكيل العمراني المتنوع. وأفصح الأمين العام لوكالات السياحة والسفر نجاح بوجلوة أنهم بصدد تحضير دليل، مقترحا صيغا جديدة لجذب السائح المحلي أو الأجنبي لزيارة الجزائر العاصمة. ويتوقع خبراء السياحة أن تتحول مدينة القصبة العتيقة إلى وجهة سياحية ذات شأن في المشهد السياحي المغاربي، مشترطين اهتمام الجهات المسؤولة بها كموروث معماري، داعين السلطات إلى التعجيل في عملية الترميم، وحاثين المواطنين وجمعيات الأحياء على التعاون والتكاتف من أجل تنظيف الشوارع لتظهر رائقة وجميلة.

20