ترميم وثيقة قرطاج: خلط للأوراق السياسية أم احتواء للاحتقان

السبت 2018/01/06

تتسارع حركة الأحداث في تونس، وترتفع معها وتيرة الحراك الاجتماعي الذي يحمل بين طياته نُذر الانفجار الذي أصبحت مفاعيله تتراكم على وقع الزيادات في الأسعار التي أقرتها الحكومة الحالية، برئاسة يوسف الشاهد، في مسعى لتوفير موارد مالية جديدة لتقليص عجز الموازنة العام للدولة الذي تجاوز 6 بالمئة خلال العام 2017.

ويستدعي هذا الحراك ضرورة البحث عن بدائل سياسية جديدة لاستباق انعكاسات الاحتقان الاجتماعي، التي تبدو في حلّ من أي سقف لها، والعمل على احتواء تداعياتها للحفاظ على السلم الاجتماعي، وذلك في سياق سياسي يُعيد ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية والتحالفات الحزبية.

ويبدو أن هذه الضرورة بدأت تتبلور تدريجيا، أو ربما بلورت بعضا من تجلياتها الدعوة التي وجهتها الرئاسة التونسية للأحزاب والمنظمات المُوقعة على “وثيقة قرطاج” للاجتماع قبل نهاية الأسبوع الجاري.

وجاءت هذه الدعوة في أعقاب اجتماع الرئيس الباجي قائد السبسي مع وداد بوشماوي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، التي أعلنت بحسب بيان للرئاسة التونسية، أن الاجتماع “تطرق إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، واجتماع المُوقعين على وثيقة قرطاج نهاية هذا الأسبوع”.

وبدت صيغة الإعلان عن هذه الدعوة مُغلّفة بالكثير من الغموض السياسي، الذي يتضمن ما يكفي من الإشارات الدالة التي يتعين التوقف أمامها لتفكيك التباينات في تفاصيلها التي تُؤكد مرة أخرى أن الحراك السياسي مازال يحمل الكثير من الأوراق الخاضعة للنقاش، ولم يرتق بعد إلى عمق المشهد السياسي الذي تُحيط به الكثير من التحديات والصعاب.

وترك ذلك الغموض مجالا واسعا للتأويل، كما رسم الكثير من علامات الاستفهام حول مغزى ودلالات هذه الدعوة التي لم تُحدد أبعادها ومعطياتها بعد، لا سيما على صعيد ما إذا كان المقصود منها، هو ترميم “وثيقة قرطاج”، لاحتواء الاحتقان الاجتماعي، أم الهدف منها إعادة خلط الأوراق السياسية في البلاد على وقع التوازنات الجديدة استعدادا للاستحقاقات الانتخابية القادمة.

وانبثقت “وثيقة قرطاج” في شهر يوليو من العام 2016 عن مبادرة سياسية للرئيس الباجي قائد السبسي، وقد تضمنت أولويات حكومة الوحدة التونسية التي تشكلت في أغسطس من العام 2016 برئاسة يوسف الشاهد، خلفا لحكومة الحبيب الصيد التي سقطت بعد حجب البرلمان ثقته عنها في 30 يوليو 2016.

ووقعت على وثيقة قرطاج 9 أحزاب هي حركة نداء تونس، وحركة النهضة الإسلامية، وحركة مشروع تونس، وحزب الاتحاد الوطني الحر، وحزب آفاق تونس، والحزب الجمهوري، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، وحركة الشعب، وحزب المبادرة الوطنية الدستورية.

كما وقعت عليها أيضا ثلاث منظمات وطنية هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

لكن هذه الوثيقة لم تصمد كثيرا، حيث انسحب منها حزبا الاتحاد الوطني الحر والجمهوري، فيما كثفت بقية الأحزاب والمنظمات الوطنية من الانتقادات الموجهة لها، حتى أن بعضها لوح في أكثر من مناسبة بإمكانية الانسحاب منها.

وعلى وقع التجاذبات السياسية الراهنة، وما رافقها من تساؤلات بدّدت إلى حد ما جزءا من منسوب التفاؤل الذي أشاعته تلك الدعوة، تضاربت المواقف الحزبية وسط خشية متصاعدة من أن استنجاد الرئيس السبسي بورقة وثيقة قرطاج، لا يخرج عن سياق إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يستجيب لمتطلبات المرحلة القادمة.

وتبرز هذه الخشية بوضوح في مواقف وبيانات العديد من الأحزاب، وخاصة تلك التي قررت التحالف في جبهة انتخابية واحدة، التي ترى فيها مُقدمة للالتفاف عليها، منها الحزب الجمهوري الذي سارع إلى الاعتذار عن تلبية تلك الدعوة مُبررا ذلك بـ”رفضه إعادة خلط الأوراق من جديد مع جهات سياسية أثبت الواقع عجزها على قيادة البلاد”.

وبغض النظر عن هذه المبررات والمواقف التي بدأت تشق طريقها في المقاربة السياسية والاجتماعية لتفاصيل المشهد في البلاد، فإن كل المؤشرات تدفع نحو التأكيد على أن الرئيس السبسي يسعى من وراء ذلك، إلى التخلص من بعض الأوراق السياسية والحزبية التي احترقت بفعل التبدّلات في مقاربة الحكم، التي تورّمت فيها المعادلات الخاطئة والحسابات الناقصة.

كما يسعى لحشد ما استطاع من الأوراق الجديدة لمواجهة حالة الإحباط واليأس الاجتماعي التي أرخت بظلالها على كامل التفاصيل التي أتخمت المشهد السياسي، خلال الأشهر الماضية، باعتبار أن التطورات المتسارعة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم تعد تسمح بهدر المزيد من الوقت.

وعلى هذا الأساس كان لا بد من العودة إلى الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج، وحثها على إعادة تجديد مرتكزات تلك الوثيقة، التي فقدت قيمتها بسبب المتغيرات والأحداث التي تجاوزتها، حتى باتت تلك الوثيقة ومخرجاتها لا تقارب الواقع ولا تتقاطع معه في شيء.

لكن العودة إلى وثيقة قرطاج، في هذا التوقيت تستدعي التوافق حول كيفية مراجعتها السياسية لاستكمالها وتطويرها وفق المُقتضيات الراهنة، بتطور أحداثها المتسارعة التي يفرضها المشهد السياسي خاصة بعد انسحاب عدد من الأحزاب منها.

لذلك فإن أي جهد يحيد عن هذا التوافق، والأهم من ذلك الاستفادة من دروس التجربة الماضية، لن يمنع الالتباس أو التأويل الخاطئ اللذين يُحيطان حاليا بالمسار السياسي في تونس الذي بات يقف بين نزعة الهروب إلى الأمام، وإكراهات الإذعان لاستحقاقات المرحلة وما تستدعيه من تنازلات.

كاتب وصحافي تونسي

9