"ترند" المسلسلات الرمضانية في مصر صناعة صحافية بغرض استثماري

غياب استطلاعات الرأي يسهّل مهمة الإعلام في التلاعب بالجمهور.
السبت 2021/04/24
الرقم واحد يختلف بين قناة وأخرى

منحت بعض وسائل الإعلام نفسها الحق في التقييم والرصد والتسويق لمسلسلات بعينها، والزعم بأنها في صدارة الموسم الدرامي، في سبيل الحصول على حصة من كعكة الإعلانات بنسب مشاهدات مزيفة.

تتسابق وسائل إعلام مصرية من صحف وقنوات تلفزيونية للترويج وخدمة مسلسلات محددة، والإيحاء بأنها الأكثر مشاهدة على محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، لتسود الفوضى المشهد العام وسط تناقض تقييم الأعمال الدرامية.

وأصبح لكل وسيلة إعلامية مسلسل أو أكثر، تزعم أنه في صدارة الموسم الدرامي وتفوق على أعمال أخرى كثيرة، وتبدأ الصحيفة أو الموقع في الترويج وذكر مزايا العمل المزعومة وحجم الإثارة والأسباب التي دفعت الجمهور لاختياره ليكون الأفضل.

وبات صعود أي مسلسل في صدارة الـ”ترند” على الشبكات الاجتماعية مسألة طبيعية ليوم واحد أو أكثر، لمجرد تضمنه لمشهد مثير أو حادث غريب أو حتى عبارة شاذة رددها البطل، لكن المفارقة أن الجمهور يفاجأ باختلاف العمل الدرامي المتصدر في مصر بين وسيلة إعلامية وأخرى.

وانعكست عشوائية التقييم على اهتزاز صورة الإعلام في نظر الجمهور الذي بات يتعامل مع ما ينشر ويتردد في بعض البرامج حول الأعمال الأكثر مشاهدة بنوع من الريبة والشك بوجود مصالح خفية وراء خداع المشاهدين.

ليلى عبدالمجيد: استسهال الترويج لأي عمل دليل على غياب المحاسبة في الإعلام
ليلى عبدالمجيد: استسهال الترويج لأي عمل دليل على غياب المحاسبة في الإعلام

وما يثير استهجان الجمهور أن تتعمد منصة إعلامية الترويج لمسلسل بلا جماهيرية وتوحي بأنه على قائمة “ترند” في مصر، وعند البحث عن العمل الدرامي والقراءة عنه ومشاهدة بعض حلقاته يكتشف الكثير من المشاهدين أنهم تعرضوا لخديعة.

وتتجاهل بعض المنابر الإعلامية التي حصلت على أموال من الشركة المنتجة للمسلسل أو أبطاله، نظير كتابة أخبار إيجابية عن العمل، الإشارة إلى أنه أقرب إلى الإعلان المدفوع الأجر، ويتم تقديم التقييم إلى الجمهور باعتباره رصدا واقعيا من جانب فريق عمل الوسيلة الإعلامية ذاتها.

ويرى مراقبون أنه يصعب فصل الفوضى الإعلامية حول طريقة الترويج لمسلسلات رمضان عن الصراع بين المؤسسات حول كعكة الإعلانات، لأن الاستفادة المادية لا تقتصر على القناة التي تبث العمل الدرامي فحسب، بل يتم تخصيص جزء منها إلى المنابر الأخرى التي سهلت المهمة وروجت لـ”الترند” وخديعة الأعلى مشاهدة.

وقالت ليلى عبدالمجيد عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة سابقا لـ”العرب”، إن استسهال الترويج لأي عمل باعتباره الأكثر مشاهدة دليل دامغ على غياب المحاسبة في المؤسسات الإعلامية، والتهاون في نشر معلومات غير دقيقة دون اكتراث لخطورتها على علاقة الجمهور بالإعلام، والنظرة السلبية بسبب الخديعة.

ويمثل شهر رمضان فرصة ثمينة لأغلب وسائل الإعلام للتربح من عوائد المسلسلات والإعلانات وبرامج المقالب والكوميديا، لكن ما تسبب في ارتفاع منسوب العشوائية في تقييم الأعمال عموما هو غياب المؤسسات المعنية بقياس نسب المشاهدة واستطلاعات الرأي التي يصعب تزييفها، في وقت يتشدق فيه البعض من المسؤولين بالمحاسبة.

وأوقف مجلس تنظيم الإعلام المصري سابقا التعامل مع شركات أجنبية متخصصة في مجالات أبحاث الرأي والدعاية والتسويق الإعلاني والإعلامي، وترك الحرية للجمهور ليمارس بنفسه مهمة تقييم أداء كل صحيفة أو قناة إلى حين إنشاء شركات وطنية محلية تؤدي هذا الغرض، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وما يلفت الانتباه، أن مصر تملك مركزا لبحوث الرأي العام والتسويق والرصد، تم تأسيسه قبل خمسة وثلاثين عاما ويتبع كلية الإعلام بجامعة القاهرة، لكنه لا يشارك في أي أبحاث يمكن أن تنهي الجدل الدائر والصراع المحتدم بين المؤسسات حول كعكة الإعلانات التي يتم اقتناصها بنسب مشاهدات مزيفة.

وقال أحمد (س)، وهو صحافي عمل مستشارا إعلاميا لمجموعة فنانين، إن “ترندات” بعض الصحف والمواقع حول مسلسل بعينه قد تكون مدفوعة الأجر، أو مقابل هدايا ومزايا عديدة، يتم تقديمها لصحافي أو مجموعة صحافيين، من جانب بطل العمل أو الشركة المنتجة نظير الترويج.

وأوضح لـ”العرب”، شريطة عدم الإفصاح عن هويته، أن غياب استطلاعات الرأي الموثوق فيها سهل مهمة الإعلام في التلاعب بالجمهور حول تقييم الأعمال الدرامية، ولأن المسلسلات كثيرة ويصعب الحكم عليها لجأ الناس للصحف والقنوات لمعرفة التوجه العام تجاه كل عمل، ومن هنا يأتي التلاعب دون ضوابط.

ولفت إلى أن صناعة “الترند” تكون غالبا بالاتفاق مع مجموعة لجان إلكترونية تابعة بشكل أو بآخر للجهة المنتجة للمسلسل أو لجان خاصة بالبطل تعمل لحسابه، ويكون ذلك بالتشارك مع عاملين في الوسط الإعلامي يسهلون مهمة نشر أخبار “الترند”.

Thumbnail

وتحول “الترند” من مجرد انعكاس لحراك جماهيري واسع تجاه فعل أو قضية أو مشهد بعينه، إلى صناعة صحافية بغرض استثماري.

كما أن مشكلة النقد الإعلامي للفن أنه صار مرهونا بالعاطفة أو المصلحة، فمثلا، إذا طلب صحافي من بطل مسلسل إجراء حوار ورفض الأخير قد يلجأ البعض إلى فتح النار عليه وابتزازه واستهداف العمل وتشويه صورته والإيحاء بأنه الأسوأ في السباق، أما المصلحة فتكون بين الشركة المنتجة والمؤسسة الإعلامية نفسها.

ومن بين المشكلات الأزلية في الإعلام المصري تشابك المصالح بين الدعاية والإعلان والدراما والعمل الصحافي، فالشركة التي تمتلك أغلب المؤسسات الصحافية والقنوات (المتحدة للخدمات الإعلامية) هي نفسها التي تحتكر النسبة الأكبر من الإنتاج الدرامي والسينمائي في مصر.

ومن الطبيعي أن تروج الصحف والمواقع التابعة للشركة المالكة لأي مسلسل أنتجته مهما بلغت سلبياته ولو وصلت علاقة الجمهور معه حد القطيعة لأنه دون المستوى، وفي أحيان كثيرة قد يكون العمل الدرامي خارج السباق تماما وتتحدث بعض هذه المؤسسات عنه بأنه المتصدر.

وهناك شعور متزايد لدى البعض بمحاولات تشويه صورة مسلسلات بعينها حققت شعبية، ويتم بثها على فضائيات خاصة على حساب أخرى، ما يتسبب في تراجع مصداقية الجمهور حول ما تنشره المنابر الإعلامية بشأن الدراما.

ويرى خبراء أن بلوغ السيطرة على الإعلام حد التحكم في مزاج الجمهور، يمهد الطريق لفقدانه ما تبقى من ثقة فيه عند الناس، لأن تكرار الخديعة التي يتعرض لها المشاهدون بشكل يومي لن تختفي تبعاتها بسهولة، وسوف تترك أثرا سلبيا تحتاج إلى وقت وجهد لعلاجه مستقبلا.

وأكدت ليلى عبدالمجيد أن ظاهرة الترندات التي يسوق لها الإعلام تعكس استمرار تعامله مع منصات التواصل باعتبارها المصدر الرئيسي للمعلومة، وهذا خطأ فادح يمهد لتراجع مستوى المهنية والمصداقية والدخول في مرحلة خطرة يصعب ترميمها، لأنه يمكن بسهولة أن تصبح اللجان الإلكترونية المأجورة هي المحرك للأحداث.

18