"ترنيمة مريم" حكاية امرأة استغلها الجميع

الثلاثاء 2017/04/11
مزج الواقع والرمز لكشف المستور

تونس - بمزيج من الواقعية والرمزية، يقتحم الروائي التونسي توفيق العلوي في عمله الجديد "ترنيمة مريم" أسوارا شائكة ويعري بجرأة واقعنا الاجتماعي والسياسي.

والرواية الصادرة عن دار زينب للنشر في 248 صفحة مقسمة إلى 30 فصلا يحمل كل منها عنوان أغنية تونسية أو عربية مشهورة هي الثانية للكاتب التونسي بعد “تعويذة العيفة”.

في روايته الجديدة منح الكاتب شخوص روايته وأماكنها دلالات رمزية وأجواء إيحائية فلم يكن أي من شخصياتها الرئيسية أو أحداثها المحورية خاليا من دلالة تدفع القارئ إلى اكتشاف ما بين السطور. وهو الأسلوب نفسه الذي انتهجه في روايته الأولى تقريبا؛ حيث منذ الاسم مريم يشرع القارئ في التخمين مقارنا بين مريم المعاصرة ومريم العذراء. وكأن مريم تمثل الطهر الذي ينتهكه الآخر.

"ترنيمة مريم" في ظاهرها تبدو بسيطة. رواية تسرد رحلة معاناة مريم التي حملت بجنين عقب اعتداء جنسي، لكنها تحمل دلالات عميقة تعري الجهل والفقر والانتهازية والوصولية التي نهشت تونس في فترة بين خريف 1987 وربيع 1989 بالتزامن مع إزاحة الرئيس الحبيب بورقيبة عن الحكم.

مريم بطلة الرواية عاملة نظافة في إحدى السفارات، وفي ليلة ظلماء وقفت فيها عاجزة أمام صدمتها وهشاشتها تعرضت لاعتداء جنسي من “سعادته”، هذا الشخص المرموق الذي يظل مجهولا، لكننا ندرك مباشرة أنه سفير أو قنصل او مسؤول بالسفارة.

يصف العلوي حالتها “باهتة في ما يجري، صدمة والحال ظلمة، دهشة يسعى سعادته لرفعها ودبلوماسية الجسد تنتهك أرضا بورا”.

استسلام مريم لمغتصبها يرمز إلى حالة الهوان والخنوع التي عاشتها البلاد في تلك الفترة. ويمكن القول إن جسد المرأة المستلبة الحقوق إشارة إلى بلدان العالم الثالث التي تكافح للخلاص من قبضة القوى العظمى التي تستنزف خيراتها وتنهش ثرواتها وسط لا مبالاة أهلها. تحمل مريم ثمرة خطيئة فرضت عليها كرها، ثم أخذت تداري هذه الثمرة، محاولة أن تجد حلا لكنها تجد نفسها دوما مغلوبة على أمرها، لقمة سائغة للانتهازيين متحيني الفرص.

لجأت إلى الوقور، وهو أحد شيوخ الحي، لكنه استغل ثقتها وجهلها وضعفها النفسي ليعاشرها إذ “لا بد من رجل مسلم يرفع النجاسة ويكتم السر”. ولم تكن رحلة مريم بحثا عن مخرج لمصيبتها أفضل حالا عندما لجأت إلى المحامي لينتشلها من محنتها. لكنه نهش بدوره من لحمها وتركها.

اعتمد الكاتب في الرواية لغة شعرية تكاد تحيلها إلى “ترنيمة” مشبعة بألحان حزينة تتناغم مع تفاصيل حياة البطلة وصراعاتها النفسية وتتماهى مع معاناتها كأنما ترثيها أو تواسيها.

تحاول خالة مريم مساعدتها بالتخلص من الرضيعة بعد ولادتها برميها في الوادي لكنها لم تستطع فعل ذلك، فتتركها أمام مسجد ليجدها المصلون ويقررون إيجاد من يتبناها.

تحكي الرواية عن التحولات الكبرى في تلك الفترة من خلال تحكم قادة الحزب في مصائر الناس. ويبرز ذلك بين سطور حكاية جمال شقيق مريم الذي تقاذفته الحياة، قبل أن ترميه في أحضان الحزب الحاكم.

14