ترويكا متطرفة لإحياء داعش في اليمن

الكيانات المؤدلجة الثلاثة تسعى إلى توحيد الجهود والتنسيق لاقتسام النفوذ في اليمن دون الوقوع في فخّ تضارب المصالح وتعارضها.
الأربعاء 2020/07/29
ثلاثي الإرهاب المتربص باليمن

القاهرة – طرأت بوادر تحول في علاقات تنظيمي القاعدة وداعش بالمجتمع المحلي اليمني، على إثر تناثر معلومات عززتها دعايات الإعلام التابع لداعش بشأن اتجاه القاعدة في شبه جزيرة العرب إلى صياغة تحالف مع المتمردين الحوثيين، بغرض تعويض خسائره وتخفيف حدة الضغوط والتحديات التي تحيط به.

وفي سياق التنافس مع تنظيم داعش حاول تنظيم القاعدة رفع أسهمه من خلال كسب الحاضنة الشعبية وتأييد عدد من القبائل اليمنية السنية له، معتمدًا على الترويج لخطاب يبدو أقل تشددًا ولا يتمسك بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، وتمتين العلاقات الاجتماعية لمقاتليه وقادته عبر مصاهرة بعض القبائل للتغلغل داخل النسيج اليمني.

وسعى داعش أخيرا لإنهاء معاناته المتعلقة بالعزلة المجتمعية في اليمن وعدم تقبل الواقع المحلي له كظهير عقائدي للقبائل السنية هناك، وبث دعاية مكثفة ضد غريمه تنظيم القاعدة تتهمه بالتعاون مع الحوثيين.

وعلل داعش تقاربه في مرحلة معينة من القاعدة بسعيه لخلق جبهة سنية مقاتلة في مواجهة العدوان الحوثي ضد أهل السنة بداية من العام 2017، وهو المسار الذي انقلبت عليه القاعدة وفق حسابات قادة داعش على التليغرام، حيث تحالف قادة القاعدة مع الحوثيين ميليشيات إيران الشيعية ضد أهل السنة.

وأراد داعش اللعب بنفس ورقة القاعدة القديمة عندما روّج تنظيم القاعدة لنفسه بوصفه التنظيم الجهادي السني المفضل لدى اليمنيين، من خلال تلويث سمعة داعش، مستغلًا وحشيته المفرطة ومنتقدًا التفجيرات العشوائية التي نفّذها من استهداف للمساجد والمستشفيات والأسواق والأماكن المزدحمة، وعدم مساهمته في تنمية المجتمع المحلي، ما جعل تحالف القاعدة مع الحوثيين فرصة لقلب الطاولة وسحب الشعبية التي بناها على حسابه.

ويحرص داعش على تعويض نزيف شعبيته داخل المجتمع اليمني الذي نظر إليه في السابق كتنظيم دموي يمتنع عن الجهاد ضد الحوثيين ويوجه سلاحه ضد المدنيين الأبرياء، وينشغل أعضاؤه بتصوير المواد الفيلمية بدلًا من التقدم للقتال والدفاع عن أهل السنة في مواجهة العدوان الحوثي.

وتهدف محاولة داعش إقناع القبائل بسحب تأييدهم للقاعدة بزعم تحالف الأخير مع جماعة أنصارالله الحوثية إلى غسل سمعة التنظيم ومحو ماضي جرائمه في حق المدنيين وإعادة رسم خارطة التحالفات على الأرض.

وبعد تصدر القاعدة مشهد الجهاد السني مدعومًا بتعاون داعشي تحت مبرر مواجهة التحديات المشتركة، صار داعش عبر دعايته ومواقفه المعلنة الأخيرة في طرف مقابل للحوثيين والقاعدة معًا، ملصقًا جرائم وانتهاكات الحوثيين في حق المدنيين والأطفال والنساء به والذي يتهمه بخيانة العقيدة والانحياز إلى صف المشركين، والتحالف مع من ارتكبوا أبشع الجرائم في حق أهل السنة باليمن.

وركّز داعش في دعايته على إثبات شيوع البراغماتية بفروع القاعدة والتحاق الفرع اليمني ببقية فروع القاعدة التي تتلاعب بمصالح الدول والمجتمعات المسلمة وتتحالف مع الأعداء في سبيل السلطة والحكم، رابطًا تحالف القاعدة مع الحوثيين بالسياسة العامة لأفرع تنظيم القاعدة من أفغانستان إلى سوريا، وتتلخّص في تقديم المصالح السياسية على الثوابت العقدية والشرعية والتلاعب بالمجتمع المحلي والإمعان في خوض تحالفات مع الأعداء.

وشهدت السنوات الماضية انخفاضًا في منسوب علاقات القاعدة بالقبائل اليمنية على وقع تأثيرات الضربات الجوية التي نفذتها واشنطن ضد قادة التنظيم وعرضت بدورها القبائل للخطر، وهو ما دفع قياداتهم المحلية إلى إعادة النظر في دعم القاعدة مقابل تشكيل قوات أمنية خاصة، وهو الإجراء الذي أثبت عمليًا انهيار شعبية القاعدة لدى القبائل وإمكانية استغنائها عن خدماته الأمنية، وعزوف شباب القبائل عن الانضمام له.

بناء حلف بين الحوثيين والقاعدة والإخوان يكشف تبادل الأدوار وأبعاد الأحداث التي شهدها اليمن

وظهرت دلالات عديدة على تقارب بين القاعدة وميليشيات أنصار الله، منها حرص قادة الحوثيين على تحسين ظروف الاعتقال الخاصة بسجناء تنظيم القاعدة داخل المعتقلات الخاضعة لسيطرتهم، وهي الخطوة التي لم تتضح دوافعها إلا بعد تولي خالد باطرفي قيادة القاعدة في اليمن وتنامي التعاون العسكري واللوجستي بين التنظيمين، وفي إطار أنشطة تهريب الآثار والأدوية والمواد المخدرة وغيرها والتي انتعشت في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وفي تلك التي تتواجد فيها القاعدة.

فرع القاعدة في اليمن ليس بعيدًا عن خطوة التحالف مع جماعة أنصارالله، في ظل وجود دلائل قوية على حدوث أمر جلل داخل التنظيم أدى لانشقاقات واسعة داخله، فضلًا عن تنفيذ إعدامات بحق العديد من القادة تحت مزاعم اتهامهم بالجاسوسية في وقت أبدت الغالبية من داخل صفوف الجهاديين أو من المراقبين تشككها في مصداقية تلك الاتهامات.

وعكس تصاعد الانقسامات ولصق تهم الخيانة والتجسس بقادة من الصعب تصديق ارتباطهم بالمخابرات الأميركية وجود متغير قويّ في استراتيجية التنظيم وجوهر تحالفاته طرأ مع تولي خالد باطرفي قيادة القاعدة في شبه جزيرة العرب، ما أدى إلى شعور الكثير من مقاتلي وقادة الفرع بالخزي ما دفعهم لإعلان سحبهم تأييدهم لقيادة التنظيم الحالية، ومن هؤلاء من نجا من المقصلة والتحق بداعش، ومنهم من أُعدم تحت العنوان السائد حاليًا وهو “الخيانة والتخابر مع العدو”.

وربط خبراء تحول تنظيم القاعدة إلى التحالف والتعاون مع الحوثيين بتولي خالد باطرفي قيادة التنظيم عائد لعلاقة الأخير الوثيقة بقيادات في حزب الإصلاح الإخواني لعبت دورًا مؤثرًا في وصول باطرفي لقيادة القاعدة ما عكس إرادة مشتركة لخلق حالة مخطط لها مسبقًا تجمع بين الكيانات المؤدلجة الثلاثة “القاعدة وإخوان اليمن والحوثيون”، بهدف توحيد الجهود والتنسيق لاقتسام النفوذ في اليمن دون الوقوع في فخّ تضارب المصالح وتعارضها.

ويكشف بناء حلف يجمع بين الحوثيين وتنظيم القاعدة وجماعة الإخوان أبعاد الكثير من الأحداث والتداخلات التي شهدها اليمن على مدى سنوات من الصراع الساخن والمعارك المسلحة وتبادل الأدوار، فهو يفسر مغزى سقوط عديد من المناطق الاستراتيجية التي كانت تحت سيطرة الإخوان والقاعدة دون مواجهات عسكرية بيد الحوثيين، ويثير شكوك بشأن الهزائم التي جرّها الإخوان والقاعدة على اليمن كلما خاضوا موقعة ضد الحوثيين.

ويؤكد التحالف الجديد زيف دعاية تنظيم القاعدة الذي زعم الدخول في تكتل سني ضد الخطر الحوثي والنفوذ الإيراني، بينما يكشف إعلام داعش أن هجمات القاعدة ضده لا تقارن في القوة والتأثير بهجماته النادرة وعديمة الأثر، والتي يتوخى فيها الحرص أن تكون ضد أهداف هامشية حوثية.

7