"ترويكا" من التشكيليين التونسيين يلتقون على حب الحياة

الأربعاء 2013/12/18
المعرض يقدم ألوانا قلقة لكنها متحفزة

تونس – بفضاء بئر الأحجار بالعاصمة التونسية أقيم مؤخرا معرض تشكيلي بعنوان “لقاء”، شارك فيه كلّ من الفنانين التشكيليين التونسيين آمال بن صالح زعيم ومنير بن موسى ورجب زرمديني.

"العرب" زارت المعرض واطلعت على أجوائه ورصدت أهمّ مشاغل الفنانين المشاركين فيه، في ظل ما تعيشه تونس من أجواء “ساخنة” سياسيا و”خطرة” أمنيا، وركودا على مستوى الساحة الثقافية.

“لقاء” عرض 13 عملا فنيا إبداعيا للفنانين آمال زعيم ومنير بن موسى ورجب زرمديني. هذه الأعمال لئن اختلفت من حيث الحجم والتقنيات المستعملة، إلا أنها تصبّ في خانة التعبير عن مشاغل الإنسان وهمومه، هذا إضافة إلى حضور التراث التونسي والمجسم خصوصا في لوحات منير بن موسى، وعبقرية الجمال الكامن في رحم القبح عند رجب زرمديني.

في مرات عديدة صرحت التشكيلية آمال زعيم، بأن البلاد ستشهد ثورة حقيقية، وكانت قد تنبّأت بذلك قبل أن يُقدم محمد البوعزيزي على إحراق نفسه (يوم 17 ديسمبر 2010)، ويطلق الشرارة الأولى لثورة 14 يناير.

وقد ترجمت شعورها في عدّة أعمال نقلت الحالة التي تعيشها البلاد في أواخر أيام النظام السابق.

في هذا المعرض تتراوح أعمال زعيّم بين اللوحات المحترقة مثل “الآخر وأنا” وتلك التي تحاكي القضايا الراهنة في عملها “الفصول الأربعة”، والمعبّرة عن الحرية والانطلاق في عملها “مشهد بحري”.

هذه الأعمال تقول عنها زعيّم: “لقد حاولت أن أنقل ما يدور في ذهني، معبّرة عن الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد في كافة المجالات”.

وعن لوحتي “الأرض” و”أورانوس"، تقول زعيّم: “لوحة الأرض هي رمز للبذل والعطاء، وكذلك تعبير عن الأصل والهوية المتجذّرة فينا كتونسيين نفتخر بأننا أحفاد عليسة وحنبعل، أما لوحة أورانوس، فهي استحضار لذلك الكوكب الضخم، والذي سمي على اسم الإله أورانوس، وهي تصوّر الفضاء بامتداده وغموضه”.

آمال زعيم أكدت لنا أن الفنان التشكيلي التونسي يعيش اليوم أزمة حقيقية، نظرا لقلة الإمكانيات المادية، وعدم توفير الدعم من الجهات المسؤولة، زد على ذلك عزوف المواطن عن اقتناء اللوحات، وهو ما يمثّل حاجزا كبيرا أمام الخلق والإبداع.


روائح تونسية


منير بن موسى، الذي درس الفن التشكيلي في فرنسا وأقام العديد من المعارض التشكيلية في تونس وخارجها منذ سنة 1974، شارك في المعرض بلوحتين، تبرزان بعضا من جوانب الحياة الفنية من حيث العلاقة بالآخر، من خلال تقديم أشخاص تراوح في وجودها بين الحقيقي والتجريدي، فهي مرة تحكي قصة حياة ما في فترة معينة وفي مكان ما، وتارة تتلاشى لتحلّ محلّها أخيلة تبدو للعين وكأنها بعثت من سراب.

مثّل المعرض تحديّا واضحا للحملات التي ما فتئت تطلقها بعض التيارات الدينية المتشدّدة لمحاربة الفنّ والإبداع

اعتمد منير بن موسى في لوحاته على ألوان مائية بين الأحمر والأزرق والأصفر، ومثلت نوعا من القلق والهوس الذي اعترى الفنان في تواصله مع الأرض ومن عليها. والمتأمل في لوحات منير بن موسى، يمكن أن يستشف تأثره الواضح برموز الفن التشكيلي التجريدي وأقطاب الواقعية الجديدة على حدّ سواء، رغم أنه حاول أن ينسج أعمالا ذات روح متفردة تنطلق في عوالم الإنسان وتحكي الحياة اليومية للكائنات البشرية ومدى تفاعلها مع الحاضر والماضي.


من رحم القبح


الفنان التشكيلي رجب زرمديني ساهم في المعرض بأربع لوحات، هي “مقدمة” و"اندفاع" و”اللمة” و”تقطيفة”، وهي أعمال تنحو منحى التجريد وتبتعد عن الواقع، استعمل فيها زرمديني التفكيك من أجل بناء عناصر لوحاته التي تبدو مشوّهة وضبابية، والهدف منها إعطاء البعد الترميزي والخروج من حالة المنطق إلى حالة من الرفض ومن النظام إلى الفوضى. لوحات زرمديني ترسم وجوها وأجسادا تبدو قلقة وواهنة وميّالة إلى التمرّد.

إذن مثل معرض “لقاء” فرصة جديدة، لترجمة الحسّ الإبداعي الكامن في ذات الفنان التونسي الذي يعيش حالة من “الوهن” من ناحية قلة الفرص المتوفرة لاستثمار طاقاته، وعدم استقرار الحياة، بجميع مجالاتها في تونس، وربما مثل هذا المعرض تحديّا واضحا للحملات التي ما فتئت تطلقها بعض التيارات الدينية المتشدّدة لمحاربة الفن والإبداع.

في ظلّ استنفار ملحوظ في الشارع التونسي والخوف البادي على الوجوه من المستقبل الغامض. “اليوم نفتح أملا جديدا وأفقا أوسع، اليوم نطلق لخيالنا العنان متحدّين جميع الظروف القاهرة والصعبة، سلاحنا الفنّ ولغتنا الحرية والكرامة”، بهذه الكلمات ختمت بها التشكيلية آمال زعيّم حديثها، مضيفة: “نحن لا نخاف الإرهاب، وسنظل نقاومه بالكلمة وبالفن وبكل مجالات الإبداع، لن نرهب من الواقع، فغدا سيكون أفضل”.

16