ترياق النفوس الموجوعة

الأحد 2016/03/06

الكتابة عمل متفرد يكشف عن الخصائص العقلية والنفسية للكتّاب، وتعد الرواية النوع الأدبي المحبوب والأكثر جاذبية وقدرة على التجديد والتنوع اللامحدود في رصدها لأحوال المجتمعات وملاحقتها المعارف الحديثة وتأطيرها للنزعات البشرية المتنوعة واستفادتها من الحكاية والموروث الأسطوري والتطورات العلمية المتواترة. ولغنى العمل الروائي وتنوع مضامينه يمكن لبعض الروايات أن تكون علاجاً في حالاتٍ خاصة ومن بينها الاضطرابات الذهانيّة كحالة (الذهان الهوسي – الاكتئابيّ) تلك الحالة الشائعة التي تدمر حياة الأفراد وبخاصة أولئك الذين يتوفّرون على قدر عالٍ من الذّكاء والألمعيّة وتتسبّب حالتهم المرضية في إعاقة قدراتهم على نحو خطير.

هناك حالات موثّقة حكى فيها بعض كتّاب الرواية عن تجاربهم الشخصية وكيف ساهم انغماسهم في كتابة العمل الروائيّ على تخطّي الأطوار الصعبة من اضطراباتهم الذّهانيّة المدمّرة التي عجز عقار (بروزاك) عن علاجها وهو العقار الذي أصبح سمة بارزة لثقافة العصر حدّ إطلاق اسم (ثقافة البروزاك) على الثقافة الغربية.

ذهب بعض الأطبّاء السايكولوجيّين إلى إمكانيّة اعتماد الكتابة الروائيّة كوصفةٍ علاجيّة – في حالات محدّدة بعينها-، وربّما يكمن السبب وراء قدرة الكتابة الروائيّة على اجتراح علاج لبعض الاضطرابات الذهانيّة في الطقوس الملازمة لعملية الكتابة والانضباط والصرامة ومتعة التخييل التي يتطلبها كلّ جهد روائيّ.

وقد تؤدي كتابة الرواية إلى كبح التشويش الخارجيّ والضوضاء الصاخبة السائدة في مجتمعاتنا وتدفع الأشخاص نحو التركيز البالغ على سماع أصواتهم الداخليّة الثريّة المدفونة تحت غبار الإهمال و التجاهل، ويساعد هذا الأمر في أحيان كثيرة على تنشيط النواقل العصبيّة الدماغيّة (مثل السيروتونين والدوبامين) التي تتحكّم في الكيمياء الدماغيّة المكيّفة للمزاج البشريّ وتقلّباته وتدفع به نحو آفاق النشوة والإحساس الغامر بالسعادة غير المرتبطة بمؤثّرات فيزيائيّة خارجيّة، وقد تتماهى تجربة الكتابة الرّوائيّة في هذا الإطار مع الكشوف العرفانيّة والفيوض التصوّفية المقترنة بها والتي تحدث عنها عرفانيّونا الأكابر والمعتزلة الأجلّاء، وربّما يدعم هذا الرأي كون أغلب الكُتّاب – وبخاصّة الروائيّات والروائيّين – المُجيدين والمميّزين ذوي تجارب مفارقة للوعي البشريّ العاديّ وأقرب إلى استجلاب البصيرة بطرقٍ غير مألوفة، ويمكن تعداد الكثير من الأسماء الروائيّة في هذا الميدان: هيرمان هسّه، دوريس ليسنغ، نيكوس كازانتزاكيس، ولم يغفل هؤلاء عن توثيق تجاربهم الكاشفة القريبة من الفيوض العرفانيّة في بعض الحالات.

وقد أسهمت الكشوفات السايكولوجية الحديثة في تثوير المشروع الروائيّ وتعزيزه وأعادت تشكيل مفاهيم العقل، والحتميّة، والإرادة الحرّة، والدوافع والحاجات، وربّما تكون السايكولوجيا الماسلويّة (نسبة إلى عالم النفس المعروف أبراهام ماسلو) هي الإنجاز الأكثر أهميّة وسطوة في الميدان السايكولوجي في القرن الماضي -نظرا لتأثير السايكولوجيا في الرواية الحديثة- بعد أن جاء ماسلو بمفهوم التدرّجية الهرميّة للحاجات الإنسانيّة.

كما كشفت السايكولوجيا الحديثة عمّا يسمى بالطبيعة الروبوتيّة الشبيهة -بوضعيّة الطيّار الآلي- والتي يعيش معظم البشر حيواتهم تحت سطوتها وهم يعانون من أقصى درجات الضجر واللامبالاة وكأنهم روبوتات مبرمجة لأداء أفعال مكررة. ومن الطبيعيّ أن تكون مفردات كالحاجات الإنسانيّة المتدرجة والضجر واللامبالاة موضوعات دسمة أمام الرّوائيّ المنشغل بالحياة ومعضلاتها السائدة.

كاتبة من العراق

11