تريد أن تعرف مستقبل الضم.. أنظر إلى ما حدث في القدس

قانون أملاك الغائبين حيلة إسرائيل للاستيلاء على أراض في الضفة الغربية.
السبت 2020/07/11
معركة استرجاع الحق مستمرة

في خضم التساؤلات عن مصير الضفة الغربية في حال تنفيذ إسرائيل تهديداتها بضم منطقة غور الأردن وجميع المستوطنات بالضفة الغربية المحتلة إلى سيادتها، يتوقع محللون انتهاج السلطات الإسرائيلية سياسة التمييز والالتجاء إلى الانتهاكات القانونية باعتماد قانون أملاك الغائبين الذي فرضته على سكان القدس، للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بالضفة وطردهم واستبدالهم بمستوطنين.

القدس - من الصعب التنبؤ بما سيحدث بالضبط في الضفة الغربية إذا نفذت إسرائيل خططها لضم أجزاء من الأراضي المحتلة، وفيما يتسم الغموض المشهد، توفر القدس الشرقية، التي تم ضمها قبل أكثر من نصف قرن، بعض الإجابات وتوضح بعض السيناريوهات المرتقبة.

وفيما يرسم القادة الإسرائيليون القدس كنموذج للتعايش، والعاصمة “الموحدة الأبدية” للشعب اليهودي، حيث تتمتع الأقليات بحقوق متساوية، يواجه الفلسطينيون تمييزًا واسع النطاق، ولا يحصل معظمهم على الجنسية ويعيش الكثير منهم في خوف من إجبارهم على المغادرة، وقد تكون ظروف عيش الفلسطينيين في القدس تمهيدا لما سينتظر سكان الضفة في حال وقع الضم، كما توقع ذلك الكاتب جوزيف كراوس ضمن تقريره في صحيفة “لوس أنجلس تايمز”.

وتعتزم إسرائيل ضم منطقة غور الأردن وجميع المستوطنات بالضفة الغربية المحتلة إلى سيادتها، وهو ما يعادل نحو 30 في المئة من مساحة الضفة.

وكان من المقرر أن تشرع إسرائيل في عملية الضم في الأول من يوليو الجاري، لكنها أجلت تنفيذ المخطط، دون أن تعلن عن موعد جديد، بسبب عدم الاتفاق مع الإدارة الأميركية، ولوجود خلافات داخل الحكومة.

انتهاكات قانونية

الفلسطينيون يحذرون من أنه إذا بنت إسرائيل مستوطنات في مستوطنة معالي أدوميم والقدس ستقسم الضفة الغربية إلى شطرين

تشير جماعات حقوقية إلى أن الفلسطينيين في القدس الشرقية يتمتعون في بعض الجوانب بحماية قانونية أقل من تلك الموجودة في الضفة الغربية، حيث يمكن استئناف القوانين الدولية التي تحكم معاملة المدنيين في الأراضي المحتلة.

وتسلط الجماعات الحقوقية الضوء على قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي لعام 1950، الذي يسمح للدولة بالسيطرة على أي ممتلكات يعيش مالكها في “دولة معادية”، والذي استخدم لمصادرة أراضي ومنازل مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فروا أو أجبروا على الفرار خلال الحرب المحيطة بخلق إسرائيل عام 1948.

وتلاحظ الجماعات الحقوقية أنه في العقود الأخيرة، انتهكت السلطات القانون للاستيلاء على منازل في مناطق حساسة من القدس، وطردت السكان الفلسطينيين ومهدت الطريق أمام المستوطنين ليحلوا محلهم.

وعائلة سومارين مثال على ذلك، حيث دخلت العائلة في معركة قانونية استمرت 30 عامًا لإثبات ملكية منزلها في سلوان، وهو حي في القدس الشرقية الذي يشتهيه المستوطنون اليهود بسبب قربه من الأماكن المقدسة.

وعندما توفي المالك الأصلي في الثمانينات، اعتُبر أن المالك غائب لأن أبناءه الأربعة يعيشون في الأردن. ثم اشترى الفرع الإسرائيلي للصندوق القومي اليهودي العقار من الدولة في عام 1991. وفي الأسبوع الماضي، أمرت المحكمة الأسرة بإخلاء العقار بحلول منتصف أغسطس ودفع حوالي 6 آلاف دولار من رسوم المحكمة.

ويقول أفراد الأسرة إن المالك الأصلي تركها لابن أخيه، الذي ولد وترعرع هناك. وتؤكد الأسرة الممتدة التي تعيش في المنزل، والتي تضم الآن 15 رجلاً وامرأة وطفلا، إنها ستستأنف على حكم المحكمة.

وتقول أمل سومارين، زوجة ابن العم “من هو الغائب؟ نحن نعيش هنا بالفعل. عشت هنا لمدة 40 عامًا. أين ستذهب العائلات مع أطفالها؟ كل منزل في بني سلوان مهدد”.

وتخشى الجماعات الحقوقية أنه في حالة الضم، ستستخدم إسرائيل نفس القانون لطرد الفلسطينيين من أراضيهم الخاصة في الضفة الغربية.

وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بضم جميع المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن الاستراتيجي بما يتماشى مع خطة الرئيس دونالد ترامب للشرق الأوسط، والتي تأتي بشكل واضح لصالح إسرائيل على حساب الفلسطينيين.

ولم يتضح بعد متى سيفي نتنياهو -أو هل سيفي- بتعهده، لكنه أوضح أنه يريد ضم أراضي الناس، وترك المدن والبلدات والقرى تحت حكم مستقل فلسطيني محدود. ومن المحتمل أن تصبح عشرات الآلاف من الأفدنة من الأراضي المملوكة للقطاع الخاص جزءًا من إسرائيل، مما قد يترك أصحابها “غائبين” في جيوب خارج حدودها الجديدة.

وقال هاجيت عوفران الخبير في سياسة الاستيطان في منظمة “السلام الآن”، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية معارضة للمستوطنات، “لن نرى شيئًا في اليوم الأول من الضم، ولن تكون هناك ضجة مصاحبة لذلك. لكن من المحتمل أن إسرائيل لن تمنع فقط أصحاب الأراضي من الوصول إليها، وإنما أيضا ستستولي عليها”.

ومن غير المحتمل أن يُمنح الفلسطينيون في المناطق المضمومة الجنسية، بسبب اهتمام إسرائيل بالحفاظ على أغلبيتها اليهودية، كما أن الكثيرين يرفضونها حتى لا يضفوا الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن يحصلوا على الإقامة الدائمة التي يمتلكها معظم الفلسطينيين في القدس الشرقية.

هذا الشكل من الإقامة يمنح الفلسطينيين حق الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، وحرية التنقل في إسرائيل، والحق في التصويت في الانتخابات المحلية، ولكن ليس الانتخابات الوطنية. ويمكن إلغاؤها إذا كان الفلسطينيون يقيمون خارج المدينة، كما يميل الكثيرون إلى ذلك بسبب صعوبة بناء أو توسيع المنازل في القدس الشرقية.

وقد وجدت منظمة “السلام الآن” أدلة على التمييز في السكن وتقول إن حوالي نصف الوحدات السكنية الفلسطينية في القدس الشرقية تم بناؤها دون الحصول على تصاريح بسبب صعوبة الحصول عليها، مما يعرضها لخطر الهدم من قبل السلطات الإسرائيلية.

سياسة تمييز

المنظمات الحقوقية تخشى أنه في حالة الضم، ستلتجئ إسرائيل مرة أخرى إلى قانون أملاك الغائبين، لطرد الفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية
المنظمات الحقوقية تخشى أنه في حالة الضم، ستلتجئ إسرائيل مرة أخرى إلى قانون أملاك الغائبين، لطرد الفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية

ويظهر الظلم وعدم المساواة في حي سلوان، وهو حي فلسطيني مزدحم ومتدهور يمتد إلى واد خارج أسوار المدينة القديمة. هذا الحي قريب من الموقع الديني المتنازع عليه على قمة التل والمعروف لدى المسلمين باسم “الحرم النبيل” ولدى اليهود باسم “جبل الهيكل”، ما جعله نقطة تركيز بالنسبة لمنظمات المستوطنين الأقوياء الذين أمضوا عقودًا في امتلاك عقارات هناك.

ينظر الفلسطينيون إلى بيع الممتلكات لمثل هذه الجماعات على أنه خيانة لقضيتهم الوطنية، لذلك تتم المعاملات في الكثير من الأحيان سرا من خلال الوسطاء الفلسطينيين، مما يؤدي إلى إقامة نزاعات قانونية مطولة وفي بعض الحالات الاستيلاء المادي على المنازل -أو أجزاء من منازل- من قبل المستوطنين الذين يزعمون أنهم اشتروها.

على سبيل المثال، ينقسم الفناء الخلفي لمنزل جواد صيام إلى جدار خام من الفولاذ المموج. من ناحية أخرى، تعيش مجموعة من المستوطنين في بناية تعود إلى عائلته لعقود. وكان المستوطنون قد استحوذوا على العقار العام الماضي بعد معركة قانونية معقدة استمرت 25 سنة وفازوا فيها بشكل جزئي من خلال التذرع بقانون أملاك الغائبين.

وأوضح صيام أنهم يتشاجرون مع بعضهم البعض من شرفات منازلهم. وعندما أقام المستوطنون حفلة في الآونة الأخيرة، رد صيام على الموسيقى الصاخبة بسحب مكبرات الصوت إلى الخارج وتشغيل موسيقى عربية صاخبة.

وقال صيام “إنه ليس مستوطنا يأتي ليكون جارك، إنه يأتي ليأخذ البيت التالي والبيت التالي. هؤلاء الجيران يأتون لطردك”.

وسبق أن حذر الفلسطينيون ومنظمات غير حكومية من أنه إذا بنت إسرائيل مستوطنات في مستوطنة معالي أدوميم والقدس ستقسم الضفة الغربية إلى شطرين وسيحول ذلك دون قيام دولة فلسطينية أراضيها متصلة.

وحسب رأي دانيال لوريا، المدير التنفيذي لشركة “اتيريت كوهانيم”، إحدى منظمات المستوطنين التي تعمل في سلوان، لدى اليهود الحق في العيش هناك كما هو الحال في تل أبيب. بالنسبة له وللمستوطنين الذين يحملون نفس الأيديولوجيا، القدس هي عاصمة الوطن التوراتي الموعود لليهود، والمستوطنون هم ورثة “الرواد” الذين أنشأوا إسرائيل في المقام الأول.

وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية، والتي كانت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ عقود، يبدو الضم إجراءً شكلياً فيما تبقى معاناة الاحتلال مستمرة.

ويختم صيام بالقول “يعتقد الناس أن ذلك لن يغيّر من الأمر شيئا لأنهم يتحدثون عن الصورة الكبيرة. ولكن إذا تحدثت عن الصورة الصغيرة والتفاصيل، فسيتغيّر الأمر كثيراً”.

6