ترييف العواصم العربية

إهمال العواصم وحشوها بموظفين، هم بطانة السلطة وتوابعها وإفشاء البطالة المقنعة فيها، وقبول توافد الملايين إليها دون معايير السكن النموذجي وحمايتها بتشريعات قانونية تكفل كفاءة عيشها وانسياب شوارعها ونوعية أحياءها وضمان الوصول إليها والخروج منها بيسر، عناوين ليست هينة التحقق من دون شك.
السبت 2019/04/27
هناك زحفا ريفيا على العواصم والمدن الرئيسة بمسوغ طلب لقمة العيش

تحتل العواصم في العالم مكانة استثنائية بين المدن الأخرى، فقد أنتجت الحضارة المدنية شتى أنواع المدن التي مثلت مقرا للحكومة ومركزا للدولة، وفق معايير شتى أهمها قيمتها التاريخية والسياسية، إضافة إلى مكانتها الروحية والاقتصادية في ضمير الشعب الذي يقاتل دونها، فالعاصمة ليست مركزا سياسيا فحسب، بل هي مكانة روحية وحضارية ورمز يتوحد حوله المجتمع، وتباهي غيرها بمواصفاتها وإمكاناتها وإرثها الذي يجعلها عروس المدن الأخرى في الدولة الواحدة، وإشعاعا حضريا تتمركز حوله إمكانات الدولة وتاريخها وحواضرها. 

لا بد أن يراعى وضع العاصمة من قبل رجال الدولة ونسائها جميعا، كي يرفع لها القدح المعلى في استيعاب الفعاليات والأنشطة المختلفة وأهمها الإدارة المدنية التي تراعي قيمة مشروع العاصمة ومنجزها وجمالياتها وتحضرها، وتقدم مدنيتها على الأخريات من قريناتها، وللعواصم مهام تتخطى البروتوكول السياسي الاقتصادي المؤسسي، فهي الانموذج الحي المعبر عن روح العصر وثقافة الأمة التي تمثلها، فلا مجاملة مع العاصمة من حيث كفاءة الأداء الوظيفي، وتميزها بقدرة الوصول إلى الإطار الحي في جسد الدولة عمرانا ومدنية.

إهمال العواصم وحشوها بموظفين، هم بطانة السلطة وتوابعها وإفشاء البطالة المقنعة فيها، وقبول توافد الملايين إليها دون معايير السكن النموذجي وحمايتها بتشريعات قانونية تكفل كفاءة عيشها وانسياب شوارعها ونوعية أحياءها وضمان الوصول إليها والخروج منها بيسر، عناوين ليست هينة التحقق من دون شك، ولكن حسن الإدارة وصرامة القوانين يحولا دون تحول ثلث المجتمع للتوافد إليها وتحويل حياتها إلى جحيم وأزمات بفعل عدم قدرة الإدارات السياسية المتعاقبة.

وعدم الاهتمام بالأقاليم ومحافظاتها يجعل الناس يهربون إلى العواصم، كذلك ضرب التصميم الأساس للمدن الرئيسة الأخرى مع تخطي ضوابط السكن وإشاعة العشوائيات بات أمرا واقعا يتيح للتجاوزات عليها وفرص تخريب الحياة الحضارية في العواصم والمدن الكبرى التي تحّول بعضها إلى جحيم للسكن.

والأنكى أن هناك زحفا ريفيا على العواصم والمدن الرئيسة بمسوغ طلب لقمة العيش، التي باتت مبررا للتوافد المليوني إلى المدن نتيجة انهيار الإقطاع العربي، وعدم قدرة الكثير من البلدان على تحويل المهن من الأداء الريفي إلى العمالي لرفد المدن بالمنتجين الجدد.
جعل ذلك العواصم والمدن العربية الرئيسة محاطة بطوق وحزام من الفلاحين الباحثين عن فرص العمل بلا مؤهلات مهنية والقبول بوظائف خدمية داخل المدن وعلى نطاق حوافها، حتى أضحت ظاهرة ترييف المدن، أكبر مهدد لها ولقيمها وللطبقات الوسطى فيها ومشاريعها الإعمارية والإصلاحية وبروز مشكلات بل أزمات مستجدة أفرزت وغيرت قوانين الصراع وأسقطت تراكم الخبرات المهنية نتيجة الكم الذي ألغى الكيف فيها.

24