تريّث يا فتى

النجم الهولندي ماتيس دي ليخت يقدم مستوى متواضعا مع السيدة العجوز رغم الهالة الإعلامية الكبيرة التي رافقت إنتقاله للدوري الإيطالي.
الأحد 2019/11/03
على الصغير الهولندي مراجعة حساباته

إذا كنت مبدعا وموهوبا في مجال معين، حاول أن تختار جيدا مسار حياتك، فكر جيدا ولا تتسرع، فكل الخطوات يجب أن تكون محسوبة، وكل خيار سيكون مؤثرا سواء بالسلب أو بالإيجاب لتحديد نسبة النجاح في مجال موهبته.

لم يخطئ الشاعر التونسي عندما قال “صوّت لنفسك في اللحظة المناسبة”، ونحن نقول “خذ وقتك، اختر لنفسك الطريق الصواب في اللحظة المناسبة”.

فالحياة علمتنا أن الخطوة الأولى هي الأهم، هي التي قد تحدد كل تفاصيل وفصول النجاح والتفوق في المستقبل، فكم من مبدع وموهوب لم يحسن استثمار ما لديه من قدرات فاغترّ وجانب الصواب، ليكون مصيره الغياب والعدم، وكم من فتى موهوب صابر وثابر، وكانت كل خطواته محسوبة، فحصد الثمار الوفيرة.

حديثنا قد ينطبق بشكل كبير على النجم الهولندي الشاب ماتيس دي ليخت، هذا المدافع الذي لم يتخط عمره 20 ربيعا، تحول خلال الصائفة إلى حديث كل المولعين بكرة القدم في أوروبا، حينها أصبح مطمح عدد من الأندية الأوروبية العريقة.

تهافت عليه الجميع والكل يتمنى التوقيع معه، تنافس برشلونة وباريس سان جرمان ويوفنتوس على ضم نجم أياكس أمستردام، ليتقدم فريق “السيدة العجوز” على الجميع، ويكسب الفوز بود الفتى اليافع أملا في أن يساعد في المحافظة على نضارة وشباب العملاق الإيطالي.

أكثر من 75 مليون يورو تم رصدها للتعاقد مع دي ليخت، ليكون بذلك أحد أغلى المدافعين في التاريخ، لكن في “حضرة” الموهبة والتألق المبكر تهون كل الأموال، ما دام هذا الفتى لديه القدرة على تقديم الدعم والمساندة، خاصة وأن كل أرقامه وإنجازاته السابقة مع أياكس تؤكد تفوقه وتألقه اللافت والمدهش.

بدأت المسيرة إذن لهذا اللاعب الطموح، بدأت مع ناد وفي دوري عُرِفت عنه شدة بأس المدافعين، ربما قدّر دي ليخت أن الارتماء في “بركة التماسيح”، وهو الفتى اليافع الموهوب، قد يصقل موهبته أكثر، اعتقد أن مزاملة نجوم كبار لديهم من الخبرة وتجربة السنوات الطويلة قد تطور أداءه وتجعله يتفوق عليهم بسرعة.

لكن لا شيء إلى حد الآن يوحي بأن دي ليخت تفوق على بونوتشي أو نجح في استغلال غياب جيورجيو كيليني المصاب منذ فترة طويلة، كل ما حدث إلى حد اللحظة ربما يثبت أن دي ليخت ما زال أمامه الكثير من الوقت كي يثبت أنه قادر على المصارعة في حلبة النجوم.

ما زال أمام النجم الهولندي الصاعد الكثير من العمل كي يتعلم ويصقل هذه الموهبة، ويكون مؤهلا لأن يكتسب الحنكة والدهاء المطلوبين كي يثبت أنه جدير بأن يكون المدافع الأجنبي الذي يتألق وسط غابة كوكبة مدافعي مدرسة “الكاتيناتشو” الإيطالية.

خلال المباريات الأخيرة شارك دي ليخت أساسيا في أغلب الأحيان، لكنه بدا مرتبكا ومتخوفا، لاح عليه التسرع وعدم الانسجام مع بونوتشي زميله في محور الدفاع.

ارتكب بعض الأخطاء “البدائية” في عدد من المباريات، المواجهة ضد إنتر ميلان أثبتت ذلك، وكذلك المباراة ضد بولونيا، ثم أخيرا ضد ليتش.

كل هذه الهفوات جعلته يخسر مكانه الأساسي في مواجهة جنوة الأخيرة، ومن سوء حظه أن الفريق نجح في تقديم أداء دفاعي جيد وحقق الفوز المنشود. لقد أحسن زميله روجاني تعويضه ولاح أكثر انسجاما مع القائد بونوتشي.

وكل هذه المعطيات ستزيد بلا شك من حجم الضغوط المسلطة على القائد السابق لأياكس، المطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتريث.

ربما من حقه أن يكون واثقا خصوصا وأن لديه من المهارة والموهبة ما يجعله يتألق، ربما من حقه أيضا أن يكون متفائلا بما أنه ما زال صغير السن وأمامه الكثير من الوقت كي يتحسن ويتعلم ويطور مستواه أكثر.

لكن كل هذا الأمر يبقى مرتبطا أساسا بمدى قدرته على استيعاب نصائح مدربه وكذلك زملائه، يجب عليه قبل كل شيء أن ينزع من “قلبه” كل علامات الغرور إن كانت فعلا موجودة.

ينبغي عليه أن يتواضع كثيرا، فالتواضع ربما يكون أساس النجاح وحجر الزاوية في كل تألق، ثم يبدأ في العمل والكد والسعي إلى تطويع موهبته كي يفيد نفسه قبل أن يفيد فريقه.

كل زملائه في الفريق من النجوم “الكبار” مروا على البساط ذاته، فتتلمذوا وتعلموا من النجوم السابقين، قبل أن يصبح لهم شأن اليوم.

فرونالدو الذي انطلق صغيرا نحو مانشستر يونايتد لم يترك الفرصة تمر دون أن يتعلم من المدرب الأسطورة أليكس فيرغسون وبقية زملائه في الفريق خلال تلك الفترة، وبوفون جاء إلى اليوفي ليزامل نجوما كبارا منحوه الدعم والثقة كي يصبح أحد أهم حراس المرمى في العالم.

على دي ليخت أن ينسى كل ماضيه مع أياكس ويبدأ من الصفر، علّه إذا تريث يصبح قادرا على أن يكون مدافعا يستحق كل هذا البهرج.

23