تزامن عيدي الأضحى والعذراء.. تلاحم مصري طارد للكراهية

روح الدعابة سلاح مصري آخر في محاربة التطرف، والمظهر الاحتفالي يسبق البحث في أصوله وأسبابه.
الخميس 2018/08/23
أقباط مصر يختتمون أيام الصوم بالتزامن مع الأضحى

تزامن عيدَي الأضحى والعذراء، يذكّر المصريين، مسيحيين ومسلمين، بقيم العيش المشترك التي يحاول المتشددون والسلفيون محوها في هذه الظروف الحالكة، لكن المجتمع المصري يتصدى لمثل هذه المحاولات ولو بتبادل الطرائف والنكات المتعلقة بهذه المناسبة أو تلك بين الأقباط والمسلمين، ويثبت أن هذه الخصوصية المتأصلة في التاريخ يمكن التعويل عليها في عودة الصفاء والوئام بين شريكي الوطن.

القاهرة - أراد أحد الشباب المصريين، في صفحنه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أن ينبه لدلالة تزامن الاحتفال بعيدي الأضحى للمسلمين وعيد العذراء للمسيحيين عقب صوم السيدة العذراء؛ فالمسلمون ذبحوا الأضاحي احتفالا بعيد الأضحى في 21 أغسطس، بينما أنهى المسيحيون في اليوم التالي 22 أغسطس، صوم السيدة العذراء الممنوع فيه أكل اللحوم، فتخيّل الشاب في منشوره مسلمًا يخبر صديقه المسيحي بأنه أرسل له نصيبه من أضحية العيد إلى بيته ضمن من أرسل إليهم من الأقارب والأصدقاء والجيران، فرد عليه المسيحي مازحًا “إحنا لسه (نحن مازلنا) صائمين”.

ليس جديدا أن يعبّر أحد المصريين عن مفارقة ما عبر مشاركة منشور على صفحته الخاصة على فيسبوك، لكن الجديد أنها عكست هذه المرة عمق ورسوخ العلاقة بين المسلمين والأقباط.

مسلمون ومسيحيون في مصر يتصرفون بتلقائية وببساطة ويتبادلون النكات قبل الهدايا، وصار أمرا عاديا أن يتشاركوا في الصوم والعبادة ثم في الاحتفال والأعياد، للدرجة التي لا تدفع أحدهم للحديث عن أمر غير مألوف يحدث بين اثنين مختلفي الديانة، كأن يتحدث في منشوره عن معجزة دينية أو ما شابه، لكنه تناول مشترك حياتي وهو تبادل اللحوم، وجاء الحوار القصير كاشفا عن وحدة من نوع خاص مطلوبة في زمن زادت فيه الفتن بين المسلمين والأقباط في مصر، وكأننا لسنا أمام مختلفين في العقيدة، فواحد يشركه أضحيته وآخر يعتذر لأنه لا يزال صائما.

تدلّ ممارسات المصريين اليومية على أن ما يغلب على قناعاتهم بهذا الشأن، أنه لا يهم شكل العبادة وعنوانها والانتماء إلى هذا الدين أو ذلك، إنما كيف تنعكس تلك العبادة على سلوك الناس، وهي حالة يتأخر فيها الطقس الديني العقدي وتنحصر الأولوية والأهمية في المقصد والهدف من ورائها.

ظل هذا المعنى يخيّم على احتفالات المسلمين والمسيحيين بعيدَي السيدة العذراء والأضحى هذا العام، ففي الوقت الذي احتفل فيه المسيحيون بترديد الصلوات والترانيم بالكنائس، أدى المسلمون فريضة الحج وذبحوا الأضاحي وقاموا بتوزيعها وتجمّعوا في الشوارع في وقت تراجعت فيه هذه المظاهر الاحتفالية بعد استفحال خطر المتطرفين.. فهل تشهد شوارع مدن مصر وقُرَاها عودة مثل هذه البهجة الشعبية؟

لا تظهر الوحدة فقط بالتهنئة المتبادلة بالأعياد بل يشارك البعض في ذبح الأضاحي على نفقته ومن ثم توزيعها، وقبل ذلك يصوم كثيرون من الأقباط شهر رمضان، ومن المسلمين من يحب شراء السعف والاحتفال به تيمنا بالسيدة العذراء والسيد المسيح. تجذّرت هذه المسألة لفترات طويلة، وحاول المتشددون قطعها واللعب على بعض أوجه التناقضات بين الطرفين.

لا يزال يصوم البعض من المسلمين صوم العذراء على مدى أسبوعين لما يحمله من عاطفة محبة وتقديس للسيدة مريم ونظرا إلى المكانة الرفيعة التي تتمتع بها في الإسلام، كما تتشابه طرق الاحتفالات، ففي الفطر والميلاد يتبادلان الهدايا.

وتصبح المعاني والقيم هي الغالبة والحاكمة، فلا يشعر أحدهم بالتميّز ويظهر اعتزازه لكونه يذبح على طريقة المسلمين ولا لكونه يصوم على طريقة المسيحيين، إنما الفخر في حبّ الناس وحبّ الخير لهم وحبّ الأخيار فيهم، ومحبّة أن يعيشوا متآخين، صافية نفوسهم، تشرق قلوبهم بالودّ والتسامح عقب فترة من الجفاء.

ساعد في بلوغ هذه الحالة لدى قطاع كبير من المصريين كونهم يعيشون في معاني العبادات وجوهرها ويتحلّون بقيمها ومقاصدها، ولا يكتفون بالقشور الخارجية واللباب، وهو ما يحاول تيار السلفية المتشدد تكريسه، فالأضحى يمثّل عند عموم المصريين العاديين أنبل المشاعر وأرقاها عندما يضحّي أحدهم مما يمتلكه ويعطي الآخر، ليقود معنى التضحية إلى ما هو أوسع وأعمق في العلاقات الإنسانية، من تضحية من أجل سعادة الإنسان وأمنه إلى تضحية أعلى درجة في سبيل انتصار قيم الخير والتسامح.

وحدة في زمن زادت فيه الفتن، وكأننا لسنا أمام مختلفين في العقيدة، فواحد يشركه أضحيته وآخر يعتذر لأنه لا يزال صائما

هي ذاتها المعاني والقيم الفلسفية والصوفية المستوحاة من جوهر المسيحية التي تمجّد إحياء المعاني الجميلة المنشودة في الحياة من محبّة وعطاء وصفح وعفو وزهد وترفّع على الدنايا والصغائر.

ويرى متفقهون في القيم الروحية للأديان السماوية أنه يمكن التمسك بالجوهر على جهتي العقول والقلوب في سبيل بلوغ الحياة المستحقة للإنسان أيًا كان معتقده، بعيدا عن الصراعات والكراهية والاستعلاء الديني، الأمر الذي يؤكد على أن التديّن الإيجابي المؤسس على فهم عميق لجوهر الدين يرفع قدر الإنسان ويجعله جديرا بإنسانيته.

أما من يقفون عند القشور، ويتمسّكون بظاهر النصوص الدينية دون الغوص في الجوهر والنفاذ إلى المضمون فلا يدركون من صلة الأديان المختلفة إلا العداوة والحسد والبغضاء والحقد والكراهية والإقصاء والسخط على من يعتبرونهم حطب جهنم المخالفين لهم.

تزامن عيد الأضحى وعيد صوم العذراء هذا العام، بعد خمسة عشر يوما صامها المسيحيون مقابل صوم عدد كبير من المسلمين التسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة، ثم الاحتفال معا بالعيدين، هذا معناه أن المصريين تمسّكوا بالرابط الذي يحُول دون أن تتهاوي إنسانيتهم في وطنهم، واضعين فوق أي اعتبار كونهم ورثة أرض النبوات ومهبط الوحي وبزوغ الحضارات.

وفي المقابل، هناك من يذلّون في أوطانهم بسبب الدين وفهمه الخاطئ وهناك حضارات تُباد وشعوب تنتهك كرامتها وإنسانيتها بسبب جعل تمايز إنسان عن آخر نابعا من دينه ومعتقده وأسلوب عبادته، لأنه ساعتها لا مجال لتعايش حضاري ورقي إنساني ولا فرصة لنيل أمن واستقرار.

تحدث الكثيرون عقب فشل عملية تفجير كنيسة السيدة العذراء بمسطرد، بشبرا الخيمة، شمال غرب القاهرة، مطلع شهر أغسطس الجاري، وأثناء وبعد احتفال المسلمين والمسيحيين معا بأعيادهما أن ألطاف الأقدار جعلت الإرهابي الذي انفجر فيه الحزام الناسف، يفشل في الوصول إلى مبتغاه، ومن ثمّ يتم التقاط هذا المشهد الإنساني الراقي للمصريين وهم يحتفلون معا بالمحبة مردّدين نشيد السلام، داعين ومبتهلين في سبيل الرعاية الإلهية.

ولتتضح خلفيات وأبعاد استعصاء الواقع المصري على الاختراق الطائفي، على الرغم من المحاولات التي تكرّرت على مدى عقود وبلغت ذروتها خلال السنوات الأخيرة؛ فهناك حصانة مجتمعية تظهر وتسبق التصدّي الأمني، قوامها اعتناق الغالبية من المصريين لمبادئ الأمة التي تجمعهم مسلمين وأقباطا على خط دفاع واحد ضدّ محاولات التفكيك.

جلّ هذه المبادئ تؤكد على أن المصريين شعب يحمل ثقافة منحته التجانس في مجمل عاداته وقيمه وأسلوب حياته، ويعيشون على رقعة جغرافية محددة الأبعاد، ولا يُسمح لأي قوة ـ حتى وإن كانت تدعي بأنها تدين بدين أغلبية الشعب العدديةـ بأن تحكمه بمناهج وتصوّرات لا تتسق مع طبيعته وخصوصيته.

العلاقات المتينة بين المسلمين والأقباط خلقت أقوى وأكبر حاجز أمام الغزو الأصولي الداخلي والخارجي، وظلت التضحيات التي قدماها معا ولا زالوا، هي الثمن الذي دفعوه وهم راضون للحفاظ على كيان دولتهم، وعلى النموذج المجتمعي الخاص الذي يجسّد تصوّراتهم للدين والحياة والوطن.

كل ذلك، أوجد هذا الانسلاخ لجماعات وفصائل الإسلام السياسي بعيدا عن الحالة المصرية، فهي لم تجد فرصة لترجمة مناهجها ورؤاها الأحادية داخل حالة متماسكة منسجمة يتوحّد فيها المسلمون والأقباط بهذه القوة، فذهبت تبحث لتصوّراتها عن ساحة للتطبيق خارج الواقع المصري الطارد للطائفية والتطرف.

13