تزاوج الفن والدين في دير "الأنبا سمعان" في مصر

السبت 2015/04/18
دير الأنبا سمعان تحول إلى واحد من أجمل الأديرة المسيحية في العالم

إذا كانت هناك عبارة يمكن أن تصف دير الأنبا سمعان الخراز، الكائن بجبل المقطم شرق العاصمة المصرية، فهي “من قلب المخلفات يبرز الجمال”، فالدير الذي نحت في عمق الجبل كان حيّا يسكنه جامعو القمامة في القاهرة، قبل أن تبنى فيه كنيسة متواضعة من ألواح الصفيح، ثم تتحوّل إلى واحدة من أجمل الأديرة المسيحية في العالم.

بدأت حكاية دير الأنبا سمعان الخراز، في أوائل السبعينات من القرن الماضي، عندما صدر قرار حكومي بنقل جامعي القمامة من أماكنهم في أنحاء القاهرة، إلى المقطم الذي كان وقتها منطقة جبلية غير معمورة، هناك بدأ جامعو القمامة في بناء مساكن لهم من ألواح الصفيح الصدئة.

في هذه الأجواء كان ميلاد الدير المهيب، حيث قادت الصدفة أحد سكان بيوت الصفيح، ويدعى قديس عبدالمسيح، إلى الارتباط بصداقة مع كاهن إحدى الكنائس، وحدث أن دعاه لزيارته، وعندما ذهب الكاهن الذي لم تذكر المصادر التاريخية اسمه، بحث عن مكان هادئ يستطيع أن يصلي فيه.. وقف مع مضيفه في أعلى نقطة بالجبل، وتحت إحدى الصخور العملاقة شاهد مغارة عجيبة، وجدها الكاهن مكانا مناسبا للصلاة، ومن وقتها داوم على الصلاة في المكان نفسه، كل يوم أحد دون أن يتحدّث في الأمر مع أي شخص.

في أحد الأيام، كان الكاهن منهمكا في الصلاة، ثارت عاصفة هوجاء فتطايرت الأوراق، وبعد أن هدأت وجد الكاهن ورقة من الأوراق المتطايرة أمامه فأمــسك بها ليقرأها.

واكتشف أنها من سفر أعمال الرسل الإصحاح 18، وبدأ يقرأها بصوت عال “فقال الرب لبولس برؤيا الليل لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني معك، ولا يقع أحد ليؤذيك، لأنّ لي شعبا كثيرا في هذه المدينة”، واعتبر الخادم ذلك الصوت قادما من السماء.

نحت تماثيل العذراء والمسيح والخراز في الصخور تجسيدا لاحتفاء الأقباط بما روي عن معجزة تحريك جبل المقطم

قال الخادم جرجس الملا لـ”العرب” بعد تلك الواقعة التي جدّت في عام 1974 بدأ العمل في بناء كنيسة من الصاج وسقفها من البوص، لتكون مثل باقي المساكن من حولها، وأقيم أوّل قداس بحضور 9 أشخاص، ثمّ ازداد عددهم، حتى أن المكان لم يعد يكفي لاستيعابهم.

أمام هذا التزايد في العدد فرضت الضرورة التوسّع المكاني، فلجأ الكهنة إلى البابا شنودة الثالث (بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية الراحل) وأخبروه بكلّ ما تم ففرح وأعطاهم مبلغا من المال لبناء السقف بالإسمنت المسلح.

لكن تبين استحالة وضع سقف من الخرسانة على جدران من الصفيح، فظهرت الحاجة إلى هدم المكان بالكامل وإعادة بنائه بشكل منظم، وتولى الموضوع مكتب هندسي وضع تصميما رائعا لكنيسة شاهقة على مساحة ألف متر مربع، أطلقوا عليها اسم دير الأنبا سمعان الخراز.

يذكر أنّ البابا شنودة الثالث كان قد عيّن، آنذاك، كاهنا شابا يدعى فرحات إبراهيم قسيسا لهذه الكنيسة، باسم القمص سمعان إبراهيم، فتولّى تطوير العمل في المنطقة، حتى أصبحت الآن تضم مجموعة كنائس داخل مغارات في الجبل، كما تضم مستشفى، ودار حضانة، ووحدة خدمة اجتماعية، ومركز تدريب مهني، ومدرسة وغيرها، لخدمة أهل المنطقة مجانا ودون تمييز بين مسلم أو مسيحي.

زوّدت المنطقة، التي أطلق عليها اسم دير سمعان الخراز، باستراحات وخدمات للزوّار، وقد رقي القس سمعان ليصبح قمصا، اعترافا بجهوده في هذه المنطقة.

سمعان الخراز الذي يعرف كذلك بسمعان الدباغ، عاش في مصر في القرن العاشر أيام حكم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وهو أحد قديسي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث تعزى له، بحسب التقليد الكنسي، معجزة تحريك جبل المقطم.

يروي عنه التراث القبطي أنّه كان يعمل في دباغة الجلود وصناعة الأحذية، وكان تقيا صالحا، جاءت إلى دكانه ذات يوم امرأة تطلب منه إصلاح حذائها، وبينما كانت تقوم بخلعه وقعت عينا سمعان على ساقها فاشتهاها للحظات، قبل أن يفيق من شهوته على ألم بالغ، جراء المعصية، لم يخفّف منه سوى قيامه بخلع عينه بالمخراز، اعتقادا منه أنّه بذلك ينفذ إحدى وصايا المسيح، التي يقول فيها: إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فأقلعها، وألقها عنك.. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم” (متى 28:5 – 29).

تذكر الروايات التاريخية الكنسية المتداولة أنّ السيدة مريم العذراء ظهرت لبطريرك الأقباط، صباح أحد الأيام، لتخبره بأن يخرج ليرى رجلا يحمل جرة ماء سيكون هو المختار لتتميم المعجزة على يديه. ولما خرج وجد سمعان الخراز، فأخبره بما حدث، وطلب من البطريرك أن يبقى بين الشعب في اليوم المقرر لنقل الجبل، ومن هناك سوف يقوم بالصلاة، بينما يقوم البطريرك برسم علامة الصليب، وتمّ ذلك كما قال، حيث وقعت زلزلة عظيمة وتحرّك الجبل حتى بانت الشمس من تحته، وفق تلك الاعتقادات.

سمعان الخراز الذي يعرف كذلك بسمعان الدباغ، هو أحد قديسي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث تعزى له، بحسب التقليد الكنسي، معجزة تحريك جبل المقطم

يذكر التاريخ الكنسي أنّ الخراز هرب بعد الحادثة، لا خوفا، وإنّما كي لا ينال المديح من أحد، وتقول إحدى الروايات القبطية أن القديس سمعان الخراز كان قد ألقى بنفسه أسفل جبل المقطم.

يروي أمين نجيب، مرشد سياحي، لـ”العرب” أنّه في التاسع من يوليو عام 1992 قام الأنبا متاؤس بإيداع جسد قديس الجبل سمعان الخراز في أنبوبة، مع كتابة وثيقة خاصّة بذلك موجودة حاليا بجوار مقصورة القديس بكنيسة المقطم بالقاهرة، وفي يوم السبت الـ11 من يوليو 1992، تمّ نقل رفات القديس في موكب كبير إلى كنيسته في جبل المقطم.

زائر المكان سيجد صورة منحوتة للعذراء وسط الصخور، من أعمال فنان بولندي، جاء إلى المكان وتأثّر بالمعجزة التي سمعها عنه، فقرّر أن ينحت صورة السيدة العذراء، وأخرى للسيد المسيح، ثم صورة محفورة على الخشب للقديس سمعان الخراز..

هي مجموعة تماثيل تحكي سيرة القديسين داخل الصخور، لتكون بمثابة معرض جبلي مفتوح يحكي سيرة القديسين. محمد عبداللطيف، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار المصرية، أكد لـ”العرب” أنّ دير الأنبا سمعان الخراز حقّق شهرة واسعة عالميا، لما يتميّز به من سمعة كبرى بين الأقباط، إلى جانب شكله الجمالي في قلب جبل المقطم، لافتا إلى أن شركات السياحة العالمية عادة ما تضعه ضمن المزارات التي تنظمها للوفود السياحية الزائرة لمصر.

20