تزاوج الموروثين الأوروبي والإسلامي بحي العطارين في الإسكندرية

السبت 2015/04/25
جامع العطارين وما تحيط به من أسواق شهادة تاريخية على عراقة المنطقة

حي العطارين، أحد الأحياء الشعبية القديمة في مدينة الإسكندرية، يعتبر واحدا من أكثر المناطق إثارة للاهتمام في المدينة الساحلية، وقد أطلق عليه هذا الاسم بسبب انتشار تجّار ومحلات التوابل.. تؤثث حي العطارين محلات بيع التحف المختلفة، حيث تتراكم فيها صنوف من الأثاث الأوروبي والحلي ممّا يعود إلى عصر حملة نابليون بونابرت على مصر، فالسوق مفعم بما تركه الرعايا الأوروبيون من ممتلكات نفيسة حين فرّوا من البلاد عقب ثورة 1952.

يعدّ حي العطارين من أشهر مناطق محافظة الإسكندرية، لا سيما أنّه حظي باهتمام أكثر من غيره من قبل أجهزة الحفاظ على التراث، نظرا إلى قيمته التاريخية وعمارته المميّزة وأسواقه العتيقة.

وقد نال الحي شهرته أيضا من جامع العطارين الذي جدّده بدر الجمالي، وزير الخليفة المستنصر بالله الفاطمي عام 774 للهجرة، ووقتها كان للإسـكندرية مسجدان، هما المسجد الغربي أو المسجد القدــيم الذي بناه عمرو بن العاص عندما فتح مصر، والــثاني المسجد الشــرقي أو مسجد الــعطارين.

وكان مسجد العطارين مركزا للفاطميين في الإسكندرية، وهو ما جعل الأيوبيين ينقلون صلاة الجمعة من الجامع إلى المسجد الذي أنشأه صلاح الدين الأيوبي، سنة 775 للهجرة/1811 للميلاد، واتخذ جامع العطارين مركزا لتعليم الناس العلوم الدينية.

ويتكوّن المسجد من طابقين وخمسة أروقة، حيث يستضيف الطابق الأرضي صلوات الرجال، في حين خصّص الطابق العلوي للنساء فقط، وتحتوي أروقة المسجد على محراب بسيط، وتوجد قبة المسجد في الطرف الشمالي، وفي الجوار الغربي توجد دكة تعرف باسم الصندرة.

منطقة العطارين تشتهر بما يباع في سوقها من تحف قديمة بمختلف أنواعها، لأن معظم سكانها كانوا من الأجانب والخواجات

معظم تجّار سوق العطارين من صعيد مصر، ففي أعقاب ثورة 1952 قام الأجانب في محافظة الإسكندرية، وخاصة اليونانيون منهم، ببيع ممتلكاتهم من منازل وأثاث ولوحات وتحف بأسعار رخيصة جدا للعودة إلى أوطانهم.

ومع ذلك لا يشبه سوق العطارين بالإسكندرية أيّ سوق تقليدي آخر، كونه عبارة عن متاهة وزقاقات وحارات ضيقة، ورغم ذلك تعج بالكثير من المحلات والمتاجر المختلفة التي تنتشر على جانبي الشارع، وفي هذه السوق يوجد كلّ ما يحتاجه الشخص من هدايا تذكارية شعبية أو حديثة، فضلا عن جميع أنواع العطور والأعشاب والتوابل، والجلاليب والعباءات المصرية الشهيرة والتحف والأنتيكات، بالإضافة إلى محلات بيع الكتب. ورغم الزخم التجاري في شارع العطارين فإنّه لم يفقد حتى الآن بريقه المعماري القديم، وتنتشر به البنايات على الطراز الأوروبي القديمة، على غرار المؤسسة الثقافية اليونانية التي يعود تاريخها إلى أكثر من مئة عام، كما توجد “الكنيسة الإنجيلية” التي يعود تاريخها إلى عام 1854، بالإضافة إلى المدرسة الألمانية للراهبات.

يقول الحاج إبراهيم المفتي، صاحب أكبر محلات الكتب القديمة بالعطارين، كانت الحياة مختلفة تماما في الماضي عن الوقت الراهن، حتى الشوارع تبدّلت أسماؤها، مثل شارع الملك فؤاد الذي تغيّر إلى شارع عبدالناصر، وسينما رمسيس إحدى أقدم دور السينما في الإسكندرية أصبحت الآن قابلة للتأجير لحفلات الزفاف، وكذلك مسرح سيد درويش الذي أصبح مهجورا. ويضيف المفتي: أعمل في مهنة بيع الكتب القديمة منذ 54 سنة، وفي الستينات شهدت هذه المهنة عصرا ذهبيا بسبب وجود الأجانب، وكانت تباع الكتب المطبوعة باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والعبرية، بينما لا توجد مثل هذه الكتب حاليا.

واستطرد: في العصر الذهبي كان الأجنبي يعلّم أولاده اللغات المختلفة، وكان يأتي لنا بحقيبة كتب أولاده للسنة الماضية، ويشتري كتب السنة التالية، مؤكدا أن الشارع كان مركزا لتجمّع علماء وأدباء ومثقفي مصر، مثل: عباس محمود العقاد، وعزيز أباظة باشا، وعبدالرحمن بدوي، وعبدالرحمن صدقي، وإبراهيم عبدالمجيد اللبان، وكل هؤلاء كانوا زبائن يشترون الكتب القديمة من سوق العطارين.

من أهم مميزات سوق العطارين ما يزخر به من توابل وعطور وأعشاب

من جانبه، يقول محسن زكريا، صاحب محل أنتيكات بشارع العطارين: يفضّل بعض الناس اقتناء التحف القديمة ذات القيمة التاريخية، مضيفا أنّ منطقة العطارين تشتهر بالأنتيكات لأنها كانت منطقة الأجانب والخواجات، ممّن كانوا يبيعون التحف وإكسسوارات المنازل القديمة في أعياد الكريسماس ويشترون أشياء جديدة، ويؤكد أن التجّار يحصلون على التحف من بعض الأشخاص سواء بالبيع أو الاستبدال، ومثل هذه التحف تأتي بالصدفة للتاجر.

تشتهر منطقة العطارين أيضا بتجارة أدوات المقاهي مثل النرجيلات أو الشيش، هكذا يقول جابر القلعي، تاجر بشارع العطارين، قائلا: بدأت التجارة منذ أربعين سنة عندما كانت في مهدها، وكانت أدوات الهاوي تأتي من إسطنبول، لأن تركيا هي بلد الشيشة، وبعد ذلك صنعت في مصر، وأخذت جودة عالية ومواصفات جديدة متطوّرة.

ويوضح القلعي أنّ أنواع الشيشة تختلف عن الجوزة التي تصنع من ثمرة جوز الهند، فيسحبون منها اللب والثمرة ويركّبون فيها بوصة ويشربون منها الدخان، وهي تمسك باليد بخلاف الشيشة التي توضع على الأرض ويمسك اللَّي باليد، أما طرز الشيشة فمنها التركي والباكستاني والهندي، وتتميّز صناعة كل دولة بشكل معيّن، وينفرد الهنود ببعض النقوش الجميلة، مؤكدا أن الشيشة القديمة المصنوعة من الفضة والتي كانت تأتي من تركيا تعتبر الأغلى سعرا.

وعن الأشكال الجديدة، يقول: الشكل قد يكون على مزاج الزبون، فقد يطلب شيئا محدّدا في شيشته فنصنعها له يدويا، وأحيانا يرغب أيضا في كتابة اسمه أو وضع رسوم معيّنة على الشيشة، مشيرا إلى أن منطقة العطارين اشتهرت بوجود العطارين وبائعي الأعشاب الطبيعية، ولكن هذه المهنة لا تلقى رواجا حاليا، وأصبح بيع التحف والأنتيكات والأثاث القديم هو الأكثر رواجا.

20