تزاوج بين الدماغ والكمبيوتر: تطوير لمهارات الإنسان وبتر لقدراته

علماء يسعون إلى تطوير الأساليب والتقنيات لقراءة نشاط الدماغ وضبطه والتحكم فيه، والتكنولوجيا العصبية تحول الخيال إلى حقيقة علمية.
الاثنين 2018/10/15
التكنولوجيا المتطورة لتحسين المدارك الذهنية والمزاج

علماء الأعصاب يتمكنون بفضل التكنولوجيا الحديثة من كشف الكثير من الأسرار المخفية للدماغ البشري، لينطلقوا في طريق أبحاثهم الحالمة بالقضاء على الأمراض المزمنة، ورفع كفاءة الإنسان في مجالات متعددة، وربما سيتمكنون من تحقيق ذلك يوما ما، وإلى حين أن يحدث فعلا، يمكننا فقط أن نحلم معهم.

ما الذي يجري داخل الدماغ البشري؟ إنه اللغز المحير الذي حاول علماء الأعصاب والفلاسفة الإجابة عنه عبر قرون من المحاولات والأبحاث السابقة، وبالاعتماد على وسائل مختلفة وتماثيل وآلات وماكينات ضخمة، لكن ذلك لم يكن كافيا لفك شيفرة الدماغ البشري وفهم كيفية أدائه لوظائفه.

ولم يتوصل العلماء إلى قراءة البعض من الإشارات الكهربائية للدماغ سوى في العشرينات، ليحظوا للمرة الأولى بفهم واضح للنشاط الكهربائي الذي يشهده دماغ البشر الأحياء، وذلك من خلال تقنية أطلق عليها اسم “رسم الدماغ الكهربائي” أو “تخطيط أمواج الدماغ” المعروفة اختصارا باسم “إي.إي.جي”.

ويحاول العلماء باستمرار تطوير الأساليب والتقنيات لقراءة نشاط الدماغ وضبطه والتحكم فيه، بهدف مساعدة الملايين من المرضى حول العالم لاستعادة وظائف الجسم التي فقدت نتيجة الحوادث والأمراض والتقدم في العمر.

وبفضل تقدم الأبحاث في مجال علم الأعصاب والدماغ بنسق سريع ومدهش، أصبحت الأجهزة العصبية الاصطناعية التي تزرع في جسم الإنسان وفي دماغه أمرا شائعا، وأثبتت جدواها في علاج العديد من الأمراض.

ويجري حاليا دفع التكنولوجيا العصبية إلى حدود أبعد من الأغراض الطبية، وهناك العديد من التطبيقات المثيرة للاهتمام قد ترى النور في السنوات القليلة المقبلة.

ويعد الدماغ البشري جهاز معالجة ضخم، إذ يحتوي على ما يعادل مئة مليار من الخلايا العصبية، ويتكون من أقسام متباينة وشبكات بالغة الدقة والتعقيد في التنظيم والتواصل، بالإضافة إلى الكثير من الأسرار والحقائق.

وتمكن العلماء في العشرينات من قراءة الإشارات الكهربائية التي يموج بها الدماغ، وكان عالم النفس الألماني هانز بيرغر أول من اخترع جهاز تخطيط أمواج الدماغ في سنة 1924، واعتبر الجهاز واحدا من بين التطورات المدهشة والرائعة في تاريخ علم الأعصاب. وهو عبارة عن أقطاب كهربائية توضع على فروة الرأس لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ.

وتم استخدام هذه التقنية في البداية لفحص أدمغة المجرمين، ثم استعين بها لفهم نشاط الدماغ أثناء حالات مرضية كالصرع.

وفي السبعينات اكتشف مهندس الكهرباء البريطاني غودفري هاونسفيلد وسيلة لفحص الدماغ باستخدام التشخيص الطبقي المحوسب بالأشعة السينية، وتحصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1979 لدوره في تطوير هذا الاختراع.

الخبراء يؤكدون أن إكساب الدماغ قوة كمبيوترية وحواس إضافية تمكنه من التواصل رقميا مع العالم الخارجي  

ومع بداية التسعينات سيطرت تقنية تعرف باسم “التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي” على مجال رسم خرائط الدماغ والنخاع الشوكي، نظرا لما تتميز به من تأثير منخفض للإشعاع.

ومن خلال تلك التقنية تمكن العلماء من رؤية التغير في مستوى الأكسيجين في الدماغ، والمناطق المنخرطة في أداء وظيفة ما، تشهد زيادة في تدفق الدم المحمل بالأكسيجين إليها لإمدادها بالطاقة.

ومن هذا المنطلق، أصبح بالإمكان التعرف بدقة على مناطق الدماغ المسؤولة عن وظائف معينة (على سبيل المثال المناطق التي تتحكم في العضلات)، وبالتالي قياس الإشارات المنبعثة منها عن طريق أقطاب كهربائية توضع على الرأس، أو من خلال شريحة إلكترونية تزرع في الدماغ لتكون على مقربة من مصدر الإشارة.

وأحدثت تقنية “التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي” تغييرا جذريا في فهم ما يجري داخل الدماغ ومكنت من تصوير أعمق وظائفه، وما كان مجرد أفكار غير واقعية أو خيالا علميا قبل بضعة عقود أصبح اليوم موضوع بحث دقيق وتجارب جد مبكرة.

وخلال السنوات القليلة الماضية وافقت إدارة الأغذية والأدوية الأميركية على التحفيز العميق للدماغ كعلاج لمرض باركنسون (أو الشلل الرعاش) وهو اضطراب يصيب الجهاز العصبي ويؤثر على الحركة، ويعاني من هذا المرض ما يقدّر بنحو 10 ملايين شخص في العالم.

ويرسل جهاز التحفيز نبضات كهربائية صغيرة لأقطاب مزروعة في جزء محدد من الدماغ للسيطرة على الهزات والصلابة المميزة لمرض باركنسون.

ويتم حاليا استخدام تقنيات التحفيز العميق للدماغ لمعالجة اضطرابات الوسواس القهري والاكتئاب والصرع.

وفي الفترة الأخيرة طور العلماء شريحة تزرع في الدماغ لتحفيز الذاكرة، ويمكن أن تقدم تلك التقنية في المستقبل القريب استراتيجية واعدة لعلاج الخرف والتراجع الذهني وغيرها من الأمراض التي تضر بالذاكرة.

وتشير التجارب الأولية، بحسب دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” أن الشريحة تحسن من تذكر الأشياء بنسبة 15 بالمئة، وهو تقريبا ما يضعفه مرض الزهايمر في مدة تفوق العامين والنصف.

ولعلاج مرض الشلل نتيجة إصابة الحبل الشوكي طورت شركة باتل وهي منظمة بحث وتطوير عالمية غير ربحية تقع في مدينة كولومبوس، بولاية أوهايو الأميركية، جهازا يدعى “نيرو لايف” وهو جهاز تجريبي يهدف إلى علاج الشلل عن طريق فك شفرة الإشارات العصبية من الدماغ وترجمتها بشكل فعال لتحريك الأطراف.

Thumbnail

 ويتكون الجهاز من شريحة صغيرة تزرع في القشرة الحركية (منطقة في الدماغ مسؤولة عن الحركة)، وتقوم بتسجيل نشاط الدماغ أثناء تفكير المريض في الحركة، وتعمل خوارزمية الكمبيوتر بفك شفرة النشاط الدماغي، ويقوم الجهاز القابل للارتداء والمتكون من 260 قطب كهربائي بتنشيط العضلات لإثارة الحركة المقصودة.

ونجحت التقنية في التجارب السريرية الأولى، وتواصل الشركة تطوير النظام الحالي، وترقية البرنامج لإدماجه في الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، بغية تحويله إلى منتج تجاري في المستقبل.

وفي ضوء ما تحقق من إنجازات في مجال علم الأعصاب والدماغ والتي أثبتت جدواها في تغيير نمط حياة المرضى، اتخذت الهندسة العصبية قدرا كبيرا من اهتمام شركات القطاع الخاص، وخاصة مجموعة وادي السيليكون في السنوات الأخيرة. وهي الآن موضوع بحث واستثمار جدي.

ويبدو أن البعض يعي بدقة القيمة التجارية التي ستحققها في المستقبل واجهات الدماغ والكمبيوتر، كالأقطاب الكهربائية التي توضع على الرأس والشرائح الإلكترونية التي تزرع في الدماغ.

ويسود اعتقاد بأن تعزيز القدرات المعرفية للعقل البشري ومنحه قوى خارقة أمر لا بد منه، في ظل مخاوف من التطور السريع لآلات الذكاء الاصطناعي التي تسلب البشر وظائفهم ومن المتوقع أن تحل محلهم في المستقبل القريب.

كما أكد الخبراء أن تحسين الوظائف الإدراكية للدماغ البيولوجي، وإكسابه قوة كمبيوترية غير مسبوقة، وحواس إضافية تمكنه من التواصل رقميا مع العالم الخارجي والإبحار عبر شبكة الإنترنت بالأفكار، والبقاء في اتصال دائم بالسحابة، ليس بالأمر الموغل في الخيال العلمي بل من المتوقع تحقيقه مستقبلا.

ولدى شركة فيسبوك حاليا مشروع طموح بصدد التطوير، يتيح للإنسان التحكم في أجهزة الكمبيوتر مباشرة بواسطة الدماغ عبر تطبيق يقرأ أفكار المستخدم ويسمح له بكتابة رسائل نصية بسرعة تقدر بمئة كلمة في الدقيقة الواحدة، وخصصت الشركة لهذا المشروع 60 عالما وباحثا.

ويقول مارك زوكيربرغ “نعمل حاليا على تطوير نظام يتيح لك كتابة أفكارك مباشرة من دماغك بسرعة خمسة أضعاف مقارنة بسرعة ما تستطيع كتابته على هاتفك”.

ولدى وكالة مشاريع الدفاع الأميركية المتقدمة “داربا” برنامج يهدف إلى إجراء تحسين للمدارك الذهنية والحالة المزاجية للجنود من خلال آليات مختلفة لتحفيز الأعصاب.

ربما تكون الواجهات العصبية بين الدماغ والكمبيوتر والمعززة للقدرات البشرية أمرا شائعا في يوم من الأيام، وحتى ذلك الحين، يجد الإنسان نفسه في مواجهة مع أسئلة مصيرية: هل ستحمل تلك التكنولوجيا المرتقبة في طياتها ما يعد بتحسين حياة الفرد، أم أننا سندرك حتما خللا يؤدي إلى تفاقم مشاكلنا الحالية ويكرس الطبقية، فتتوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويفرز العنصرية ضد من يختارون عدم احتضان تلك التقنيات حفاظا على الهوية البشرية والإرادة الحرة في العالم الذي ستهيمن عليه آلات فائقة الذكاء ومرتبطة مباشرة بالعقل البشري؟

أجاب عن هذه الأسئلة الكاتب الكندي مارشال ماكلوهان بفصاحة بليغة بقوله “كل امتداد للإنسان هو أيضا بتر للقدرة البشرية في مكان أخر”.

12