تزايد البطولة النسائية في رمضان يفتقر للاهتمام بقضايا المرأة

المرأة تحضر جسدا وتغيب فكرا في الدراما المصرية هذا الموسم.
الخميس 2021/02/25
المساعدة الذكورية للمرأة في سبيل تحققها حاضرة دائما

تزايدت مساحة البطولات النسائية في الأعمال الدرامية المصرية باطراد، لتصل في الموسم الرمضاني القادم إلى قرابة نصف الأعمال المقرّر عرضها، لكنها لا تعكس اتساعا في الاهتمام بقضايا المرأة أو توجها نحو تغيير صورتها الذهنية النمطية.

القاهرة – يعرف القائمون على الدراما العربية جيدا أن جمهورهم منزلي وتسيطر عليه ربات المنازل، فيتعاملون بمنطق التاجر “الشاطر” الذي يعرف رغبات مشتريه جيدا، فيقدّمون بضاعة تتضمّن تشكيلة من البطولات النسائية المفعمة بالموضة والأزياء وأساليب الحياة القابلة للتكرار في حياتهن اليومية.

ويشهد الموسم الرمضاني المقبل البطولة المُطلقة الأولى لعدد من الممثلات مثل روجينا في مسلسل “بنت السلطان” وأمينة خليل في “خلي بالك من زيزي” وروبي في “شقة 6” ودرة في “انتقام سري” وحنان مطاوع في “ورد”، بينما تنفرد أخريات بالبطولة كالمعتاد مثل يسرا وياسمين عبدالعزيز ونيللي كريم وغادة عادل وغادة عبدالرازق ومنى زكي ودينا الشربيني ودنيا سمير غانم وريهام حجاج.

وتكشف تسريبات قصص الأعمال الدرامية الجديدة عن حضور المرأة جسديا دون قضاياها الحيوية مع استمرار النظر إليها كرد فعل للرجل وليس فعلا في حد ذاته، فنيللي كريم ولقاء الخميسي تخوضان بطولة عمل قصته عن صديقتين تخطف إحداهما زوج الأخرى، وهي فكرة سبق أن قدمتها نيللي مع الممثلة زينة قبل عامين في مسلسل “لأعلى سعر”.

ولا تبتعد سياقات يسرا في مسلسلها عن الفكرة ذاتها عن طبيبة تجميل تعيش صراعا مع ضرتها الفنانة سينيتا خليفة، وتدخل ابنتها الفنانة جميلة عوض طرفا في المعادلة مع تفضيلها زوجة أبيها على أمها، كذلك الحال في “نسل الأغراب” الذي يتزوج فيه البطل أحمد السقا زوجتين تشنان حربا ضد بعضهما قبل أن ترتبط إحداهما بعلاقة عاطفية مع صديقه.

دفاع نظري

الموسم الرمضاني القادم يشهد البطولة المُطلقة الأولى لعدد من الممثلات مثل أمينة خليل في مسلسل "خلي بالك من زيزي" ودرة في "انتقام سري"
الموسم الرمضاني القادم يشهد البطولة المُطلقة الأولى لعدد من الممثلات مثل أمينة خليل في مسلسل "خلي بالك من زيزي" ودرة في "انتقام سري"

تشير أسماء المسلسلات الرمضانية إلى تنميط للنساء مثل “ظل راجل” اقتباسا من المثل الشعبي الذي يعتبر الرجل مصدرا لحماية المرأة أكثر من البقاء في الشقق السكنية المغلقة، وهو ما يتكرّر مع مسلسل يسرا الذي كان يحمل عنوان “ضرة” قبل اعتذار هيفاء وهبي عن المشاركة في بطولته لتتم المفاضلة بينه وبين “حرب أهلية” ولم يتم الاستقرار على العنوان النهائي حتى الآن.

وتتشدق بعض الأعمال بالدفاع عن حق المرأة في الاستقرار العائلي، لكنها في النهاية تقدم تبريرات لتعدّد الزوجات رغم أنه ليس سمة ظاهرة في المجتمع المصري، فتُظهر الزوج كشهريار يجلس وسط “محظياته” يمارس العدل بينهن، لكنه يواجه في المقابل مشكلات الغيرة وتفاهة التفكير وأحيانا التمرّد.

ووفقا لتقرير لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة عن دراما 2020، كان العنف ضد المرأة في المرتبة الأولى بمعدل 636 مشهدا من رجال ضد نساء، بجانب 330 مشهدا لعنف موجه من المرأة لبنات جلدها، سواء أكان ماديا عبر الضرب والإهانة المباشرة والقتل أو معنويا متمثلا في القهر والدونية والاضطهاد والاحتقار والذل والسخرية أو كلها معا.

البطولات تتزايد دون تغيير الصورة الذهنية السلبية عن المرأة التي يتم تقديمها كلعبة يلهو بها مجتمع الرجال

وقالت الفنانة ياسمين صبري، في مهرجان الجونة الأخير عندما سألتها مذيعة عن الدور الذي تتمنّى أن تؤدّيه، إنها تود المشاركة في أعمال تتحدّث عن المرأة، وعند سؤالها عن أي قضية نسوية بالذات، جاء الرد “لا توجد قضية مهمة ندافع عنها، لكن أحب الأشياء التي من الممكن أن تمرّ بها المرأة كل يوم”.

وتبدو تلك النظرة عامة وليست قاصرة على صبري فقط، فتتبّع الأعمال ذات البطولات النسوية خلال العقد الأخير يظهر تقديمها معالجات هامشية لقضايا المرأة ترتبط بعلاقاتها مع أسرتها، فإما أن تكون مقهورة من الرجل أو من أبنائها أو من المجتمع.

ولا تخلو الدراما من أجواء حوارية تجعل المرأة كائنا يستسيغ العنف اللفظي دون ضيم بكلمات تحقيرية مرادفة للنساء مثل “مرة وولية”، وتحمل في السياق الشعبي المحلي قدرا من التحقير يتم توجيهه لضعاف الشخصية ممن لا يستطيعون (رجالا ونساء) مواجهة الحياة إلا بالاتكال على الغير.

تفرد بالبطولة
تفرد بالبطولة

وتعاني المسلسلات المصرية ويلات الصورة غير المنطقية للنساء، فإما ملائكية، حيث لا تتوانى السيدة عن خدمة الغير، أو شيطانة تنصب المكائد والمؤامرات للتفريق بين الأزواج أو تتلاعب للإيقاع بهم بإغوائها وتلميحاتها الجنسية، فلا يكاد يخلو أي عمل حاليا من نموذج الزوجة “النكدية” التي لا تتوقّف عن إثارة غضب زوجها أو السطحية غير المتحملة للمسؤولية التي ترهق عاتقه بطلبات مالية دون النظر إلى قدراته.

وأرجع الناقد الفني أندرو محسن، في تصريحه لـ”العرب”، الحضور النسائي الكبير في الدراما إلى وجود قطاع كبير من الممثلات لا يحقّقن في السينما نفس النجاح في المسلسلات ما يجعل الأخيرة مقصدا للقطاع الأكبر منهن، بجانب ظهور جيل جديد من الفنانات يشققن طريقهن في عالم النجومية ويسعى الإنتاج لاستغلال العلاقات القوية التي صنعنها مع الجمهور بأعمالهن السابقة.

وتكشف الروابط النسائية على مواقع التواصل الاجتماعي تركيزا كبيرا من الجمهور على المقاطع التي تظهر الروتين اليومي للسيدات في المنازل والتعاطي مع الأبناء المشاكسين، وهو ما يلعب عليه بعض كتاب الدراما حاليا، وطالما أن تلك التفاصيل لا تتضمّن صراعا لبناء درامي قوي كان الحل اللجوء إلى ملعب تعدد الزوجات.

وربما تكون الأزمة في سطوة الرجال على كتابة السيناريو فيقدمون قضايا المرأة من منطلق ذكوري يقترب من الانتقام، فالكاتب الذي يعاني حياة زوجية غير طبيعية ينتقم من شريكته في صورة مشاهد فنية تعكس كلماته، في نوع شبيه من التحرّر النفسي.

نظرة تقليدية

Thumbnail

غالبا ما تعرض الدراما المرأة في وظيفتها التقليدية المتمثلة في عنايتها بمنزلها وأسرتها، وحين تقدّم المرأة العاملة تطرحها بشكل سلبي لا يخلو من اعتمادها على أوصافها الشكلية في التقدّم الوظيفي أو الحصول على فرص الرجل الذي يتمتع بكفاءة وخبرة أكبر.

وتؤكد الأعمال التي وقفت خلف كواليس إنتاجها سيدات إيمانا أكبر بقضايا بنات جنسهنّ، مثل الكاتبة فتحية العسال التي قدّمت حزمة من الأعمال تحدثت فيها عن حق المرأة في التعليم مثل “هي والمستحيل” و”مكان في القلب” و”سجن النسا” الذي شهد معالجة من قبل الكاتبة مريم نعوم ليظهر الصورة السلبية للمجتمع تجاه السجينات وإجبارهن على العودة للجريمة مرة أخرى.

وأوضح أندرو محسن، لـ”العرب”، هذه الفرضية بضرب مثال بالكاتبة نعوم التي تركّز اهتمامها على قضايا المرأة في حرياتها الأساسية أو موقف المجتمع من التعاطي مع قضاياها مثل مسلسل “ذات” وكذلك “سجن النسا” اللذين كانت المرأة فيهما العنصر الفاعل والمحرك الأساسي للأحداث.

وينطبق الأمر ذاته على مسلسل “إلاّ أنا” الذي ضم ثماني حكايات منفصلة وتتكون كل حكاية من عشر حلقات، وتعرضت غالبيتها لموضوعات تشغل المرأة في علاقتها بالمجتمع بمشاركة أربع من كاتبات السيناريو استطعن طرق أبواب جديدة لقضايا النساء بداية من الطلاق وخلافات الحضانة وانتهاء بمريضات البهاق وحقهن في العيش بحرية والتمتع بجميع الحقوق.

ويحتاج وصول قضايا المرأة إلى كاتب مؤمن بالقضية وتدافع عنها ممثلات بارعات يمتلكن القدرة على التوصيل مع ضرورة الفصل بين الجماهيرية والموهبة في اختيار الممثل والابتعاد عن كتابة أحداث مصنوعة خصيصا على مقاس ممثلة بعينها لإظهار قدراتها التمثيلية على حساب العمل ككل.

الأزمة تكمن في سطوة الرجال على كتابة السيناريو فيقدمون قضايا المرأة من منطلق ذكوري يقترب من الانتقام

وشهدت السنوات الأخيرة محاولات للتركيز على نماذج نسائية حققت نجاحا في الحياة، رغم مواجهتها الصعاب مثل “طريقي” للفنانة شيرين عبدالوهاب و”حكايتي” لياسمين صبري و”خيط حرير” لمي عزالدين و”لؤلؤ” لمي عمر، وجميعهن وقعن في فخ ربط رحلة الصعود بمساعدة ذكورية مالية، كوقوع رجل أعمال في حب البطلة فوضعها على طريق الثراء أو وفاة زوج مسن تاركا ثروة لأرملته وتنتقم عبرها ممن ظلموها، أو حتى صدفة تضع البطلة على طريق الشهرة والنجومية دون أن تكون لهنّ الكلمة الأولى في الصعود والكفاح من أجل تحقيق الأحلام.

وتسيطر عمليات التجميل على الكثير من الممثلات ليبدون بتصفيف شعر واحد وشفاه واحدة، وبعضهن فرضن كلمتهن على الإخراج ليظهرن في زينة كاملة لا تراعي طبيعة الدور والطبقة الاجتماعية والحالة الوجدانية في العمل.

ويثير مجال المقارنة بين نوعية الأعمال النسائية تساؤلات حول الجودة والفكرة المطروحة ومدى تعاطيها مع سلبيات نظرة المجتمع للمرأة أو دورها في الحياة العامة، كما تكشف أيضا عن مدى استغلال النساء كوازع فقط للمشاهدة.

16