تزايد الغش الإلكتروني يهدد مصداقية امتحان الباكالوريا بالدول العربية

الطلاب منقسمون بين ورقة الامتحان والتفكير في طرق "مبتكرة" للغش، وتنامي وسائل التواصل الاجتماعي يفاقم الظاهرة.
الثلاثاء 2018/06/26
ظاهرة سلبية في تفاقم

لندن - يقر خبراء ومهتمون بقطاع التعليم بأن ظاهرة الغش لها أسباب عديدة تفسرها ومنها خصوصا غياب المسؤولية لدى بعض القائمين على المنظومة التربوية، ضعف التكوين الذي يتلقاه الطلاب في المراحل الأولى لدراستهم وضعف كفاءات التدريس في بعض الدول العربية، إضافة إلى التراجع الحاصل في مستوى التعليم عموما، وهي كلها عوامل تساهم في تزايد ظاهرة الغش.

وذكرت مريم عثمان، الطالبة في الصف الثاني عشر الإعدادي في العراق، أنها كانت جالسة في المنزل ومنشغلة بمراجعة الدروس التي ستمتحن فيها في اليوم التالي حين سمعت ادعاءات عن نشر بعض أسئلة الدروس السابقة على مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنها لم تول الأمر اهتماما. مريم قالت “لم أنظر إلى تلك الأجوبة ولم أسع إلى الحصول عليها حتى لا أشعر بالقلق”.

وعلى خلاف مريم كانت الأجواء مختلفة بالنسبة إلى بعض الطلبة الذين كانت عينهم على الكتب والأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كانت تشهد أحيانا نشر الأسئلة "السرية" قبل ساعات من الامتحانات.

وقبل أيام تم التحقق من الأخبار على فيسبوك التي تتحدث عن تسريب الأسئلة، وقد تمكن متابعون من الكشف عن أن تلك المعلومات كانت قديمة ولا علاقة لها بامتحانات هذا العام، إلا أن صورا ومعلومات أخرى لم يتم التحقق منها كانت مثيرة للشكوك.

وتقدم مؤخرا قرابة 230 ألف طالب في صفوف التاسع الأساسي والثاني عشر الإعدادي إلى الامتحانات النهائية وستحدد الدرجات التي يحصلون عليها في هذه الامتحانات مستقبلهم. وكانت الامتحانات تبدأ من الساعة الثامنة والنصف صباحا، وتتعطل معها شبكات الإنترنت لساعات، وذلك لمنع تداول أجوبة الأسئلة بين الطلبة داخل قاعات الامتحان وخارجها.

نورية بن غبريط: أجهزة تشويش وكاميرات مراقبة تم وضعها في مراكز طبع الأسئلة
نورية بن غبريط: أجهزة تشويش وكاميرات مراقبة تم وضعها في مراكز طبع الأسئلة

وكتب المدرس ب.خ على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بعد ساعتين من انتهاء امتحان درس اللغة الإنكليزية للصف التاسع الأساسي “امتحان جيد! مع الأسف تم نشر أجوبة امتحان اللغة الإنكليزية للصف التاسع قبل إجراء الامتحان بساعتين ونصف الساعة”.

وبعد التقاط صورة للمنشور من قبل أشخاص حذف صاحب الحساب منشوره تفاديا للتعرض إلى المحاسبة والعقوبة في قضية حساسة تثير منذ أعوام جدلا في إقليم كردستان العراق.

ونشر تيكوشر حسين، مدرس آخر في قضاء جومان التابع لمحافظة أربيل، هو الآخر منشورا احتجاجيا حول كشف الأسئلة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب فيه "مع الأسف تكشف الأسئلة كل يوم وتصل إلى أيدي الطلبة بسهولة".

وقال حسين، الذي كان مراقبا في إحدى قاعات الامتحان، "المراقبون ومدراء قاعات الامتحان هم آخر من تصلهم الأسئلة". وأضاف "رأيت عبر نافذة قاعة الامتحان طلابا يكشفون أجوبة الأسئلة إلى عدد من المشرفين التربويين من هواتفهم وقد أبلغوهم بأن الأسئلة تم نشرها قبل بدء الامتحان".

وفي بداية ظهور الادعاءات حول تسريب أسئلة وأجوبة الامتحانات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تم إرسال طلبات صداقة إلى الكثير من الصفحات والشبكات التي يشتبه أنها من قامت بالأمر.

وتطلب الأمر متابعة تلك المواقع حتى ساعات الفجر الأولى لأن معظم الأسئلة والأجوبة كانت تنشر قبل عدة ساعات من بدء الامتحانات، وكان السبب في ذلك في ما يبدو ألا تتمكن وزارة التربية من تغيير الأسئلة.

ولاحظ مراقبون خلال تلك المدة أنه تم نشر أسئلة امتحان درس الكيمياء للصف الثاني عشر العلمي ودرس اللغة الإنكليزية للصف التاسع الأساسي على صفحتين في موقع إنستغرام للتواصل الاجتماعي وعلى شكل مسودة قبل حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات من وقت إجراء الامتحان إذ لم تكن خطوط الإنترنت قد أوقفت بعد.

وفي الجزائر أعلنت الحكومة الجزائرية أنها قطعت خدمة الاتصال بشبكة الإنترنت خلال الساعة الأولى من أول امتحانين لشهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) وسيكون هكذا الحال في بداية كل امتحان من أجل منع الغش. وقالت وزارة الاتصالات في الجزائر إن قطع الشبكة سيستمر كل يوم ساعة قبل كل امتحان في الصباح وفي الظهيرة إلى نهاية الامتحانات “طبقا لتعليمات الحكومة من أجل ضمان السير الحسن لامتحانات الباكالوريا".

وأكدت وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال هدى إيمان فرعون، أن قطع الإنترنت لمدة ساعة كاملة في بداية كل امتحان لشهادة الباكالوريا لن يؤثر على سير المؤسسات العمومية المرتبطة بالشبكة.

وقالت فرعون إن عملية قطع الإنترنت ستعمل على تفادي إمكانية حدوث عمليات غش أو تسريب الأسئلة الخاصة بهذا الامتحان، وهو ما سيعطي مصداقية أكثر له، ويقي الممتحنين من الضغوط التي تعرضوا لها في الدورات الماضية.

وشهدت دورة باكالوريا 2016 عملية غش واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل أو في بداية كل امتحان، ما سمح للمتأخرين من الاستفادة من ذلك.

وفي 2017 حجبت شركات الهاتف المحمول والثابت الإنترنت مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذلك لم يمنع البعض من الولوج إليها.

وقررت وزارة التربية عدم السماح بأي تأخير لدخول الطلاب إلى مراكز الامتحان لمنع الاستفادة من أي تسريب محتمل، لكن ذلك أجبرها على تنظيم دورة خاصة للمتأخرين نظرا لعددهم الكبير.

وسائل مبتكرة للغش
وسائل مبتكرة للغش

وتم منع استخدام الهواتف واللوحات الإلكترونية في مراكز الامتحان البالغة 2108، سواء بالنسبة لأكثر من 709 آلاف ممتحن أو للأساتذة وموظفي الإدارة.وفي مدخل كل مركز امتحان يخضع الطلاب لتفتيش دقيق بجهاز الكشف عن المعادن، كما أكدت وزيرة التربية نورية بن غبريط التي أوضحت أن أجهزة تشويش وكاميرات مراقبة تم وضعها في مراكز طبع الأسئلة.

ويجتاز أكثر من 700 ألف طالب امتحان الثانوية العامة (باكالوريا) هذا العام تحت إجراءات أمنية وتنظيمية مشددة لتفادي الغش أو تسريب المواضيع سواء قبل أو بعد توزيعها في مراكز الإجراء.

وفي مصر أفادت مصادر إخبارية بأنه تم ضبط خمس وقائع “غش إلكتروني” داخل لجان الامتحانات بالتزامن مع انطلاق الاختبارات التي تعد الأهم في البلاد.

وقال رضا حجازي، رئيس امتحانات الثانوية العامة، في مؤتمر صحافي إنه تم ضبط خمس وقائع غش إلكتروني بهواتف نقالة أثناء أداء طلاب الثانوية العامة امتحان مادة التفاضل والتكامل.

 وأوضح حجازي أن بعض الطلاب استخدموا قلما لشطب رقم الباركود الموجود على كراسة الامتحان والذي يحدد هوية الطالب، قبل تصوير الامتحان ونشره عبر مواقع التواصل حتى لا يتسنى لفريق مكافحة الغش الوصول إليهم إلا أن فريق الغش تمكن من ضبط الطلاب المتسببين في نشر الامتحان.

رضا حجازي: تم تصوير الامتحان ونشره بمواقع التواصل وتم ضبط المتسببين بنشره
رضا حجازي: تم تصوير الامتحان ونشره بمواقع التواصل وتم ضبط المتسببين بنشره

وأعلنت الداخلية المصرية عن ضبط ستة أفراد من القائمين على تسريب امتحانات الثانوية العامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف المحمولة في خمس محافظات مختلفة.

وفي الأسابيع الماضية أعلنت إدارة امتحانات الثانوية العامة بمصر عن إغلاق العشرات من صفحات الغش الإلكتروني وضبط عدد من وقائع الغش داخل اللجان.

ويجرم القانون المصري الغش في الامتحانات بالمراحل التعليمية ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه (1100 دولار) ولا تتجاوز 50 ألف جنيه (2800 دولار) أو بإحدى العقوبتين.

وفي تونس صاحب انطلاق اختبارات امتحان الباكالوريا جدل واسع حول شبهة تسريب الاختبارات إلى جانب تبادل اتهامات بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي.

وترشح لاجتياز امتحان الباكالوريا في تونس هذا العام 132 ألفا و250 طالبا بينهم حوالي 108 آلاف طالب في القطاع العام وحوالي 19 ألف طالب في القطاع الخاص فيما ترشح 6 آلاف طالب بصفة فردية.

وشككت نقابات التعليم الثانوي في ظروف إجراء امتحان الباكالوريا، إذ قالت إن الاختبار تم تسريبه بعد دقائق قليلة من انطلاق التوقيت القانوني للامتحان، لكن وزير التربية حاتم بن سالم أكد أن "ظروف انطلاق الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا كانت جيدة رغم ما رافقها من تشكيك وشائعات".

وانتعش النقاش حول احتمال تسريب امتحان الباكالوريا قبل أيام منذ أن أعلنت وزارة التربية أنها ستنشر مواضيع الاختبارات بعد حوالي نصف ساعة من انطلاق التوقيت القانوني لبدء الامتحان.

17