تزايد الغضب من الإعلام المصري يمهد لإصدار تشريعات جديدة

يتفق المتابعون على أن الإعلام المصري لا يعاني أزمة واحدة، بل سلسلة من الأزمات، على رأسها، غياب التشريعات التي تنظمه وتواكب الحالة المصرية الحقيقية، والخلط بين دور الإعلامي والناشط السياسي، وغياب قانون ينظم تداول المعلومات بالمجتمع، وجرى تفجير قضية أزمة الإعلام في مؤتمر الشباب، الذي شهدته شرم الشيخ مؤخرا، من خلال جلسة ساخنة، تبادل فيها الإعلاميون الاتهامات.
السبت 2016/10/29
حالة فوضى

القاهرة - على مدار السنوات الخمس الماضية، لم ينقطع الحديث عن مشكلات الإعلام في مصر، والتي تراكمت إلى أن كونت فوضى تصعب السيطرة عليها، دون أن تكون هناك أي بوادر عملية لإصلاح الواقع السيء، بالرغم من الحديث المتكرر عن قرب إقرار القوانين المنظمة لعمل وسائل الإعلام المختلفة، من خلال “قانون الصحافة والإعلام الموحد”.

ورأى سياسيون، أن الإعلام، مثل كافة مؤسسات الدولة المصرية، ينتظر الإصلاح، ولأن دوره أكثر تأثيرا، فإن أخطاءه أكثر بروزا، وفي المقابل فإنه من غير المعقول تحميل الإعلام كل الفاتورة، وكأن الأداء الحكومي والبرلماني منضبط تماما، ولم يبق إلا الإعلام، الذي يتهمونه ببث الشائعات، وتضليل الناس.

وبدا من خلال جلسة الإعلام وصناعة الرأي العام، التي عقدت على هامش المؤتمر الوطني للشباب، الأربعاء الماضي، أن هناك حالة من السخط العام من فئات عِدّة، على الوضع الذي وصل إليه الإعلام المصري؛ أولها الكثير من الإعلاميين أنفسهم، والذين شارك البعض منهم في تلك الجلسة، بجانب رأي الدولة الرسمي من خلال رئيس الجمهورية، عبدالفتاح السيسي، وانتهاء بالشباب المشارك بالمؤتمر.

مكرم محمد أحمد: الصحافي، ليس زعيما سياسيا، ولا ينبغي له أن يكون شخصا محرضا

الإعلامي ليس ناشطا

كان الاشتباك اللفظي، بين اثنين من أكبر الصحافيين في مصر- خلال الجلسة- مناسبة لطرح القضية الأهم التي ينشغل بها الكثيرون من الإعلاميين المصريين حاليا، وهي: هل يحق للصحافي، أو الإعلامي، أن يكون ناشطا سياسيا، وما الحدود التي ينبغي أن يتوقف عندها الإعلامي في هذا الشأن؟

وشدد مكرم محمد أحمد، نقيب الصحافيين المصريين الأسبق، على أن الصحافي، ليس زعيما سياسيا، ولا ينبغي له أن يكون شخصا “مُحرّضا”، إذ أن الصحافة مهمتها أن تنقل الرأي والمعلومة والخبر، والقضية هي المصداقية والصدق.

واستطرد قائلا “الحرية ليست الفوضى ولكنها المسؤولية، فنحن في مصر بلد فقير يحتاج إلى الجهد، وإلى التوحد الوطني، وأن نكون كلنا ‘واحدا’، في مواجهة الشدائد، نعم إن التنوع مطلوب وضرورة، لكن هذا لا يعني تفكيك المجتمع، ونحن لدينا إشكالية في غياب الحرفية”.

وجاء كلام مكرم، ردا على حديث الإعلامي إبراهيم عيسي، خلال الجلسة، والذي قال فيها إن “هناك كُتّابا وصحافيين مسجونون في مصر الآن، بقانون العقوبات، الذي بات بحاجه إلى التعديل، بحيث تكون عقوبة السب والقذف من خلال الغرامة، ويمكن أن تُشدد العقوبة لتصل إلى مصادرة الوسائل الإعلامية المختلفة”.

ومع ذلك، طالب البعض من الإعلاميين المشاركين، باستخدام القسوة، وبضرورة تطبيق قانون العقوبات، على من يقومون بالسب والقذف والتشهير، بهدف الحد مما وصفوه بـ”تجبر الإعلاميين”، ومن ظنوا أنفسهم أنهم ليسوا قادة رأي فقط، ولكنهم قادة سياسيون.

ولفت الانتباه إلى أن الإعلاميين المشاركين، والذين راحوا يجأرون بالشكوى من الأمراض التي اعترت الإعلام المصري خلال الفترة الأخيرة، أبدعوا وانطلقوا في ممارسة هذه الأمراض ضد بعضهم البعض، خلال تلك الجلسة.

ينظر العديد من خبراء الإعلام إلى أن أزمة الإعلام الحقيقية في مصر الآن، تتمثل في انعدام الحرفية والمهنية، واللتين اختفتا، بسبب غياب التدريب، ودخول أشخاص إلى المجال الإعلامي، لم يتم تكوينهم، ثقافيا وسياسيا، بدرجة تؤهلهم للعمل، بل نزحت أخطاء وسائل التواصل الاجتماعي، لتهيمن على أسلوب التغطية الإعلامية، في الصحف والقنوات.

لا شك في أن غياب دور إعلام الدولة، في السنوات الأخيرة، كان سببا رئيسا في حالة الفوضى الحالية، فقبل خمس سنوات كان الإعلام الرسمي، مازال يحتفظ ببعض القوى المؤثرة، التي مكنته من ضبط المشهد الإعلامي (وإن كان ذلك بصورة نسبية).

صحافة المواطن اختزلت الدور المعرفي والتعليمي للصحافي المتمرس في مجرد سطور قصيرة على مواقع التواصل

ورأى حسين أمين، أستاذ الإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة- والذي شارك في الجلسة- في تصريحات لـ”العرب” أن غياب إعلام الدولة، جاء نتيجة لتغيرات مجتمعية كبيرة، وفي ظل نشاط قوى متطرفة، استطاعت أن تصل إلى الرأي العام، وهو ما أدى إلى زيادة حالات العنف داخل المجتمع، بالإضافة إلى تنامي الاستقطاب الحاد، وتغذية النعرات الطائفية، وهي الظواهر التي كانت تطفو على السطح بالتوازي مع حالة الانفلات التي شهدتها الفضائيات المحلية.

ولا يمكن فصل أزمة الإعلام المصري، عن الانتشار العشوائي للفضائيات، وغياب مدونات السلوك، فضلا عن التعددية غير المسؤولة للوسائط الإعلامية، وهو ما أفرز الوضع الحالي للإعلام.

لكن الأهم من ذلك كله، انتشار أخطر أنواع الصحافة على الإطلاق، وهو المتمثل في ما يسمى “صحافة المواطن”، والتي اختزلت الدور المعرفي والتعليمي للصحافي المتمرس، في مجرد سطور قصيرة، تتم كتابتها على مواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية.

وعلى جانب آخر، فإن أزمة الإعلام المصري، مرتبطة بعدم مواكبة القوانين المنظمة له في الواقع الحالي في مصر، إذ أن أغلب تلك القوانين، لم يتم تعديلها منذ سنوات طويلة، ومنها قانون المطبوعات، والمتعلق بكل ما له صلة بالنشر، ولم يتم تحديثه منذ أربعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى قانون نقابة الصحافيين، الذي لم يتغير منذ العام 1972.

ويخلط العاملون بالحقل الإعلامي المصري دائما بين الرقابة والتنظيم، وبالتالي فإن أي محاولة، من جانب البرلمان أو الحكومة، لإيجاد مرجعية لجميع وسائل الإعلام، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، يتم اعتبارها نوعا من التعتيم أو التضييق على الحريات.

وفي هذا السياق، ناقشت جلسة الإعلام بالمؤتمر، كيفية التعامل مع الأخبار المنشورة على الإنترنت، وقال الإعلامي إبراهيم عيسى، خلال كلمته بالجلسة، “إن المجتمع المصري يعاني من ‘فوبيا’ مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أن أي دعوة تخرج عنه، تصيب

دوائر القرار في الدولة والرأي العام بالفزع الشديد”.

وإذا كان المهتمون بالإعلام المصري، يشيرون إلى أن هناك فجوة بين ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي وما ينشر في الإعلام، إلا أن الأزمة الحقيقية، تكمن في اعتماد عدد من وسائل الإعلام التقليدية على ما يتم تداوله على الإنترنت من معلومات، دون التأكد من صحتها.

أخطاء وسائل التواصل الاجتماعي هيمنت على أسلوب التغطية الإعلامية في الصحف والقنوات الفضائية

إعلام الشبكات الاجتماعية

وأكد حسن علي، رئيس جمعية حماية المشاهدين المصريين، أن انتشار الشائعات، وتنامي أدوار مواقع التواصل الاجتماعي، مرتبطان أساسا بعدم وجود حرية في تداول المعلومات، فهناك أزمات يعانيها الصحافيون في التعامل مع العديد من المؤسسات الحكومية وغيرها، للحصول على معلومة، وليس في مصر قانون ينظم هذا الأمر.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن جلسة الإعلام وصناعة الرأي العام بالمؤتمر، لم تناقش المشكلة المتعلقة بتدفق المعلومات، والتي تعد مسألة مرتبطة بمدى إيمان الدولة بأهمية دور الإعلام، كما أن الجلسة أغفلت مسألة أن المؤسسات الإعلامية، غير مؤهلة للتعامل مع الرأي العام، وكذلك عدم وجود مراكز علمية لقياس الرأي.

ورغم أن الدولة المصرية، تدرك تماما المخاطر التي يسببها مستوى الأداء الإعلامي المنحدر، وطالما اشتكت منه، إلا أنها مع هذا ظلت على مدار العامين الماضيين، تكتفي بمجرد النقد والشكوى، دون أن تضع “خارطة طريق” واضحة، لعلاج تلك المشكلات، وكذلك فإنها أغفلت ملف التشريعات.

وأوضح ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامي، لـ”العرب”، أن إصلاح الوضع القائم حاليا مرتبط بجودة قوانين الإعلام الجديدة، ومدى كفاءتها في ضمان حرية الإعلام وعدم التضييق عليه، بالإضافة إلى تفعيلها وترجمتها في صورة قرارات، والأهم من ذلك، هو مدى كفاءة المشاركين في الحقل الإعلامي للتعامل وفقا لتلك القوانين.

وأثمرت الجلسة، تكليفات مباشرة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للحكومة، ببدء التنسيـق مـع مجلس النواب، للإسراع بالانتهاء من إصـدار التشريعات المنظمة للإعلام، والانتهاء من تشكيل الهيئـات والمجالس المنظمة للعمل الصحافي والإعلامي.

وركزت الجلسة على عدة أمور، أهمها الدور المتنامي لمواقع التواصل الاجتماعي في مواجهة الإعلام التقليدي، ومدى استغلال التيارات المتشددة لتلك الوسائل لتشكيل الرأي العام الداخلي، والفوضى التي تشهدها العديد من الفضائيات المصرية، والتي تسببت في العديد من المشكلات الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى التفرقة بين الخبر والتحليل والرأي.

18