تزايد النفوذ الإنجيلي يثير مخاوف الأقباط في مصر

الكنيسة الإنجيلية المصرية لعبت دورا حيويا بمساهمات فكرية وخيرية وثقافية، لكن هناك مراقبين حذروا من تصدّع العلاقات بين الطوائف المسيحية في مصر، بسبب محاولات كل طائفة جذب أفراد غير تابعين إليها، وهو ما نفاه أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، مؤكدا أن الإنجيليين إصلاحيون بطبعهم.
الخميس 2018/02/01
التوافق التام لم يكتمل بعد

القاهرة- مثّل تصاعد نفوذ الطائفة الإنجيلية في مصر ظاهرة ملفتة، ارتقت أحيانا لدرجة الأزمة مع الكنيسة الأرثوذكسية التي اتهمتها بمحاولة الكنيسة الإنجيلية استقطاب المسيحيين التابعين لها. وفي المقابل، لا يخلو النفوذ الإنجيلي المتعاظم من منافع للدولة المصرية، كما يرى بعض المراقبين، لأن الكنيسة الإنجيلية استطاعت بلورة علاقات جيدة مع دول غربية عديدة استفادت منها الحكومة المصرية، بما ضمن تحييد ملف مشاكل الأقباط الذي يمثّل ورقة ضغط دائمة على القاهرة وعلاقاتها الدولية.

وتقف الصراعات المبطنة بين الطوائف المسيحية في مصر أمام العمل الدعوي والإصلاحي الديني وتفتح بابا للخلافات المذهبية التي قد تشكّل خطورة على المجتمع المصري ككل.

منذ أن كشف الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس عام 2009 عن خطة إنجيلية تهدف إلى تحويل أرثوذكس مصر إلى بروتستانت خلال 20 عاماً، والأزمة بين الكنيستين لا تلبث أن تهدأ حتى تعود للاشتعال مرة أخرى.

أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر ومدير عام الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، نفى وجود أزمة، مؤكدا على عمق العلاقات الطيبة التي تربطه بالبابا تواضروس الثاني (بابا الأرثوذكس في مصر)، ودائما يتشاوران في كل ما يهم الكنيسة والوطن، ولا توجد بينهما خلافات.

الاتجاه الإصلاحي في الإسلام يساعد في الوصول لشكل الدولة بها يضمن حقوق وتواجد المسيحيين من منطلق المواطنة

وأشار في حوار مع “العرب” إلى أن هناك أساسيات إيمانية مشتركة كثيرة بين الطوائف المسيحية وثمة منطلقات فكرية ولاهوتية مختلفة وكل ما يحتاجون إليه احترام وتقبّل اختلافاتهم.

وتطرّق رئيس الطائفة للحديث عما يثار في “الصالونات الخاصة” حول ما يسميه البعض محاولة اختراق الكنيسة الأرثوذكسية وتحويل أتباعها إلى الإنجيلية عبر إغراءات مادية تتلقاها الطائفة من الخارج.

ويرى زكي أن كل شخص لديه قناعات داخلية بأنه على صواب، لكن هذا لا يعطيه الحق في غلق الباب على الآخرين أو الحكم والحجر على قناعتهم، ويجب أن يُعطي مساحة لقبول الآخر.

تتكون الطائفة الإنجيلية من 18 مذهبا أكبرها سنودس النيل الإنجيلي (الكنيسة المشيخية)، ويصل عدد أبنائها إلى مليوني مصري تقريبا، لتكون ثاني أكبر كنيسة في الشرق الأوسط بعد الكنيسة القبطية ولديهم 1500 كنيسة محلية.

وأكد رئيس الطائفة، أن كنيسته مثل جميع الكنائس تسعى إلى استقطاب من لا ينتمي إلى كنيسة ولا يذهب للصلاة، أما المسيحي الذي ينتمي إلى أيّ طائفة ويمارس العبادة الخاصة بها “نشجعه على ذلك، وربما هذا ما أوجد سوء الفهم لدى البعض ممن لا يفهمون طبيعة العقيدة المسيحية للظن بأننا نسعى إلى إغراء البعض من أجل الانضمام لكنيستنا”.

ولم ينف أندرية، الدور النشط للكنيسة الإنجيلية لكنه ليس “تبشيرا” كما يحلو للبعض أن يسميه، معتبرا “أنّ التبشير والإغراء بالمال تعكير للسلم الاجتماعي وأعمال غير شرعية”.

وأوضح أن التعليم والصحة من أكثر الملفات التي يوليها اهتماما، ولديه العشرات من المدارس والمستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة في البعض من المدن والمحافظات على أحدث مستوى من حيث التقنية الطبية والكفاءات.

لم يكن التبشير هو الاتهام الوحيد للنفوذ الإنجيلي المتصاعد بين الأقباط في مصر، فمحاولة الطائفة فرض وصايتها على أتباعها وتوجيههم سياسيا ككتلة واحدة في اتجاه معيّن لحصد أكبر كم من المنافع للمسيحيين، واحدة من أبرز الاتهامات التي وجهت للكنيسة الإنجيلية، خصوصا من قبل المتشدّدين وجماعات الإسلام السياسي بعد رصد حراك كنسي لتشجيع الأقباط للمشاركة في الثورة على حكم الإخوان.

ويرى زكي أن مستقبل المسيحيين يرتبط بشكل وثيق بمستقبل المسلمين المعتدلين مؤكدا أنه بتدعيم الاتجاه الإصلاحي والمعتدل في الإسلام يمكن الوصول لشكل الدولة بما يضمن حقوق وتواجد المسيحيين من منطلق المواطنة.

وشارك مسيحيو مصر في ثورة 25 يناير بقوة، لأنهم شعروا، كغيرهم من المصريين، بالتهميش والاستبعاد السياسي، واستطاعت الكنيسة بقدر من الحكمة أن توازن بين المواءمات السياسية وقت أن كان المتظاهرون في الشارع ونظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في الحكم إلى وقت صدور بيان من الكنيسة لتأييد مطالب الثوار قبل الوصول لمرحلة تنحى الرئيس الأسبق.

لم يخف البعض قلقه من الحراك النخبوي للإنجيليين واتساع نفوذهم في صفوف النخب المصرية عبر المؤتمرات المتنوعة التي تنظمها الهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية. ولم ينف زكي التواجد المستمر في الحياة الثقافية والاجتماعية، مشيرا إلى أن النخبة هي الفئة الأقدر على إدراك حاجات المجتمع.

ورصد زكي أن ثمة فجوات بين البشر، رؤى مختلفة وآراء متباينة، وإدراك هذه الفجوات والاختلافات ليس كافيًا، بل يجب أخذ مبادرة الذهاب إلى الآخر وبناء الجسور معه.

وقال زكي “إننا في مجتمع متعدد دينياً، ويجب أن تكون لديك معرفة بالآخر كما يقدّم الآخر لك نفسه، فنحن ندعو المسيحيين أن يعرفوا المسلمين كما يقدّمون أنفسهم، ويفهم المسلمون المسيحيين كما يقدّمون أنفسهم، فهذا يساعد على خلق خطاب ديني ناضج”.

الطائفة الإنجيلية تتكون من 18 مذهبا أكبرها سنودس النيل الإنجيلي (الكنيسة المشيخية)، ويصل عدد أبنائها إلى مليوني مصري تقريبا، لتكون ثاني أكبر كنيسة في الشرق الأوسط بعد الكنيسة القبطية

من هذا المنطلق أنشأت الكنيسة في أوائل الخمسينات، الهيئة الإنجيلية للخدمات التي استقلت عنها في 1960، وأصبحت خاضعة لقوانين وزارة التضامن الاجتماعي ومن كبرى مؤسسات المجتمع المدني المصري، وتقدّم خدماتها للجميع دون النظر إلى اللون أو الدين أو الجنس.

وأضاف، أن الهيئة الإنجيلية تسعى بأمل التغيير الاجتماعي الذي من شأنه دفع الوطن للأمام وتخدم سنويا 3 ملايين مصري في مجالات التنمية والصحة والزراعة والإسكان.

تعمل الهيئة التي يرأسها أندرية زكي كخلية لنشر ثقافة التسامح والتعددية وقبول الآخر والتعايش المشترك داخل المجتمع وخارجه، من خلال منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية الذي تم تدشينه عام 1992، يساعدها في ذلك الآلاف من المسيحيين والمسلمين والعديد من الأئمة والشيوخ والدعاة والقساوسة في المؤسسات الدينية، الإسلامية والمسيحية.

ورفض رئيس الطائفة التلميحات حول علاقة أنشطة كنيسته بكنائس الغرب أو كما يشاع بأن هناك دعما ماديا كبيرا تتلقاه الكنيسة الإنجيلية من الخارج، كي توسع من نفوذها أو تزيد من أنشطتها، متحديا أن يقدّم أحد دليلا على نشاط أو تعاون غير قانوني لكنيسته مع كنائس الغرب.

وقال في حواره “مصادر تمويلنا تعتمد على أمرين، الأول من خلال مشروعاتنا التنموية الخاصة بنا، والثاني متعلّق بتمويل منظمات وكنائس أجنبية لخدمة المجتمع ومشروعات ثقافية، وأكد أن جميع التبرعات التي ترد للهيئة من الخارج تخضع لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي طبقا للقانون.

ظلت مشاكل الأقباط واحدة من أوراق الضغط المعتادة للحكومات الغربية على الأنظمة السياسية المتعاقبة في مصر، في ظل دور أقباط المهجر الذي يراه البعض تحريضيا ضد الدولة.

ووفقا لمحللين، يبدو نفوذ الطائفة الإنجيلية المتصاعد مصلحة للنظام السياسي المصري لاعتبار الكنيسة الإنجيلية واحدة من القوى الناعمة للنظام ونافذة المسيحيين في مصر على الكنائس في أوروبا والولايات المتحدة، بما يعنيه ذلك من قدرة على إدارة علاقة تلك الكنائس وتأثيرها على أصحاب القرار السياسي في هذه الدول لمواجهة الاتهامات الغربية المتكررة.

يتجاوز عدد الإنجيليين مليار شخص في العالم من إجمالي المسيحيين البالغ 2.6 مليار، منهم مليار و100 مليون كاثوليكي، وحوالي 400 مليون أرثوذكسي وباقي الطوائف.

12