تزايد مظاهر الفصل بين الجنسين يعيد المرأة إلى عصر الجواري

انتشرت في مصر مؤخرا أماكن مختلفة تحرص على فصل الإناث عن الذكور مهما اختلفت أعمارهم، فيما يمكن اعتبارها ظاهرة جديدة تؤسس لمجتمع مواز يحمل شعار "للنساء فقط".
الأحد 2015/11/29
شركة لسيارات الأجرة "وردية اللون" للنساء تقودها سيدة لمواجهة ظاهرة التحرش

القاهرة - وصف بعض المراقبين انتشار ظاهرة الفصل بين الجنسين بـ"الردّة الحضارية" بما تمثله من انحراف عن مفهوم الدولة المدنية التي يطالب بها المصريون، وتكريس جديد للدولة الدينية التي كانت أحد أهم أسباب ثورتهم على حكم جماعة الإخوان. والبعض الآخر فسر ما يجري بأنه شكل من أشكال المظاهر الاجتماعية، ولم يتحول بعد إلى ظاهرة، وأرجعوا سبب الانتشار إلى عجز الدولة عن توفير الحماية اللازمة للسيدات، فاتجه البعض للحل الأسهل، وهو الفصل الإرادي لمن يريد.

للإنصاف فإن فكرة الفصل ليست جديدة تماما، لأن هناك مدارس عديدة معروفة منذ عقود بالفصل بين الطلاب والطالبات في ساعات الدراسة فقط، وأخرى تضعهم في فصول منفصلة، وربما بنايات منفصلة، كما توجد مدارس للراهبات تكون إما أولادا فقط أو بنات فقط، أيضا هناك الفصل الإجباري في المدارس والكليات التابعة لمؤسسة الأزهر.

المثير أن هذه الظاهرة زحفت إلى الفضاء العام، مثل ظهور شركة لسيارات الأجرة "وردية اللون" تقودها سيدة، وتخصيص عربات في مترو الأنفاق للسيدات فقط، بالإضافة إلى أماكن تحدّد وقتا للنساء للاستمتاع بحمّامات السباحة وصالات الألعاب الرياضية واللياقة البدنية، كما خصصت بعض المطاعم ساعات أسبوعية للنساء فقط، وانتشرت الشواطئ النسائية ومحظور على الرجل الاقتراب منها، كما بادرت بعض المقاهي برفع شعار "للنساء فقط".

وقالت نيفين مسعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ"العرب" إن الأصل في تلك المجتمعات أن المرأة شريكة للرّجل في كل شيء، والفصل بهذه الطريقة ليس في صالحها، لأنه سيظهرها على الدوام في شكل الطرف الضعيف الذي يجب حمايته.

لكن هذا التوجه ونموّه في المجتمع المصري له مخاطر أبرزها، كما قالت مسعد، أنه يهدد أسس الدولة المدنية التي يسعى إليها المصريون ويكرسها دستور مصر لعام 2014، وأن تزايد مظاهر الفصل وخروجه من الخاص إلى العام من شأنه أن يرجع بالمرأة في غضون الأعوام المقبلة إلى عصر الجواري والحريم إبّان الحكم العثماني.

الفصل بين الجنسين أمر طبيعي في ظل مجتمع تعاني فيه المرأة المصرية من مخاطر كثيرة بالأماكن العامة

وأكدت أن هذا الاتجاه بمثابة ترسيخ لصورة المرأة، باعتبارها كائنا مثيرا للرغبات الجنسية من الضروري فصله عن الرجال من خلال وضعها خلف سياج سميك إن تجاوزته تتهم بأنها دعوة منها للتحرّش بها.

صحيفة “الغارديان” البريطانية في تقرير لها تحت عنوان "نحتاج إلى الفصل" دعت أيضا إلى التوسع في الفصل بين الرجال والنساء لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي التي تتزايد في الشارع المصري، وبالرغم من أنه سيزيد الفجوة في الاتصال بين الذكور والإناث، لكنها دافعت عنه بأنه لا يعدّ فصلا تعسفيا مثلما يحدث في بعض البلدان.

الدكتورة مها عبدالفتاح أستاذ علم الاجتماع تختلف مع الصحيفة البريطانية باعتبار أن الفصل بين الجنسين يعد تشويها لعلاقة الرجل بالمرأة وتدنّيا لمكانتها.

وأوضحت أن الحل يكمن في الاجتهاد لتربية الذكور على كيفية احترام المرأة وتعزيز وضعها الاعتباري في خانة المواطنة وليس الجنس.

وقالت مها لـ”العرب” إن وجود الأولاد في حياة البنات من وجهة نظرها لا بد أن يكون منذ الطفولة لكي يتقبّل كل منهما الآخر في مراحل الحياة المختلفة، وهو ما لا توفره عملية الفصل، ما يوسع الفجوة بين الجنسين وتكوين صور نمطية مغلوطة عن الطرف الآخر.

وتدعم أستاذة الاجتماع وجهة نظرها بدراسات أثبتت أن الجامعات والمدارس التي يوجد فيها فصل بين الأولاد والبنات تزداد فيها حالات التحرش، لأن عالم المرأة مجهول بالنسبة إلى الرجل، وهو ما يجعله يشغل حيزا كبيرا من تفكيره وسلوكياته، بينما الاختلاط بين الجنسين يجعل العلاقة الإنسانية بينهما طبيعية.

الفصل الجنسي ناتج من ثقافة مستوردة أو ذريعة للمدّ الديني المتطرّف، لأن المجتمع المصري محافظ بطبعه

لكن حمدي الشرقاوي أستاذ الدراسات الإسلامية لا يتفق مع فكرة أن الفصل الجنسي ناتج من ثقافة مستوردة أو ذريعة للمدّ الديني المتطرّف، لأن المجتمع المصري محافظ بطبعه.

وأشار الشرقاوي في تصريحات لـ”العرب” إلى أن هناك دراسات كانت تنادي بعدم الفصل، وأكدت أن الفصل يمنح الإناث فرصاً أفضل ويؤهلهن لحياة يؤدين فيها أدواراً متعددة ومتداخلة في شكل أمثل.

وفي السياق ذاته قال الدكتور محمد عبدالفضيل القوصي، وزير الأوقاف المصري الأسبق، إن الفصل بين الجنسين لا يمثل تهديدا للدولة المدنية، وإنما هو أمر طبيعي في ظل مجتمع تعاني فيه المرأة المصرية من مخاطر كثيرة بالأماكن العامة.

وأوضح القوصي لـ”العرب” أن هذه الظاهرة موجودة في كثير من دول العالم، فهناك دول غربية تخصص أماكن معينة للسيدات في وسائل المواصلات، وبالتالي لا ينبغي تسييس القضية وإعطاؤها حجما أكبر من حجمها.

الفصل بين الجنسين طالبت به أيضا بعض القيادات المسيحية، حيث دعا البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى تطبيقه في مرحلتي الإعدادي والثانوي على أن يسمح بالاختلاط في المرحلتين الابتدائية والجامعية.

وأكدت أماني قنديل رئيسة الشبكة العربية للمنظمات الأهلية لـ”العرب” أن الفصل لا يرتبط بالتوجه الديني أو المدني، لكنه يرتبط باعتبارات اجتماعية، إذ أن السيدات والفتيات في مصر يتعرّضن لانتهاكات مستمرة ومسكوت عنها، والسبب في ذلك تدنّي الأخلاق في العقود الأخيرة.

وهو ما عكسه ارتفاع نسب التحرش والعنف في المجتمع، لذلك يمثل الفصل وسيلة اجتماعية لحماية المرأة المصرية من المخاطر والمضايقات التي تتعرض لها ولا يمثل تهديدا حقيقيا للدولة المدنية، خاصة أنها تنتشر فقط في المدن الكبرى كالقاهرة والجيزة ولا توجد في الريف المصري أو المدن الصغيرة، لأن العادات والتقاليد تساهم في حماية المرأة بالأماكن العامة.

21