تزعزع الثقة في النظام المالي يعمق أزمات اللبنانيين

تفاقم أزمة السيولة النقدية مع انحسار تدفق الودائع للبنوك يثير مخاوف المواطنين.
الخميس 2019/11/14
استراحة مؤقتة قبل مواصلة الضغوط

اتسعت مخاوف الأوساط الشعبية اللبنانية من احتمال انهيار النظام المالي وفقدانها مدخراتها في نهاية المطاف، في ظل استمرار محدودية التمويلات المنتظمة وانحسار السيولة النقدية من السوق في ضوء تنامي الضبابية السياسية والتدهور في البيئة التشغيلية للبنوك.

 بيروت – بلغت مرحلة تزعزع ثقة اللبنانيين في النظام المالي مرحلة حرجة للغاية مع انسداد الأفق السياسي، ما دفع الخبراء إلى التحذير من دخول الاقتصاد في متاهة لا يمكن لأحد التنبؤ بعواعقبها.

وارتفع منسوب تذمر شريحة واسعة من المواطنين من سياسات النظام المصرفي حتى قبل تفجر الاحتجاجات، التي أرغمت رئيس الوزراء سعد الحريري على الاستقالة، مما بدد الثقة في النظام المالي الذي ظل لفترة طويلة من ركائز الاستقرار.

ويعمل فقدان الثقة على تآكل السيولة في القطاع المصرفي، الأمر الذي يزيد المخاوف من أن تصل البنوك إلى نقطة تعجز فيها عن مساعدة الحكومة على تمويل العجز المرتفع في الموازنة وفي ميزان المعاملات الجارية.

وتكافح معظم الأسر اللبنانية، من بينها أسرة الطالبة اللبنانية فاطمة جابر لسداد قروض متعددة حصلت عليها بفوائد عالية.

وحتى قبل بداية الاحتجاجات كانت فاطمة قد بدأت تفقد الثقة في النظام المالي، لكنها أصبحت تعتقد الآن مثل قطاع كبير من اللبنانيين أن النظام انهار.

وتقول فاطمة ذات الـ22 ربيعا والمشاركة في الاحتجاجات مع مجموعة صغيرة خارج مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت لوكالة رويترز، “نحتاج تغيير النظام لأن كل شخص لديه قرض على الأقل من البنك وأسعار الفائدة عالية جدا ولا نستطيع دفعها”.

فاروق سوسة: تقليل سحب النقد الأجنبي سيسمح للبنوك بمواصلة العمل
فاروق سوسة: تقليل سحب النقد الأجنبي سيسمح للبنوك بمواصلة العمل

ويتعين سداد القروض الدولارية بالعملة ذاتها وهو أمر صعب بسبب نقص العملة الصعبة في لبنان حيث يعاني كل مقترض من ضائقة مالية نظرا لبلوغ الفائدة السنوية على بعض القروض نحو 27 بالمئة.

وخفف رياض سلامة حاكم مصرف لبنان المركزي من حدة المخاوف الاثنين الماضي بقوله إن “البنك لديه احتياطي قابل للاستخدام من العملة الأجنبية يبلغ 30 مليار دولار وأن إجمالي احتياطياته يبلغ 38 مليار دولار”.

وأضاف أن البنك اتخذ خطوات لحماية المودعين بضمان عدم انهيار أي بنك من البنوك وأنه سيسعى لخفض أسعار الفائدة من خلال إدارة السيولة.

لكن فرض قيود من جانب البنوك على سحب الدولار والتحويلات الخارجية أخفق في استعادة الثقة فيها وأجّج نيران الاحتجاجات وأدى بالمصارف إلى إعلان الإضراب العام نظرا لتعرضها للعنف من قبل المحتجين.

ودق خبراء اقتصاد لبنانيون نواقيس الخطر بعد ظهور مؤشرات عن انهيار النظام المالي للبلاد بالنظر لتعثر الإصلاحات الحكومية والفشل في إيجاد تمويلات تنقذه من شبح الانهيار الكامل.

وقدر غابريس إيراديان كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد التمويل الدولي، انخفاض ودائع العملات بما لا يقل عن 8 مليارات دولار منذ أغسطس الماضي.

ونسبت وكالة رويترز لغياس جوكنت من جي.بي مورغان سيكيوريتيز قوله إن ”الاحتياطيات مرتفعة بما يكفي لضمان الحفاظ على ربط العملة اللبنانية بالدولار لكن لا تزال هناك بعض المؤشرات المقلقة”.

ويرى خبراء أن صافي احتياطات البنوك بالعملات الأجنبية يتناقص بسرعة بفعل فرض قيود على رأس المال وتآكل الحاجز الواقي له مما عرقل جذب الودائع أو خطوط الائتمان وقلل من قدرتها على تمويل عجز المعاملات الجارية الحكومية.

وكانت الحكومة، التي أعلنت استقالتها، قد أجبرت البنوك في وقت سابق على زيادة رأس مالها مما فرض ضغوطا إضافية على احتياطيات المصرف المركزي وأثار الجدل حول توفير السيولة اللازمة.

وسجلت التدفقات المالية التي عرفت ذروتها عام 2014 تراجعا ملحوظا مؤخرا نظرا لتراجع ثقة اللبنانيين في المهجر في النظام المالي بسبب مخاوف من حدوث انهيار اقتصادي.

ويقول هاني سالم الذي يحمل الجنسيتين البريطانية واللبنانية ويعمل في بريطانيا مستشارا بالقطاع المالي “لا يوجد شخص عاقل أو طبيعي سيحول أمواله إلى لبنان في الظروف الراهنة”.

وكانت التدفقات المالية من الخارج بمثابة شريان حياة للبنوك والحكومة في ما سبق. غير أن عملية تحويل السيولة الدولارية من البنوك إلى المصرف المركزي لسد الفجوة التمويلية لدى الحكومة في عملية تسمى “الهندسة المالية” انهارت أيضا.

ويرى سلامة أن من الضروري إدارة السيولة وأن بإمكان البنوك الاقتراض بالدولار بفائدة 20 بالمئة لتأمين احتياجات المودعين بشرط عدم تحويل هذه الأموال للخارج.

ويقول فاروق سوسة الاقتصادي ببنك غولدمان ساكس الاستثماري إن استخدام البنوك لإجراءات استثنائية لتقليل سحب النقد الأجنبي إلى الخارج وتأني السلطات التنظيمية سيسمح بمواصلة العمل في ظل الظروف الراهنة.

8 مليارات دولار قيمة الودائع التي تبخرت منذ أغسطس الماضي، وفق معهد التمويل الدولي

وأضاف “ما دام هذا هو الحال ستظل البنوك قادرة على الوفاء بالتزاماتها”.

غير أن وكالتي موديز وفيتش للتصنيفات الائتمانية خفضتا تصنيف أكبر البنوك اللبنانية إلى تصنيف عالي المخاطر وقال مصرفي محلي إن بعض البنوك الدولية التي تعمل بنظام المراسلة تشعر الآن بحذر أكبر في توفير السيولة الدولارية.

كما أبدى مصرفيان شكوكا في قدرة البنوك على الوفاء بالهدف الذي وضعته السلطات التنظيمية لرفع المستوى الأول من رأس المال، وهو ما يعد مقياسا مهما لقوة الوضع المالي، بنسبة عشرة في المئة بنهاية العام من خلال ضخ السيولة.

ولم يتخلف لبنان قط عن سداد التزامات دينه الخارجي، رغم نوبات متكررة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

وتظهر حيازات البنك المركزي من الأوراق المالية الحكومية أن لدى بيروت خيارات لإدارة الدين في المدى القريب ربما تحد من خسائر القطاع الخاص في حالة التخلف عن السداد، حسبما قالت موديز.

البنوك لم تعد قادرة على الإيفاء بإلتزاماتها
البنوك لم تعد قادرة على الإيفاء بإلتزاماتها

وتقول موديز إن خيارات مثل تمديد أجل استحقاق الدين أو إلغاء ديون في حيازات المركزي من أدوات الدين التي تعادل ما يصل إلى 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ربما تساعد، ما بقي ربط الليرة بالدولار الأمريكي قائما.

ولكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن تلك الخيارات تتقلص كلما طال أمد الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان.

ويحمل لبنان واحدا من أثقل أعباء الدين في العالم، إذ يعادل دينه العام نحو 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وأبدى البنك الدولي الأسبوع الماضي، تشاؤمه حيال الأوضاع الاقتصادية في لبنان، قائلا إن الوضع في البلاد يتجه أكثر نحو الخطورة مع مرور الوقت.

وأشار إلى أن حكومة تصريف الأعمال في لبنان والجهات الاقتصادية والمالية السيادية، مطالبة باتخاذ إجراءات سريعة لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي للبلاد.

ومع ذلك، أبدى استعداده بالشراكة مع المجتمع الدولي لتقديم الدعم الممكن لحكومة لبنانية جديدة، خلال الفترة القريبة المقبلة.

11