"تزوير التاريخ ونشر الشائعات" تهمة جاهزة للصحفيين الإيرانيين

الثلاثاء 2014/05/27
الصحف تخضع لسيطرة الحكومة الإيرانية بشكل مباشر أو غير مباشر

طهران – تعتبر حرية الرأي في إيران الأسوأ بين دول العالم، وفي تراجع مستمر، حسب التقارير الدولية، ويواجه الصحفي الإيراني تهما جاهزة عند تجاوز المحظورات السياسية والدينية وتخطي "الحدود الحمراء" التي وضعها نظام الملالي.

أصدرت محكمة إيرانية حكما قضى بإدانة كاتب مقال ورئيس تحرير إحدى الصحف الإصلاحية الممنوعة من الصدور منذ أشهر، وذلك على خلفية مقال نشر مؤخرا شكك في الأسس التي تقوم عليها فكرة الإمامة لدى الشيعة. وأدانت المحكمة سعيد بورعزيزي رئيس تحرير صحيفة “بهار” الإصلاحية، المتوقفة منذ أكتوبر الماضي، بجريمة “نشر دعاية مضادة للدولة ونشر الشائعات والأكاذيب،” علما أن بورعزيزي كان قيد التوقيف لفترة وأطلق سراحه بكفالة.

كما أدانت المحكمة كاتب المقال، علي أصغر غروي، وفقا لما نشرته وكالة أنباء الطلبة الإيرانية "ايسنا" بتهم بينها "الكتابة ضد مبادئ الإسلام ونشر الشائعات". كما اعتبرت أن الصحيفة مدانة أيضا بنشر معلومات مغلوطة، على أن يصدر الحكم لاحقا بالعقوبة المقررة لمدير التحرير والكاتب، والتي قد تصل إلى السجن، وكذلك للصحيفة، التي قد تواجه الإغلاق النهائي.

وكان المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين إيجائي، قد أعلن في أكتوبر الماضي، اعتقال الكاتب علي أصغر غروي بعد نشره للمقال، وتعليق صدور الصحيفة، وسط تحذيرات لرئيس السلطة القضائية، صادق لاريجاني، من التحرك "بحزم" ضد من قال إنهم يحاولون "تزوير التاريخ".

وكان ما كتبه غروي قد دفع الصحيفة إلى إصدار اعتذار عن المقال الذي حمل عنوان "الإمام: زعيم سياسي أم نموذج إيماني؟" والذي شكك في الكثير من المسلمات الشيعية.

واستند غروي في مقاله إلى الخطب والمقولات المنسوبة إلى علي بن أبي طالب في كتاب "نهج البلاغة" معتبرا أن الخليفة ينتخب باختيار الشعب.

في التقرير السنوي لمؤسسة "فريدم هاوس" لحرية الصحافة جاءت إيران في المرتبة الـ 190

ولم تكن هذه الحادثة إلا واحدة من الأمثلة على تشديد قبضة السلطة في إيران على حرية الصحافة، ففي وقت سابق طلب رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء حسن فيروز أبادي من وسائل الإعلام الإيرانية دعم الحكومة وتجنب نشر "شائعات أو اتهامات بلا أساس"، على حد قوله، إذ تنتقد وسائل الإعلام المحافظة بانتظام المفاوضات النووية بين إيران والدول الكبرى التي استؤنفت بعد انتخاب حسن روحاني رئيسا للبلاد في يونيو 2013 بدعم من المعسكر الإصلاحي والمعتدل. وهو ما يعتبر محاولة من قبل الحكومة لخلق صورة إعلامية أمام الرأي العام عن تيار محافظ يرفض المفاوضات مع المجتمع الدولي ويتمسك بالمضي في التجارب النووية، ( وهو ما يوافق السياسة الإيرانية بهذا الشأن)، رغم أنه من المعروف أن هذا الملف يخضع لسلطة الزعيم الأعلى من الألف إلى الياء، ولا يستطيع حتى روحاني نفسه اتخاذ قرار فيه.

وصرح فيروز أبادي بأن "بعض المعلومات لا قيمة لها وتثير الخلاف، وأخرى شائعات واتهامات بلا أساس"، على ما نقلت صحيفة شرق الإصلاحية. وتابع "حتى بعض وسائل الإعلام المرتبطة بشكل أو بآخر بالقوات المسلحة تقع في أخطاء”، من دون تسمية الهيئات الصحفية. وأضاف أنه على هذه الوسائل “تصحيح سلوكها وإلا فسنتخذ إجراءات ضدها".

كما ذكر بأن المرشد الأعلى علي خامنئي "طلب دعم الحكومة وتجنب إصدار قصص وانتقادات محقرة (قد) تثير التوتر في المجتمع". فيما واصلت، وكالة فارس وموقع تسنيم الإخباري وصحف كايهان وجاوان ووطن-امروز تكثيف الانتقادات بخصوص طريقة إدارة المفاوضات وأكدت أن إيران أفرطت في تقديم التنازلات.

وهنا اكتفى فيروز أبادي بالتحذير والوعيد في ما يخص المفاوضات النووية التي تشهد شدا وجذبا من طرف الإيرانيين، لكن عندما يتعلق الأمر بالمطالبة بالحريات الحقيقية في البلاد وإفساح المجال لحرية الصحافة والإعلام، فإن الصحفيين يتعرضون للاعتقال والملاحقة بسبب تجاوز "الخطوط الحمراء"، وتقول المصادر إن هناك قيودا كبيرة، فالصحافة المستقلة شبه معدومة في إيران، وخاصة منذ انتخابات عام 2009. وأغلب وسائل الإعلام تخضع لسيطرة الحكومة بشكل مباشر أو غير مباشر، والإعلام تحت مراقبة قوات الأمن.

تم إيقاف الصحف التي حاولت طرح القضايا الحساسة والمستعصية في البلاد

وتعتبر حرية الرأي في إيران الأسوأ بين دول العالم، وفي تراجع مستمر، وتشير الإحصائيات الدولية، ومنها مؤسسة "فريدم هاوس" الأميركية غير الحكومية في تقريرها السنوي لعام 2014 لحرية الصحافة، والذي شمل 197 دولة من العالم، إلى أن إيران جاءت في المرتبة الـ 190، كما جاءت في المرتبة 173 لحرية الصحافة في التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2013.

وذلك نظرا إلى بنية النظام الإيراني الممتنعة عن الانفتاح بسبب الأيديولوجية الدينية التي يستمد منها النظام قراراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يشكل عائقا حقيقيا أمام حرية التعبير، بحيث يرى النظام أن أي نقد لسياساته الداخلية والخارجية هو بمثابة تشكيك في مشروعية النظام الإسلامي في إيران.

وعندما استلم حسن روحاني مقاليد الحكم اعتمد في سياساته الداخلية نوعا من الدبلوماسية المرنة المصحوبة ببعض الحريات الشكلية، والتي عادة ما تفرض نفسها في إيران عندما تأتي حكومات تتخذ لنفسها شعارات براقة، وحاولت بعض المؤسسات الإعلامية، ومنها الصحف اليومية كجريدة "ابتكار" و"بهار" و"آسمان" وكذلك جريدة "9 دي الأسبوعية"، طرح القضايا الحساسة، والمستعصية في البلاد، إلا أنه سرعان ما تم إيقافها بحجج واهية. وفي هذا الخصوص انتقد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الرئيس روحاني، حيث طالب بالإفراج عن النشطاء والصحفيين، وأكد أن هؤلاء محتجزون لدى السلطات الإيرانية بسبب ممارستهم حقوقهم في حرية التعبير، وتشير الإحصائيات للمنظمات الحقوقية الإيرانية والمعارضة لنظام طهران، إلى أن نسبة الإعدام في الـ 9 أشهر الماضية من حكومة روحاني تضاعفت مقارنة بالنسبة إلى عهد أحمدي نجاد.

18