تزوير العلوم الإسلامية.. أردوغان يبني أمجاده بتاريخ عثماني مزيف

استهداف جمهور محدود الثقافة التاريخية بتاريخ "معدل" لماض بعيد، وسياسة تضرّ بالمسلمين وتقوي الخطاب الشعبوي ضدهم.
الأربعاء 2018/12/05
العيش في وهم التاريخ

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه يعتزم إعلان سنة 2019 عام “البروفيسور فؤاد سيزكين لتاريخ العلوم الإسلامية”. ورحب متابعون بتكريم سيزكين، الذي توفي في صيف 2018، تاركا كتبا عديدة حول الإسلام والعلوم والفيزياء والفكر والطب والفلك وغيرها، لكن في نفس الوقت تطلعوا بريبة إلى مقاصد أردوغان وغايته من إكثار الحديث عن تاريخ العلوم الإسلامية، وتحديدا في الفترة العثمانية، وهو الذي يعمد إلى توظيف التاريخ في خدمة تطلعاته إلى إحياء تاريخ الباب العالي وتمجيد الماضي حتى لو كان عن طريق تجميله وتزويره.

لندن - أصبحت الأخبار الزائفة مصدر قلق عالمي تسعى الحكومات والشركات ومؤسسات الإعلام التقليدي إلى التصدي لها نظرا لتأثيرها على الرأي العام، لكن تزييف التاريخ، أصبح أيضا ظاهرة تحتاج التوقف عندها ومتابعتها، فالأمر لا يخلو أيضا من مساع للتأثير في الرأي العام والبحث عن تحقيق غايات سياسية بحقائق مغلوطة، على غرار سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أطلق حملة إعلامية قوية للترويج لتاريخ “معدل” لماض إسلامي صار بعيدا، ولصورة  بطل مسلم “أسطوري”، يسعى أن يكون هو، مستهدفا جمهورا معاصرا، معروفا  عنه أنه لا يقرأ، وكل معرفته بالتاريخ لا تتعدى ما تعرضه الدراما.

معروف أن أردوغان اتبع سياسة لتغيير مناهج التعليم في تركيا للتقليص من تاريخ الدولة الأتاتوركية والعودة إلى التركيز على تاريخ الدولة العثمانية، لكن الأزمة مع أردوغان تتجاوز حدود تركيا، لتطال جمهور المسلمين، (العرب بصفة خاصة)، ولتصبح شديدة الخطورة حين تتحول إلى تزوير يشوّه صورة الإسلام والمسلمين، خصوصا في مرحلة مثل التي يعيشونها اليوم من تصاعد في الإسلاموفوبيا والخطابات الشعبوية التي تربط بينهم وبين الإرهاب.

يبرز هذا الخطر من خلال موقف سجّله الباحث في تاريخ الإمبراطورية العثمانية نير شفير، في مقال مطول نشرته مجلة آيون الفكرية، يرصد ما اعتبره الكاتب صراحة “تزويرا في تاريخ العلوم”، مشيرا إلى أن “منمنمات زائفة تصور العلوم الإسلامية وجدت طريقها إلى أكثر المكتبات وكتب التاريخ مهابة”.

نير شفير: ما هي بالضبط صورة العلم في الإسلام التي نأمل في إيجادها
نير شفير: ما هي بالضبط صورة العلم في الإسلام التي نأمل في إيجادها

يقول شفير إنه اكتشف هذا التزوير بينما كان يستعد لتدريس موضوع بعنوان “العلم والإسلام” في الربيع الماضي. لكنه لاحظ شيئا غريبا يتعلق بالكتاب الذي كان على وشك إقراره لطلبته. لم يكن الأمر يتعلق بالنص (الذي هو ترجمة رائعة لموسوعة عربية قروسطية) بل بالغلاف. أظهر الرسم علماء يرتدون عمائم وملابس شرق أوسطية قروسطية يفحصون السماء المرصعة بالنجوم عبر مناظير. وتدعي المنمنمة بأنها من الشرق الأوسط قبل الحداثة، لكن ديفيس رأت أن شيئا ما كان خاطئا.

ويشرح بقوله “إضافة إلى كون الألوان زاهية أكثر من اللزوم بقليل، وضربات الفرشاة نظيفة أكثر من اللزوم بقليل، ما أزعجني هو المناظير. أصبح المنظار معروفا في الشرق الأوسط بعد أن طوره غاليلي في القرن السابع عشر، لكن تقريبا لا وجود لرسومات أو منمنمات إسلامية قبل ذلك، تصوّر غرضا مثل هذا”.

ويؤكد شفير، الذي استحضر عبارة القزويني، خلق “إحساسا بالدهشة”، في توصيفه للغاية من مثل هذا التزييف، “عندما تفحصت الصورة كاملة برز وجهان آخران، أحدهما ينظر أيضا عبر منظار في حين كان الثاني يسجل ملاحظات بينما كانت يده تدير كرة أرضية، وهو غرض آخر قلّما ظهر في الرسوم. لكن التناقض الأبرز كان قلم الريشة في يد الشخص الرابع، في حين كان علماء الشرق الأوسط دائما يستعملون أقلام قصب للكتابة. وعند هذا الحد بدا أن ما من شك في أن الرسم على الغلاف كان تزويرا معاصرا متنكرا في شكل رسم من القرون الوسطى”.

ويضيف أن “الصورة الموجودة على غلاف الكتاب الذي كنت سأقرره لطلبتي (رجال ينظرون في السماء ليلا عبر منظار) هي نسخة من الوجوه الموجودة في منمنمة مرقب إسطنبول. لكن يحوّل المزور بسهولة عالما يرفع آلة السدس أمام عينه ليقيس مسافة الزاوية بين الأجسام الفلكية إلى رجل يستخدم منظارا في الوضع نفسه. إنه تغيير دقيق لكنه يبدل معنى الصورة بشكل كبير، عن طريق إلصاق أداة لا نملك عنها أي أوصاف مرئية في المصادر الإسلامية، لكننا نربطها تلقائيا بالعمل الفلكي في عصرنا الحالي”.

ريادة عثمانية

في تعليقه على ما جاء في مقال شفير، يشير وليد عبدالله، وهو أكاديمي متخصص في الشؤون التركية، إلى أنه ما من شك في أن هناك غاية مقصودة من مثل هذه الأعمال “المزيفة”، وهدفها الإيحاء بأن هناك ريادة عثمانية في العلوم والفنون، وتريد أن تثبت كيف وصل العمل التركي (العثماني) إلى استخدام جميع الوسائل المتاحة للوصول إلى المواطن العربي، ومحاولة استنباط صورة ناصعة للخلافة العثمانية في الأذهان، وهو يعلم أن الذاكرة العربية تحتفظ بالكثير من المآسي المرتبطة بفترة الحكم العثماني.

ويضيف عبدالله لـ”العرب” أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحلم ببعث الخلافة العثمانية وتصدر زعامة العالم الإسلامي، من خلال تمجيد ذلك التاريخ، حتى وإن كان من خلال تزوير لا يتفطن إليه العامة من الناس، لذلك حول هذه الحقبة الممتدة إلى أداة للترويج العلمي والثقافي، وهو ما يظهر في خطبه ونبرة صوته، لأن هذه الطريقة لا تجعل أفكار الإسلام السياسي راسخة في عقول المؤيدين فقط، لكنها أيضا تزعزع أصحاب الآراء المعارضة لتلك الرؤى السياسية.

Thumbnail

ويقول عبيدالله زورلو، المحلل السياسي التركي، إن الأيديولوجية التركية، التي يحاول فرضها حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، تجبره على خلق معلومات مضللة وغير حقيقية في كافة مناحي الحياة، ومنها تقديم تاريخ العلوم بصورة منافية للحقائق والثوابت.

ويوضح لـ”العرب” أن الحكومة التركية استعانت بالقوة الناعمة لترسيخ أفكارها المضللة، فمثلما دعمت أعمالا درامية وسينمائية تاريخية، أغلبها مزورة، وقامت بتعريبها من أجل الوصول إلى قلب وعقل المواطن العربي، سعت أيضا إلى صناعة أمجاد ووقائع علمية تحدث عنها التاريخ تحاول من خلالها الترويج لعظمة الحضارة العثمانية والثراء السياسي والاجتماعي والعلمي والثقافي الذي ميزها.

وكان أردوغان قال في أحد خطاباته الشعبوية، إن «الذين يشرحون التاريخ التركي القديم، وينتقلون مباشرة إلى تاريخ الجمهورية، متجنبين ذكر تاريخ حقبة زمنية استمرت 600 عام (في إشارة إلى الدولة العثمانية)، هم أعداء لنا»، فيما أثارت أعمال مثل مسلسل “قيامة أرطغرل” و”عبدالحميد الثاني” الكثير من الجدل بعد تعمدهما التركيز على جوانب تبدو مضيئة للقومية التركية ودورها في إعلاء الشأن الإسلامي والعربي.

فضح التزوير

منمنمات زائفة تصور العلوم الإسلامية في العهد العثماني وجدت طريقها إلى أكثر المكتبات وكتب التاريخ
منمنمات زائفة تصور العلوم الإسلامية في العهد العثماني وجدت طريقها إلى أكثر المكتبات وكتب التاريخ

المنمنمة الزائفة التي تصور علماء فلك مسلمين ليست بالحالة المعزولة إذ توجد إحدى الصور الشهيرة التي تدور في فيسبوك وموقع بينترست تحتوي على “جراثيم” (في شكل شياطين) شبيهة بالديدان تتراقص داخل ضرس. تدعي هذه الصورة بأنها تصور المفهوم العثماني لتسوس الأسنان، ودخلت ترجمة لها مكتبة بودليان التابعة لأكسفورد كجزء من مجموعتها حول “روائع الكتب غير الغربية”.

ويقدم نير شفير مثالا آخر من خلال صورة طبيب يعالج رجلا يعاني على ما يبدو من الجدري، مشيرا إلى أن “هذه الصور المعاصرة هي في الواقع ليست “استنساخات” بل “إنتاجات” وحتى “تزويرات”، أعدت لتعجب جمهورا معاصرا عن طريق الادعاء بأنها تصور العلم في “ماض إسلامي بعيد”.

من الدكاكين السياحية في إسطنبول سافرت هذه الأعمال بعيدا، ووجدت طريقها في ملصقات المؤتمرات ومواقع الواب التعليمية ومجموعات المتاحف والمكتبات. لكن، المشكلة تتجاوز السائح العادي والأكاديمي العرضي المخدوع، ليشمل الكثير من أولئك الذين يدرسون تاريخ العلوم الإسلامية ويمثلونها.

وتوجد حاليا متاحف برمتها ملأى بأغراض أعيد تخيلها وأنجزت في السنوات العشرين الماضية لكن يقصد منها تمثيل التقاليد العلمية المهيبة للعالم الإسلامي. وجاء فضح العديد من المؤرخين للتزوير ليكشف حجم الأطماع التي تراود “سلطان” تركيا الجديد.

ويشير وليد عبيدالله، وهو تركي يقيم في القاهرة، إلى أن حزب العدالة والتنمية يمتلك منظومة ثابتة لإقحام الأكاذيب مع الحقائق في صورة تخدم تصوراته الأيديولوجية، وهو ما يرغب في أن يقنع به الآخرين، لافتا إلى أن المنظومة المضللة تتجاوز الأخبار الكاذبة التي تطلقها وسائل الإعلام التابعة للحكومة، إلى تعمد التزييف في وقائع ومعلومات تاريخية لخلق صورة ذهنية إيجابية.

ويؤكد أن هناك رغبة عارمة في مقارنة الدولة العثمانية بدول خلافة أخرى مثل الأموية والعباسية، ومحاولة إظهار الأولى أنها الأكثر نجاحا وإعلاء لعمل المسلمين ومكانتهم عبر سلسلة من الإنجازات العلمية والفنية في العصور الأخرى، لإضفاء هالة على التوجهات التي يتبناها رجب طيب أردوغان، مؤسس توجه “العثمانيين الجدد”.

لكن، يحذر المراقبون من أن كشف هذا التزوير لن يؤثر في صورة أردوغان فقط، بل يطول صورة المسلمين عموما، وهي صورة تعاني من ترسبات وتراكم أحكام مسبقة تجد صدى قويا لها اليوم في ظل صعود خطاب شعبوي معاد بشكل كبير للمسلمين في ظل أزمات الهجرة والإرهاب وظهور قلاقل في المجتمعات الغربية نتيجة مشاكل في الاندماج.

وفي تعقيب نير شفير على ما اعتبره تزويرا دليل على تأثير هذه العملية على صورة المسلمين، حيث ينهي مقاله مستنكرا “لكن، ما الذي يحدث عندما نبدأ باختلاق أغراض من أجل الحكايات التي نريد سردها؟ ما هي بالضبط صورة العلم في الإسلام التي نأمل في إيجادها؟ هذه الأشياء المزيفة تكشف ما هو أكثر من مجرد تفضيل الخيال على الحقيقة. بدلا من ذلك تشير إلى مشكل أكبر حول الانتظارات التي يعلقها العلماء وعامة الناس على حد سواء على الماضي الإسلامي وإرثه العلمي”.

للمزيد: تزييف التاريخ للتحكم في المستقبل

7