تزوير الفحص الطبي قبل الزواج يعرض صحة الأطفال للخطر

تزوير شهادات الفحص الطبي قبل الزواج ظاهرة منتشرة بالعالم العربي وقد شهدت بعض المناطق في العراق أزمة كبيرة أدت إلى انتشار الأمراض وبات مرض الثلاسيميا يلازم كثيرا من الأطفال.
الجمعة 2019/06/07
الأطفال هم من يدفعون ثمن الفحوصات الطبية المزيفة

تزوير أو تجاهل الفحص الطبي قبل الزواج عادة متفشية في العالم العربي، وإن سهلت هذه الخطوة في البداية إجراءات الزواج “شكليا” غير أنها تحمل عواقب وخيمة على مستقبل الأسر العربية وعلى صحة الأطفال بصفة خاصة إذا كان أبواهما يحملان أمراضا معدية أو وراثية.

القاهرة- ارتبكت الطبيبة التي تعمل بأحد المستشفيات الحكومية في منطقة التجمع الثالث في شمال شرق القاهرة، عندما طلب منها شاب مصري يتجاوزها بأعوام قليلة ختم وثيقة طبية له وخطيبته العراقية تفيد خلوهما من موانع طبية لإتمام زواجهما دون فحص.

رفضت الطبيبة بحسم هذا الطلب لوعيها بحجم الضرر الذي سيلحق بحياته الأسرية، حال ثبوت أن أحدهما يحمل مرضا صامتا معديا أو وراثيّا، وما يترتب عن ذلك مستقبلا من معاناة للأبناء وتكلفة اقتصادية تضر بالأسرة، غير أن الشاب لم يستجب للنصيحة وانصرف مهمهما بعبارات غاضبة.

تنص لائحة المأذونين بمصر في مادتها 33 أن المأذون قبل توثيق العقد يجب أن يطلع على شهادات طبية تثبت توقيع الفحص على الزوجين وإثبات أرقامها بالوثيقة. ويذهب الخطيبان غالبا إلى المستشفيات الحكومية قبل عقد القران للحصول على شهادات شكلية دون فحوصات حقيقية.

وأضاف البرلمان المصري منذ حوالي عشرة أعوام مادة إلى قانون الأحوال المدنية تشترط لتوثيق عقد الزواج، الفحص الطبي للتحقق من خلوِّ المقبلين على الزواج من أمراض تؤثر على حياتهما الزوجية أو على صحة نسلهما ومن يخالف ذلك يخضع للعقوبة.

ترفض شيرين عبدالعظيم (طبيبة تحاليل) تقديم فحص طبي شكلي للمقبلين على الزواج وتصف هذه الممارسات بـ”اللاأخلاقية”، إذ من الممكن أن تؤدي إلى تدمير حياة أسر بأكملها. وتشير إلى فحوصات أجرتها للبعض كشفت عن أمراض وراثية محتملة لنسلهم مثل التشوهات الخلقية وأمراض الدم (الثلاسيميا- فقر الدم المنجلي)، والشفة الأرنبية. وأوضحت لـ”العرب” أن هناك أمراضا كامنة في جينات الشاب أو الفتاة بنِسَب ضئيلة، وقد تؤثر على صحة الأطفال، إذا تزوج المصاب بشريك لديه ذات المرض.

ويقلق الطبيبة الزواج المختلط بين المواطنين واللاجئين وتتوقع أن تشهد الفترة القادمة أمراضا غريبة، بسبب تلك الزيجات وإن لم تظهر في أبنائهم ستظهر في الجيل التالي. تخوف الطبيبة رصدته “العرب” في حالة سيدة ثلاثينية تقف بالجانب المخصص لأمراض الدم بأحد المستشفيات في القاهرة تسأل بنظرات محبطة عن حال طفلها، ثم تلقي بجسدها الهزيل على أقرب مقعد لمحته عيناها محاوِلة إراحة ظهرها المتعب بعد ساعات طويلة من الوقوف في انتظار كلمات تطمئن قلبها.

يرد الطبيب المعالج قائلا بامتعاض “إن الطفل يحمل مرض الثلاسيميا بسبب عدم خضوع الزوجين لفحوصات قبل الزواج”. أعاد كلام الطبيب إلى ذكرياتها مع تلك الوثيقة، قائلة إن زوجها يمني الجنسية وجاء للمأذون بشهادة صحية تفيد خلوهما من الأمراض دون أخذ عينات وتحليلها. ولَم تمر شهور من ولادة ابنها حتى لاحظت أنه ليس طبيعيا وشاحب الوجه دائما.

 اتضح بعد الفحص والتحليل أنه حامل لمرض الثلاسيميا، وهو نوع خطير من أنيميا الدم يعيش حامله على الأدوية ونقل الدم، وطلب منها الطبيب تحاليل لها ولزوجها واكتشفا إصابتهما بجينات المرض الذي انتقل لابنهما. تمنت الأم لو أجرت الفحوصات لاستبعاد الارتباط بشخص يحمل المرض كي لا يتعرض طفلها لتلك المعاناة. وحملت الكلمات رغبة جارفة نحو الوعي والحرص على أهمية الفحص الطبي، لكنها تبقى أمنيات.

وتزوير شهادات الفحص الطبي قبل الزواج ظاهرة منتشرة بالعالم العربي وقد شهدت بعض المناطق في العراق الأسابيع الماضية أزمة كبيرة بسبب تزوير شهادات الفحص الطبي، ما أدى لانتشار الأمراض، وبات مرض الثلاسيميا يلازم كثيرا من الأطفال ويموتون بسبب عدم توفر الدواء اللازم له. وانتشر هذا المرض مؤخرا أيضا في مصر ولبنان وسوريا واليمن، وبحسب التقديرات التي ذكرتها آمال البشلاوي الأستاذة في أمراض الدم بالقاهرة، فإن معدل الإصابة بمرض أنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا) يقدر بحوالي 30 ألف حالة سنويا.

وتشير إحصائيات إلى أن هناك 4 من بين كل 5 نساء في العالم العربي مصابات بالإيدز انتقل إليهن بالزواج. لذلك خصصت بعض المديريات في اليمن مثل “غيل باوزير” أمسيات بعنوان (أمراض الدم الوراثية وأهمية إجراء الفحص الطبي قبل الزواج) للحد من انتقال أمراض الدم بين الأجيال.

هناك أمراض كامنة في جينات الوالدين بنسب ضئيلة، وتؤثر على صحة الأطفال إذا تزوج المصاب بشريك لديه ذات المرض

وترى مي محمد (مهندسة) أن حملات التحسيس هذه لن تأتي بنتيجة، فتزوير الشهادات يدعمه غياب الضمير والرقابة وفساد بعض موظفي المستشفيات الحكومية. وتلفت بقولها لـ”العرب” إن تصميم والدها على إجرائها الفحص، جعلها تقوم بجولة مع خطيبها بين مراكز الأسرة والمستشفيات الحكومية، انتهت بدفعها مبلغ 400 جنيه (24 دولارا تقريبا) وحصلت على الشهادة المجانية دون فحوصات.

وتشرح مريم سامح، طالبة ماجستير بكلية الصيدلة، أن المرحلة الخاصة بالأمراض الوراثية عبارة عن تحليل كروموسومات فقط ولا تغطي إلا 13 بالمئة من تلك الأمراض، وسلامة الفحوصات لا تعني أن الخطيبين أو نسلهما في مأمن من الإصابة، إذ تعيش الكثير من الأمراض الوراثية في غرفة معتمة، فكل مرض له تحليل خاص به ولا توفره المستشفيات الحكومية ويحتاج لتكلفة عالية.

وتؤكد بعض المؤشرات أن البعض من الأثرياء رفضوا إجراء الفحص خوفا من نتائج سلبية تلغي الزواج بعد حب دام لسنوات. وتوضح سامية قدري أستاذة علم الاجتماع لـ”العرب” أن غياب الوعي وراء “صورية” الفحص، فالمقبلون على الزواج لديهم قناعة بأنها “تحصيل حاصل” ولا تختص بذلك فئة دون غيرها.

وتنصح الفتيات بالتصدي لفكرة تزييف أوراق الفحص لكشف العجز الجنسي للرجل، سواء كان بدنيا أو نفسيا، وبالتالي حمايتهن من انهيار الحياة الزوجية؛ فالمشكلات الجنسية تتصدر قائمة أسباب دعاوى الخلع والطلاق في دول عربية كثيرة.

 وكشف محمد عبدالحليم (مأذون) لـ”العرب” جانبا آخر من عدم إقبال الشباب على الفحوصات وهو يقينهم بأنها لا تؤثر على شرعية عقد الزواج. وهو شخصيا تغاضى كثيرا عن صحة الشهادات لكنه قرر تغيير موقفه حين شعر بحجم المخاطر والأمراض التي تتعرض لها الأسر نتيجة تجاهل وتزوير الفحص الطبي قبل الزواج.

21