تزوير ثقافي

في عصرنا، ولأسباب سياسية، نسبت قصائد إلى شعراء لم يكتبوها، غير أن من انتحلها، كان موهوبا أولا، وكان عارفا بشعر من ينتحل منه القصيدة.
السبت 2018/05/26
تاريخ شاهد

بين آونة وأخرى، تظهر في وسائل الاتصال، قصيدة أو قصيدة زجلية، تنسب إلى شاعر كبير أو مثقف معروف، وطالما تمَّ اختيار الشاعر أو الكاتب الذي تنسب إليه القصيدة أو المقالة أو القصيدة الشعبية، من الراحلين أو أحد الذين وصلت بهم عزلتهم إلى حد العجز عن متابعة ما يقال بشأنه، وبالتالي العجز عن الرد والتوضيح.

ومما يؤلم حقا، أن بعض مَن تصل إليهم النصوص المزورة والمنسوبة من دون حياء إلى واحد من كبار المبدعين، يصدقون هذا النسب المزوَّر، لأنهم غير مؤهلين أو قادرين على أن يفرقوا بين النص المزوَّر وبين نصوص الذين نسب إليهم هذا النص المزوَّر، فيتبنونه ويواصلون توزيعه على أصدقائهم ومعارفهم وقد يتحدثون عنه حديث الجاهل الدعي، لا حديث العارف المدقق.

وقد شهدت أمثال هؤلاء من الأدعياء الجهلة، ممن يتشبث بجهله ويسد أذنيه عن أي ملاحظة بشأن هذا التزوير الثقافي، وقد يتهم مَنْ يحاول أن يصحح له ما هو فيه من وهم، بالتعالم وادعاء المعرفة، ومن المؤكد، أن كثيرين من القراء، وبخاصة ممن يتعاملون مع وسائل الاتصال الحديثة، قد جاءتهم قصيدة تنسب إلى الجواهري الكبير.

وإذ توقَّفَ بعض من تصدى إلى هذا التزوير الذي يسيئ للجواهري، مشيرا إلى ما اعترى القصيدة المذكورة من أخطاء لغوية وإملائية وسقطات عروضية، قائلا: إن هذه الأخطاء والسقطات لا يمكن أن تقرب نصا لأبي فرات، غير أن في القصيدة المزورة ما يؤكد أن من كتبها لم يقرأ شعر الجواهري، ولا يعرف فرادة البنى اللغوية والإيقاعية في شعره، بل الأدهى أن هذا المزور الجاهل لا يعرف أخلاق الجواهري، حيث لم يحد عنها يوما، حتى حين يغضب وينفعل، بل حتى حين يهجو..

ومن الكبار الذين حاول في الأعوام الأخيرة مزورون فاشلون، حيث ارتبكت معايير النشر، أن ينسبوا إليه نصوصا مزورة تافهة، هو نزار قباني، فقد وصلني من هذا الشعر المزور مما نسب إليه ما يثير الاشمئزاز حقا، إذ لا يمت بأي صلة فكرية أو جمالية، إلى شعر نزار قباني، هذا الشاعر الذي يمكنك أن تتبين شعره وتعرف قصيدته حتى في حال عدم اقترانها في النشر باسمه.

وأستطيع أن أقول، إن من كتب النصوص الشعرية التي نسبها إلى نزار قباني، لم يقرأ شعره، وإن قرأه لم يدرك خصوصيته، قاموسه الشعري وبناء جملته الشعرية وإيقاعاته الموسيقية، ومع ذلك، أجد من يتبرع بتوزيع هذه النصوص المزورة، من دون وعي أو إدراك.

كما لم يسلم شعر شاعر بالغ التميز، مثل مظفر النواب من محاولات مزورين جهلة، يكتبون أشياء لا تمت إلى الشعر ولا إلى الشعر الشعبي أو إلى قصيدة مظفر النواب بأدنى صلة وينسبونها إليه.

ولو كان المزورون، سواء ممن تجرأ على شعر الجواهري أم نزار قباني أم مظفر النواب، يتوفرون على الحد الأدنى من الموهبة لكان لي قول آخر، غير أنهم جميعا، وأقول جميعا، من خلال ما اطلعت عليه من محاولات التزوير، من دون موهبة ومن دون ذكاء أو وعي.

وإذا كان الانتحال ونسبة قصائد إلى شعراء لم يكتبوها، ظاهرة معروفة وقديمة، فإن الذين انتحلوا تلك القصائد، كانوا من الموهوبين وممن يتوفرون على الذكاء والمعرفة وكان فيهم من يعد عالما بصناعة الشعر، حتى كان من العسير التفريق بين شعر الشاعر وما انتحل عليه.

وفي عصرنا، ولأسباب سياسية، نسبت قصائد إلى شعراء لم يكتبوها، غير أن من انتحلها، كان موهوبا أولا، وكان عارفا بشعر من ينتحل منه القصيدة، فاستقبلها القراء من دون أي شك أو تساؤل، وكأنها قصيدة الشاعر الذي نسبت إليه.

14
مقالات ذات صلة