تساؤلات تحيط بخلفيات الرفض الجزائري للحل العربي في ليبيا

الأحد 2015/01/18
المبادرة الجزائرية تلاقي ردود فعل سلبية لدى الليبيين الذين أرهقتهم الميليشيات المسلحة

طرابلس – وصف مراقبون ومسؤولون عرب وغربيون موقف الجزائر في الأزمة الليبية، بـ”اللعبة الغامضة”، متسائلين عن الهدف الذي تبطنه الجزائر، ويبدو أنه وفي الوقت الذي تحارب فيه الإسلاميين في الداخل، تعمل على توفير غطاء لهم وتدعو إلى تشريكهم في حوار مع بقية الأطراف الليبية لإيجاد حلّ سياسي للأزمة. لكنّ المراقبين استنكروا هذا الموقف الملتبس واعتبروه محاولة لاستثمار الصراع في ليبيا للقيام بدور إقليمي على حساب القوى الأخرى وخاصة مصر.

يثير موقف الجزائر من الأزمة الليبية الراهنة لجهة الحؤول دون تدخل عسكري، والدعوة إلى حل سياسي في ظل تقاتل بين أطراف عدّة، منها الرافض للحكومة الشرعية بقيادة عبد الله الثني المعترف بها دوليا، جملة من التساؤلات، من أهمها: كيف للجزائر التي خاضت لمدة تجاوزت العشر سنوات ـ و لاتزال ـ حربا ضد ما اعتبرته إرهاب جماعات الإسلام السياسي أن تدعو اليوم إلى حل سياسي بين الفرقاء يقوم على مبدأ الحوار؟ وهل علاقتها بكل الأطراف واحدة؟ وما هي الضمانات المحلية والدولية لإجراء ذلك الحوار؟ وما المخاوف من استعمال القوة في ليبيا للقضاء على الجماعات الإرهابية التي تشكل خطرا على دول الجوار وعلى دول البحر الأبيض المتوسط؟ وما هو ردّ فعلها في حال قيام تحالف دولي أو من دول الجوار أو من الدول العربية مثلا بالتدخل عسكريا بموافقة من الأمم المتحدة للقضاء على الجماعات الإرهابية؟

كل سؤال من الأسئلة السابقة يُمثّل محورا قائما بذاته، وتقديم إجابة عنه يفكّك الموقف الجزائري، ومجموع الإجابات يمكن التعويل عليها لشرح الموقف الجزائري في شقه الخفي وليس الظاهر، بناء على معلومات مستقاة من أطرف قريبة من صانع القرار، ومن مصادر مأذون لها قدّمت مزيدا من التفصيلات حول هذا الموضوع وتداعياته المستقبلية، وأيضا اعتمادا على الموقف الرسمي الذي أبدته الجزائر عبر وزارة الخارجية، وأبلغته بشرح مفصّل إلى دول عربية فاعلة، طلبت من الجزائر التدخل عسكريا أو دعم مقترح التدخل الخارجي.

القراءة الجزائرية الرسمية على المستويين السياسي والعسكري للمشهد الليبي الراهن مختلفة كثيرا عن قراءة دول الجوار، بما في ذلك مصر، ومختلفة وبدرجة أكبر عن الموقف القطري ـ التركي، وكذلك مختلفة عن مواقف الدول الغربية ذات المصالح المباشرة أو غير المباشرة في ليبيا. ففي الوقت الذي ترى جميع الأطراف الأخرى المهتمة بالشأن الليبي بأن التدخل العسكري يقضي على بؤر الإرهاب هناك، ترى الجزائر أن أيّ تدخل عسكري ـ من أي قوة كانت ومهما كان حجمه ــ سيؤدي إلى تفكك ليبيا، وتحول الصراع فيها إلى حرب أهلية ـ قبليّة بوجه خاص. ستكون هذه الحرب من وجهة النظر الجزائرية طويلة المدى، وستضرر منها الجزائر بشكل مباشر، نظرا إلى طول حدودها المشتركة مع ليبيا واتساع هذه الحدود.

وانتقدت مصر غموض الموقف الجزائري من مبادرتها لحل الأزمة الليبية. واعتبر وزير الخارجية المصري سامح شكري أن الموقف الجزائري لا يبدو واضحا إزاء ليبيا، مؤكّدا، في عدة مناسبات، أحدثها خلال زيارته إلى المغرب، على أن ليبيا تشكل أولوية أولى. واقع الأمر أن الخلاف مع الدول الأخرى الداعية إلى التدخل العسكري، خاصة مصر، ليس في شأن نبل الهدف، ولكن من كون التجربة الجزائرية في مواجهة الإرهاب المكلفة بشريا وماديا، جعلتها ترفض الحل العسكري الخارجي المؤسس أصلا على صراع عسكري داخلي.

الجزائر لا تملك علاقات طيبة مع جميع القوى المتصارعة في ليبيا وهذا الأمر يعطل الدعوة إلى حل سلمي هناك إن لم يجعلها مستحيلة

في السياق نفسه، ترى الجزائر أن إنقاذ ليبيا من التفكك والفشل ووضعية اللادولة لا يكون بالتدخل العسكري، على اعتبار أن هذا الخيار يعني دعم فريق على حساب آخر، وإنما بالضغط على كل الأطراف للجلوس إلى طاولة الحوار. ومهما يعتري هذه العملية من نقائص فهي تبقى أفضل من اللجوء إلى القوة، ثم إن التدخل من وجهة نظرها يفترض أن يوقف الحرب بين الأطراف المتصارعة، وهذا بعيد المنال الآن في ليبيا لأن التدخل العسكري الخارجي سيكون لمصالح الدول التي تتولاه أو الممولة له.

وهذه المصالح تتناقض مع مصلحة الشعب الليبي، من وجهة النظر الجزائرية. من ناحية أخرى فإن الموقف الجزائري الداعي إلى الحوار بين الفرقاء الليبيين، يرى ضرورة الخروج ـ عربيا على الأقل ـ من النظرة الإقصائية للإسلاميين، لأن ذلك سيؤدي إلى اتساع دائرة التطرف والعنف والإرهاب، وأن أعباء محاربة الإرهاب تقع على عاتق المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، باعتبارها المسؤولة عن أمن الدولة واستقرارها وسلامة الشعب، وأن الشعوب ليس في مقدورها محاربة الإرهاب حتى عندما تقف إلى جانب الدولة، ومن هذا المنطلق، فإن حماية ليبيا من الانزلاق لا تكون بمزيد من الإقصاء لتيار الإسلام السياسي.

عمليّا، الموقف الجزائري يعود بنا إلى علاقة الجزائر بالأطراف المتصارعة هناك، حيث يمكن دفعها إلى الحوار والتوقف عن العمل المسلح، فهل هي على قدر من القوة والنفوذ بما يسمح لها بدعم الحوار المرجو؟

بناء على معلومات مؤكدة، فإن الجزائر اليوم، وعلى خلاف الشهور الأولى لقيام الانتفاضة ضد معمر القذافي والسنة التي بعدها، تملك علاقات طبية مع جميع قوى المتصارعة، وكذلك بعض العناصر في حكومة الثني، لكن ليست على علاقة بكل عناصر هذه الأخيرة ولا بالقوات التي تحارب الجماعات الإرهابية بقيادة اللواء خليفة حفتر، وهذا الأمر سيعطّل الدعوة إلى حل سلمي هناك، إن لم يجعلها مستحيلة في الوقت الراهن. مع ذلك، تركّز الجزائر على مسألتين تحظيان بتأييد معظم الأطراف المتصارعة، وهما رفض الوجود الأجنبي عسكريا، حتى لو كان من قوات عربية أوّلا، والمحافظة على الوحدة الترابية باعتبارها قضية الشعب الليبي كله ثانيا.

وتستند الجزائر في رفضها للتدخل العسكري في ليبيا إلى دعوة الأمم المتحدة إلى الحوار من أجل حل سياسي، رغم أن بعض الأطراف الجزائرية الفاعلة تشكك في جدية المسألة، وترى أن دعوة الأمم المتحدة للحوار بين الليبيين، مرتبطة برؤية الدول ذات الصلة بالشأن الليبي ودورها. هذه الدول، تميل في معظمها إلى التدخل العسكري، وسينتهي الأمر إلى شرعنته بإشراف من الأمم المتحدة، وربما لهذا السبب رفض كثير من التنظيمات الجلوس إلى طاولة الحوار، ما يدفع إلى ضرورة البحث عن حل داخل ليبيا.

إضافة إلى ذلك كلّه، للجزائر مخاوفها من أيّ تدخل عسكري في ليبيا، لأن ذلك سيؤدي إلى لجوء كثير من الليبيين إليها فتصبح حدودها عندئذ غير آمنة، ناهيك عن تهريب السلاح، وتسرّب جماعات إرهابية ستنشط في الصحراء الجزائرية ومنها إلى الدول الأفريقية الأخرى.

ولا ينتظر من الجيش الجزائري أن يتدخل في ليبيا مهما كانت الأسباب، ليس فقط لأنه ممنوع من ذلك بحكم الدستور، ولكن لأن قوته تكمن في وجوده على طول حدود الجزائر، وهو لن يُجرّ إلى حرب صنعتها القوى الكبرى في المنطقة.

يبقى أن نشير أنه إذا انتهى الأمر إلى تدخل عسكري دولي في ليبيا، فقد تلجأ الجزائر إلى عزل حدودها حتى لو تطلب ذلك إقامة جدار عازل طوله آلاف الكيلومترات. ويُتوقع أن لا تسمح الجزائر باستعمال مجالها الجوي، لأنها ترى في التدخل العسكري في ليبيا بداية التقسيم، حيث ينتظر وحسب النظرة الأوروبية أن تتحول ليبيا إلى ثلاث مناطق حمايتها محلية وليست وطنية، أي العودة بليبيا إلى مرحلة ما قبل الملكية، وأن تقسيمها ستكون له لاحقا انعكاسات على دول مثل الجزائر نفسها ومصر والسعودية.

هل وجهة النظر الجزائرية في محلها وتنبع بالفعل من الحرص على ليبيا؟ أم إن الموقف الجزائري عائد إلى السياسة التقليدية للجزائر التي تقوم على المشاركة في إدارة الأزمات الإقليمية التي تخلق مشاكل لدول الجوار. مثل هذه المشاكل تسمح للجزائر بالسعي إلى لعب دور على الصعيد الإقليمي بصفة كونها قادرة على السيطرة على الداخل الجزائري والاستثمار في أزمات الآخرين. وهل وهم الدور الإقليمي هو الذي لا يزال يحرّك الجزائر ولا شيء آخر غير ذلك؟

2