تسارع التوافقات والتحالفات الدولية على الأرض السورية

الأربعاء 2016/08/24

عندما تدخّل سلاح الجو الروسي في الملف السوري بتاريخ 30 سبتمبر 2015، وليتمدد بعد ذلك النفوذ الروسي إلى الحد الذي بات اللاعب الرئيس في هذا الملف على حساب الأتراك والإيرانيين وربما الأميركان أيضا، بدا واضحا أن إيران وصلت إلى مرحلة أدركت فيها أن الروس يمكن أن يطيحوا بكل ما كانت تخطط له من وراء تدخلها خاصة بعد لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مطلع شهر أغسطس الحالي، لذلك لم تتردد طهران في أن تكون قريبة من هذه المتغيرات، من هنا جاءت الزيارة السريعة التي قام بها وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى تركيا، لأن طهران ليست مستعدة أن تفرط في الملف السوري بأي شكل من الأشكال، بل على العكس لديها كل الاستعداد أن تقدم كل شيء لأجل أن تحافظ على نظام بشار الأسد.

في نفس الوقت فإن طهران تبذل كل ما في وسعها من أجل أن يكون هنالك تبادل أدوار بينها وبين الروس في الملف السوري رغم إدراكها أن الروس أصبحوا يلعبون دورا أكبر بكثير من الدور الذي كانت تلعبه هي قبل أن يتدخلوا وعلى غير ما كانت تتوقعه.

التحالف بين الروس والإيرانيين إن صح توصيف العلاقة بينهما بهذا الوصف ليس تحالفا استراتيجيا، بل مرهون بما تفرضه الظروف الراهنة على الأرض في سوريا، وليس ورادا أن يطول العمر بهذا التحالف، ويمكن أن يصل إلى لحظة افتراق عندما تنتهي المصلحة المشتركة بينهما، وليس من الصحيح أن يقال على ما يرتبطان به من مصالح مشتركة في الوقت الراهن على أنه حلف استراتيجي كما هو الحلف بين أميركا وإسرائيل، أو بين روسيا وإسرائيل، أو حتى بين السعودية وأميركا.

المسألة ليست بهذه البساطة، فبقدر ما هنالك من نقاط التقاء راهنة بين الطرفين، هناك عدم التقاء في نقاط مهمة، وفي مقدمتها الموقف من دولة إسرائيل وأمنها. على هذا الأساس فإن مسألة التحالف بينهما أبعد مما يمكن أن يتوهمه البعض، ولكي يتحقق التحالف يحتاج إلى أسس عميقة ينبغي أن تتوفر بين الأطراف المتحالفة وهذا ما لم يتوفر بين الاثنين إلا في حدود الظرف الراهن المرتبط بالصراع على الأرض السورية.

وفي ما يتعلق بالحلول المطروحة للمسألة السورية فليس هنالك ما يشير إلى أن إيران مندفعة لحلّها إنْ لم تضمن بقاء الأسد على رأس النظام الحاكم، بينما روسيا لها موقف لا يلتقي مع الموقف الإيراني، تبدو من خلاله مستعجلة لحسم هذا الملف، من غير أن يشكل مصير الأسد تفصيلا مهما فيه، قبل أن تحسم الانتخابات الأميركية لأجل أن تعزز موقفها أمام الإدارة الجديدة التي سيكون لها تعامل يختلف عما كانت عليه إدارة باراك أوباما.

وعلى الرغم من الآراء التي تذهب إلى تأييد الفكرة التي تفيد بوجود توافق أميركي روسي في المسألة السورية، إلّا أننا لا نجد مؤشرات تؤدي إلى أن هناك توافقا بينهما.

ما يجري على الأرض من تقاطعات بين الاثنين يؤكد أرجحية ما نذهب إليه، على سبيل المثال: أين التوافق من مسألة التمدّد الذي أحرزته قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد خاصة وأن الموقف الأميركي كان الداعم الأكبر لها من حيث التسليح والاستشارات على الأرض، بينما الروس يقفون ضد هذا التمدد، وقد تصاعد هذا الافتراق بينهما خلال اليومين الماضيين بالشكل الذي منح فيه الروس الضوء الأخضر للأتراك حتى يقدموا الدعم إلى الفصائل السورية المعارضة لكي تنطلق باتجاه مدينة جرابلس (125 كلم شمال شرق حلب) وتطرد منها تنظيم داعش وبذلك تقطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية من أجل أن لا تتقدم نحوها وتضمها إلى بقية المدن التي سيطرت عليها ولكي لا تتمدد على طول الشريط الحدودي مع تركيا باتجاه البحر، وهذا ما يشكل خطورة بالغة؛ جغرافية وسياسية وأمنية، لدى جميع الأطراف الإقليمية والدولية بما في ذلك الأتراك والنظام السوري، وما كان لقوات المعارضة السورية أن تتجمع بهذه الكثافة وبصورة علنية عند الحدود التركية استعدادا للتحرك والسيطرة على جرابلس لو لم يكن هناك ضوء أخضر من الروس إلى الأتراك، وإلا لكانت هذه القوات قد تعرضت إلى قصف عنيف من قبل الطائرات الروسية كما في المرات السابقة.

يُستشف من التحركات الأخيرة في الميدان السوري، بعد سقوط منبج بيد قوات سوريا الديمقراطية وصدامها مع قوات النظام في القامشلي، أن هناك تقاطعا واضحا بات يطرأ على المواقف بين الروس والأميركان. ولكن السؤال الذي قد يطرح هنا: إلى أيّ مدى سوف تسمح أميركا بأن تتوسع المسافة بينها وبين الروس، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الملف الكردي لدى الأميركان وربما هو أهم الملفات لديهم، وفي الجانب الآخر أيضا يأخذ هذا الملف نفس الأهمية والحساسية بل أكبر بكثير لدى الإيرانيين والأتراك والنظام السوري على حدّ سواء، ومن الممكن أن يجمع هذا الملف الأطراف الثلاثة على موقف واحد في الأيام أو الساعات القادمة مما سيترك أثره على مجريات الأوضاع بشكل عام.

عندما ننظر إلى الموقفين الروسي والأميركي في تعاملهما مع القضية السورية، نجد أن الموقف الروسي على قدر كبير من الاندفاع، بينما تتعامل واشنطن مع هذا الموضوع بطريقة يبدو فيها الموقف الأميركي لدى البعض وكأنه ضعيف مقارنة بالموقف الروسي المنخراط كليا في الصراع الدائر. فهل حقيقة أن الموقف الأميركي على هذا الضعف الذي يراه الكثيرون؟ وهل أن خيوط اللعبة ليست في أيديهم كما هي لدى الروس؟ وهل نأوا بأنفسهم عن الذي يجري في سوريا؟ وهل لا يريدون أن يعيدوا ما ارتكبوه من أخطاء نتيجة تورطهم في العراق؟

ليس من الصحيح الوصول إلى مثل هذه القناعة فلا يوجد ضعف في الموقف الأميركي، ولن يسمح الأميركان لأنفسهم بأن يكونوا على هذه الصورة. فمن وجهة نظر القوى الكبرى فإن ما يجري في سوريا لعبة لم تخرج حتى هذه اللحظة عمّا رُسم لها، من حيث مسارها أو الأطراف المشاركة فيها.

الأميركان أصحاب خبرة طويلة في إدارة الأزمات، ولن يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرّد متفرجين. ومعروف عنهم أن لديهم استراتيجية بعيدة المدى في التعامل مع القضايا المعقدة المرتبطة بمصالحهم الحيوية، وعلى ذلك فشلت كل محاولات روسيا في أن حرفهم عن أسلوبهم في اللعب ولم تتمكن من سحبهم إلى منطقها الانفعالي.

الأميركان سبق لهم أن تعاملوا مع مسائل شائكة في أكثر من مكان، ودائما كانوا يضعون في حساباتهم أن يراهنوا على الزمن حتى يضعفوا الأطراف المتنازعة عسكريا، وفي ما يتعلق بالميدان السوري فهم يريدون له أن يكون بمثابة دولاب ذي سكاكين حادة تسحق فيه عظام الجميع، والأهم هنا أن تبقى اللعبة مستمرة وتزداد وتيرتها إلى أن يصاب المشاركون فيها بالإعياء، وبذلك يتحقق لهم ما يريدونه دون أن يتدخلوا بشكل مباشر، ولعل المرة الوحيدة التي تدخل فيها الأميركان مطلع هذا الأسبوع من شهر أغسطس كانت عندما منعوا قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية من إسقاط الطائرات السورية التي كانت تحلق فوق سماء الحسكة، لأنهم يدركون بأن هذه القوات قادرة على إسقاطها لأنهم سلّحوها بأسلحة قادرة على ذلك، ولأنهم يريدون لهذه المعركة، وهذا هو بيت القصيد، أن تطول.

في المحصلة؛ أميركا تريد أن تحافظ على التوازن بين جميع الأطراف، فالكل ينبغي أن يكونوا أقوياء، والكل ينبغي أن يكونوا ضعفاء، والكل ينبغي أن يسحق الكل.

كاتب عراقي

9