تسارع وتيرة انهيار الشركات يعمّق أزمات الاقتصاد التركي

انخفاض أعداد المزارعين أحد الأسباب الرئيسية للارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية في السوق التركية.
الثلاثاء 2019/04/09
البطالة ترفع أصوات الاحتجاجات

تؤكد البيانات أن الأزمة التي تشهدها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد تركيا، تزداد خطورة يوما بعد يوم، وهو ما يتطلّب إصلاحات هيكلية من دون أي تأخير لتفادي ارتفاع الثمن.

الأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة تراجع بنحو 348 ألف شخص في ديسمبر الماضي مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، في حين انخفض عدد الموظفين المؤمن عليهم بمقدار 211 ألفا مقارنة بشهر نوفمبر.

وإذا نظرنا على نشرة التشغيل والتوظيف التي أعدها مركز دراسات السياسة الاقتصادية، والتي تستند إلى بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي، نجد أبعاد الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وانعكاسها على الشركات والمؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة.

وتكشف النشرة أن أكبر انخفاض في عمالة الشركات الصغيرة والمتوسطة حدث في قطاع التشييد حيث فقدت 282 ألف وظيفة، وإذا أضفنا الشركات الكبيرة فإن عدد الوظائف المفقودة في القطاع تبلغ 358 ألفا.

وهذا يعني أن واحدا من بين كل أربعة أشخاص في القطاع فقدوا وظائفهم. وعندما ننظر إلى قطاع البناء ككل مع قطاعاته الفرعية الأخرى، فإن نسبة انخفاض القوى العاملة فيه تتجاوز 500 ألف وظيفة.

وتشير النشرة إلى أن 48 قطاعا من أصل 88 في عموم الاقتصاد التركي شهدت تراجعا في عدد العاملين. وسجلت الصناعة التحويلية انكماشا خطيرا، حيث تظهر الأرقام تراجع نشاط 13 قطاعا من أصل 24 قطاعا فيها مع فقدان أكثر من 80 ألف وظيفة.

وتراجع عدد العاملين في 57 مدينة ولم يرتفع سوى في 24 مدينة. وكانت إسطنبول في صدارة المدن التي تراجعت فيها أعداد العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث فقد أكثر من 95 ألف شخص وظائفهم.

وجاءت أنقرة في المرتبة الثانية بخسارة 26 ألف وظيفة ثم قونيا بواقع 19 ألفا، ثم كلٌّ من أضنة وإزمير بواقع 18 ألفا. وتعكس المعطيات أن الانكماش في تلك الشركات أعلى بكثير مقارنة بالاقتصاد العام.

500 ألف وظيفة فقدها قطاع البناء لوحده خلال العام الماضي بحسب الأرقام الرسمية

كما انخفض عدد المزارعين في المناطق التابعة لـ46 مدينة. ويرى الخبراء أن انخفاض عدد المنتجين هو أحد الأسباب خلف الارتفاع الجنوني الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في تركيا.

وفي الوقت الذي طال الانكماش قطاعات البناء والإنتاج والصناعة، التي تمثل أركان القطاع الخاص، اقتصر النموّ على المجالات التي ترتبط بالدولة ووظائف القطاع العام.

المعلومة الشاذة الأخرى التي تظهرها البيانات الرسمية تتعلق بعدد التجار، الذي ارتفع في عموم تركيا بمقدار 65 ألفا خلال عام واحد، لكنه تراجع بنحو 45 ألفا في آخر شهرين من العام الماضي.

وفي الوقت الذي يتقلص فيه القطاع الخاص، فإن الزيادة المشهودة في عدد موظفي الدولة تلفت الأنظار، حيث ارتفع عددهم بمقدار 45 ألفا في سنة واحدة.

لا شكّ أن نمو القطاع العام بالتزامن مع انكماش القطاع الخاص، يعني أن عددا أقل من المكلفين بدفع الضرائب يمولون المزيد من الموظفين الحكوميين، وهو الأمر الذي يعني أن عبء القطاع الخاص أصبح أكثر رغم أنه يكافح من أجل البقاء.

وجاء مسح أجرته مؤسسة الأبحاث والدراسات الاقتصادية الاجتماعية التابعة لجامعة “باهجه شهير” حول توقعات سوق العمل، ليدعم الأرقام السابقة، حيث أكد أن جميع قطاعات الاقتصاد التركي سجلت انكماشا باستثناء قطاع الخدمات.

ولم يسجل قطاع الخدمات سوى زيادة قليلة في العمالة في شهر ديسمبر بلغت 16 ألف وظيفة مقارنة بالشهر السابق. في حين فقد قطاع الصناعة 182 ألف وظيفة، وقطاع البناء 77 ألفا وقطاع الزراعة 54 ألف وظيفة خلال شهر واحد فقط.

ويعتبر تسريح 182 ألف شخص من عمال قطاع الصناعة أقوى انكماش منذ الانكماش الذي شهده في عام 2009 في ذروة الأزمة المالية العالمية.

وإذا أردنا خلاصة لتلك البيانات، فيمكن القول إن الشركات الصغيرة والمتوسطة تعاني من انهيار اقتصادي عميق، وأن أبعاد الأزمة تجاوزت حدود أزمة عام 2009.

ويبدو أن الشركات التي تتدهور أوضاعها بسبب الأزمة الاقتصادية تتجه إلى إقالة العمال، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج والفشل في سداد الديون المضاعفة بسبب تقلب العملة. وبذلك يصبح الإفلاس أمرا لا مفر منه بالنسبة للعديد من الشركات التي فشلت في الخروج من الأزمة.

ويضاف ذلك إلى التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الناتجة عن فقدان الوظائف، إلى جانب التداعيات السلبية لارتفاع الإنفاق الحكومي إلى مستويات قياسية أثناء الانتخابات المحلية الأخيرة.

10