تسامح الإسلام وغلوّ الإسلاميين

الخميس 2014/05/15

يهاجر المرء تاركا مسقط رأسه ومرابع صباه تحت ثقلين يصعب حملهما، وهما الاحتياج والظلم، فيترك أرضه وذويه بحثا عن الرّزق، عساه يعول المحتاجين من أهله، أو ابتعادا عن ظلمٍ يحول دون عيش حرّ كريم. هاجرتُ مبكّرا تحت وطأة ظلم كبّل الأيدي، وكمّم الأفواه، وأهان الكرامة ومنع الحريات، وداس أعزّ ما يجعل الإنسان إنسانا.

تركت الوطن الصغير، فتهت وتنقلت في الوطن الكبير، ثمّ في غيره من بلاد الله، إلى أن انتهى بي الطّواف وأنا قريب من أرذل العمر، فحططت رحالي ببلاد، كان لأسلافنا فيها وفي تاريخها دور عظيم خالد الذكر. أزهرت فيها، بدفع منهم وخلق وإبداع، أنوار العلم والمعرفة، وأينعت أزهار الزراعة والرّي وجديد الثمار، وما هو أهمّ وباق مدى الدهور، هو تعايش وتسامح ووفاق، وانسجام بين عديد الثقافات بما فيها الأديان، التي كانت، مثلما هي عليه اليوم أو أكثر، في صراع وتصادم واختلاف. ازدهرت البلاد بفضل أسلافنا، وتطوّرت وتقدّمت على غيرها في تلك الحقبة، وها هم اليوم أبناؤها، يفتخرون قولا وفعلا، وينشؤون المؤسسات، وينظمون المنتديات، ويقيمون المكتبات، لإبراز مزايا بلادهم، فيسمونها بلاد تعايش الثقافات، وتعدد الديانات واحترام الحريات. يفتخرون بما فعله أجدادنا ويستغلونه، متناسين مهملين ما جرى ضدّ أحفادهم من ظلم وإهانة وقهر وطرد. نُسي كلّ ذلك، ولم يبق إلا التسامح والتعايش يذكر فيحمد، ويعتزّ به فيستغل.

دعنا نحاول المقارنة، ولو أنّ صديقي وزميلي الصّحفي القدير، الأستاذ مهدي كاجيجي، لا يكف عن نهيي بعدم المقارنة، مرددا أو حتى معاتبا، لا تقارن يا هذا، فالمسألة أساسها الجينات. لكنّي، وأنا العنيد، لا أريد الاقتناع بأنّ جينات الآخرين أصفى من أصولنا، فأقارن وأقول: أليس من غريب أطوار الإنسان وعجيب أمْره، أنّ البلاد التي ليست مسلمة، والتي قاومت الإسلام في ما مضى، تتحلّى اليوم بخصال تركها لها الإسلام والمسلمون، واقتبست الكثير من فلسفته، وفلسفات المبادئ الإنسانية الأخرى، قواعد سلوك وأخلاق، منها الحرية، بل الحريّات والمساواة والعدل واحترام الحقوق، بينما الذين بين ظهرانينا، يتشدّقون ويدّعون ويتظاهرون، بأنهم عن الإسلام يذودون، وإليه وإلى تعاليمه يدعون، لا يظهر في سلوكهم، ولا في تصرّفاتهم الشخصية والجماعية، ما ينمّ عن أيّة بادرة تشير إلى ما أوصى به الإسلام وطبّقه، ما استطاعوا، أسلافنا الأقدمون؟

نرى هنا، رغم تشدّد البعض جرّاء أعمال المشاغبين “الإسلاميين”، الذين يضعون المتفجرات فتسقط الضحايا البريئة، نرى ونلاحظ السّماح، والترخيص برفع بيوت، يذكر فيها اسم الله ويسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال ونساء أجبرهم الظلم أو الظروف على الهجرة، لكن ويا للأسف نرى ونلاحظ ونعلم، أن تلك البيوت يستغلّها “المتأسلمون” لنشر وبائهم، واقتناص الفتية المحتاجين، فيبعثوا بهم، بعد تضليلهم إلى الجحيم، وهم يظنون أنهم إلى الشهادة والجنّة سائرون. عمليات تتكرّر، ومؤامرات تُدبّر، ومصالح الأمن تتابع وتأسّر، آخر عملياتها لم يمض عليها أسبوع الآن، ألقي فيها القبض على عدد من ضحايا التضليل ومن المدبّرين.

رغم هذا فالجوامع لم تغلق، وبالمدارس أوتي بمدرّسين لتلقين أصول الدّين، وطلب من المؤسسات إتباع اللين، ومحاولة التنسيق في مواقيت العمل أثناء شهر رمضان بالنسبة إلى العمال المسلمين. فبين الغث والسمين، بين الشدّة واللين، بين النكران والاعتراف، بين القبول والرفض، بين السلب والإيجاب، نجد أنّ أكثر البلدان في الغرب، قد سلكت سلوكا إنسانيا هو الأقرب لتعاليم ديننا، وهو سلوك افتقدناه لدى الكثيرين ممّن ينادون بالإسلام، ويقولون إنهم إليه يدعون.

هل يقبل هؤلاء مثلا، بأن يتصرّف الأجانب في بلداننا، كما يتصرّفون هم في بلاد الغير، فيعيثون فسادا، أوّل من يتحمّل تبعته المهاجرون الكادحون، فيخسرون الاحترام أو بعضه، ويوضعون في مواضع الشك والرّيبة، وتسدّ في وجوههم السّبل لتحسين عيشهم، وضمان مستقبلهم ومستقبل ذويهم. أمّا ما يلحقونه بديننا، فقد تحدّثت عنه ووصفته في السّابق ولم يبق لي الآن وهنا إلا أن أعلنها، كما أعلنتها سابقا وفي أماكن عدّة، كفى الله الدّين شرّ المفسدين، واليوم أصبح من واجب كلّ مسلم أمين، التبرّأ من كل من يستعمل الدّين، من الإخوان المسلمين أو الجهاديّين أو السلفيين، أو أنصار الشريعة أو أيّ منتهز أثيم، لأنّ الدّين له علماؤه، الذين يخافون الله، والذين إليه يعملون وهم إليه راجعون.

لقد انكشفت الأوراق، وظهرت الحقيقة، وعلم القريب والبعيد، صدق النوايا من كذبها، وفهم من كان مضلّلا أن الالتحاف بعباءة دينيّة ليس سوى وسيلة تضليل، غايتها إبعاد الأنظار عن الغاية الحقيقية لهؤلاء المنافقين، وهي الوصول إلى السلطة.

إنّ السلطة في النظم الديمقراطية، ذات الحريّات والشّورى والمساواة، حقّ لكلّ امرئ يحترم ويتّبع السّبل الموضوعة لذلك، آخرها الحصول على ثقة الجماهير، من خلال عرض حقيقة ما يُراد تحقيقه، وكيفيّة تحقيقه، بوضوح وصدق وشفافيّة، بعيدا عن كلّ عنف أو جبر. لأنّه لا إكراه في الدين، وأن الهداية بالله ومن الله، إنّك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، كما أنّ العنف والإجرام يأباهما كلّ دين وقانون، “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا”.

لذا فمن واجب كلّ من يؤهّل نفسه للعمل العام أن يتحلّى قبل الشروع في العمل بالأخلاق الحميدة، وأن يسلك السلوك القويم، خاصّة إذا تحرّك وعمل باسم دين أو مبدأ إنساني، وديننا الحنيف، وكلّ الأديان تأبى العنف والظلم، ولا سبيل إلا بالعمل الصّالح والكلمة الحسنة الطيّبة.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8