تسريبات تركية تفضح الدور القطري في المستنقع الليبي

التحولات الاستراتيجية والميدانية داخل ليبيا تربك حسابات أنقرة.
الجمعة 2019/07/05
الدوحة تسلمت من تركيا في فبراير الماضي 6 طائرات دون طيار من طراز بيرقدار TB2، وهي ذاتها المستعلمة حاليا من قبل حكومة الوفاق

تلعب تركيا لعبة مزدوجة في ليبيا، تكشف عن حيرة النظام التركي وقلقه على مصالحه. في خضم التصعيد ضمن الخطاب التركي ضد الجيش الليبي، وقائده المشير خليفة حفتر، وعملية استعادة طرابلس من الميليشيات وإنهاء الانقسام السياسي، الذي ترسخه حكومة الوفاق المدعومة من أنقرة، ظهرت تسريبات نسبت إلى جهات تركية، تكشف عن الطائرات والمدرعات التركية المسيرة في محاور القتال، والتي تعود ملكيتها إلى قطر، وإن كانت تركية الصنع. واعتبر المتابعون أن هذه التسريبات تعكس رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التنصل من المستنقع الليبي حتى لا يخسر كل رهاناته البراغماتية مشيرين إلى أن تصعيده الأخير ضد حفتر والذي وصفه فيه بـ”القرصان”، جزء من تلك اللعبة المزدوجة، التي يغير فيها خطابه وفق التطورات الميدانية في ليبيا كما الحالة الداخلية في تركيا وما يصدر عن المجتمع الدولي من مواقف بخصوص الحرب في ليبيا.

لا يزال التدخل التركي في ليبيا يثير سجالا حادا خصوصا بعد المواقف الحادة التي اتخذها مجلس النواب والقيادة العامة للقوات المسلحة والتي وصلت إلى حد إعلان النفير العام وإصدار تعليمات عسكرية باستهداف السفن التركية داخل المياه الإقليمية الليبية، وكذلك قطع الرحلات الجوية من شرق البلاد نحو تركيا ومقاطعة السلع والبضائع التركية.

ردت قيادة الجيش تصلب هذا الموقف إلى دور عدائي قالت إن نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقوم به في ليبيا، وقد بلغ حد المشاركة الفعلية إلى جانب الميليشيات الخارجة عن القانون والجماعات الإرهابية في التصدي لعملية «طوفان الكرامة» التي أطلقتها القوات المسلحة في الرابع من أبريل الماضي لاستعادة طرابلس والمنطقة الغربية وإعادة بسط نفوذ مؤسسات الدولة على العاصمة الليبية.

وممّا أكد ذلك الدور، وجود طائرات تركية مسيرة في محاور القتال، يشرف على تسييرها خبراء وضباط أتراك لضرب مواقع الجيش والمدن والقرى المساندة لـ”طوفان الكرامة”. وتم تسريب هويات أولئك الضباط والخبراء من خلال عناصر متعاونة مع المخابرات العسكرية التابعة للقيادة العامة من داخل غرف عمليات حكومة الوفاق. ونشرت على أكثر من صعيد للتأكيد على وجود تدخل تركي سافر إلى جانب أحد أطراف النزاع.

لكن يبدو أن القرارات المعلنة من قبل قيادة الجيش وكذلك من قبل مجلس النواب المنتخب الذي طلب اجتماعات طارئة للجامعة العربية والاتحاد الأفريقي وخاطب الأمين العام للأمم المتحدة، وأوفد مبعوثين خاصين لأكثر من عاصمة، دفعت بالنظام التركي إلى العمل على محاولة التنصل من تلك الورطة، من خلال تسريبات أطلقتها سفارته في طرابلس لصحيفة «العنوان» الليبية القريبة من القوات المسلحة الليبية.

تضمنت التسريبات تأكيدا من داخل الملحقية العسكرية بطرابلس أن الطائرات تركية الصنع، لكن ملكيتها تعود إلى النظام القطري، حيث إن الدوحة تسلمت من تركيا في فبراير الماضي 6 طائرات دون طيار من طراز بيرقدارTB2 ، وهي ذاتها المستعلمة حاليا من قبل حكومة الوفاق.

وكانت شركات الصناعات الدفاعية التركية وقّعت في مارس 2018 صفقات مع قطر، خلال معرض الدوحة للدفاع البحري منها صفقة مع شركة “بيكار” لصناعة الطائرات، قصد شراء طائرات دون طيار من طراز بيرقدارTB2 ، وتعتبر تلك الصفقة هي الأولى من نوعها التي تصدّر فيها الشركة التركية منتجاتها إلى الخارج.

وتم الاتفاق آنذاك على أن تقوم «بيكار» بتسليم الطائرات الست خلال عام واحد. وتشمل الصفقة محطات التحكم والأدوات الخاصة بهذه الطائرات. كما تضمن الاتفاق أن تتولى الشركة تقديم الدعم التقني واللوجستي لمدة عامين إلى الجانب القطري بخصوص نظام عمل الطائرات على يد مهندسين أتراك.

وقالت التسريبات إن تلك الطائرات التي اقتنتها قطر هي ذاتها التي تم نقلها إلى ليبيا عن طريق مطار مصراتة نزولا عند طلب مستعجل من سلطات الدوحة. وتم إدخالها إلى الخدمة خلال ثلاثة أيام من وصولها عبر رحلة شحن جوية عادية، مشيرة إلى أن وجود الخبراء الأتراك داخل الأراضي الليبية يأتي تنفيذا لبنود الاتفاق السابق مع قطر.

وفي فبراير الماضي، قالت وكالة الأناضول التركية إن أنقرة تستعد لتسليم قطر 6 طائرات دون طيار من طراز بيرقدار TB2 ضمن صفقة وقعت بين الجانبين عام 2018، وإن الطائرات الست ومحطات التحكم اجتازت اختبارات قبول المصنع وباتت جاهزة لتسليمها إلى القوات المسلحة القطرية.

وضمن الصفقة نفسها أنهى فريق قطري، مكون من 55 شخصا، دوراته التدريبية لاستخدام الطائرات المذكورة والتي خضعوا لها في تركيا على يد فريق من مهندسي وخبراء شركة “بيكار”. وفي نهاية الدورة التي استمرت 4 أشهر تخرج جميع أفراد الفريق القطري من بينهم قائد للطائرات من دون طيار المسلحة وموظفو صيانة وغيرهم من المكلفين بالمهام المتعلقة بهذه الطائرات.

وحضر حفل التخرج نائب وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي محمد فاتح قاجير ونائب رئيس الصناعات الدفاعية فاروق يغيت وقائد الجيش التركي الثاني زكائي آقصقاللي والمدير التقني لشركة “بيكار” سلجوق بيرقدار الذي قال إن الطائرات التركية محلية الصنع لعبت دورا مهما في عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” اللتين نفذتهما القوات التركية ضد الأكراد شمالي سوريا. وتم الإعلان آنذاك عن أن شركة “بيكار” ستقوم ضمن إطار الصفقة بتقديم الدعم التقني واللوجستي لمدة عامين أي حتى العام 2020 للجانب القطري بخصوص نظام عمل الطائرات على أيدي مهندسين أتراك.

طائرات جاهزة

التدخل التركي في ليبيا يثير سجالا حادا
التدخل التركي في ليبيا يثير سجالا حادا

مع بداية عملية «طوفان الكرامة» في أبريل الماضي، طلب النظام القطري من حليفه التركي نقل الطائرات المسيرة الست إلى غرب ليبيا لدعم الميليشيات المسلحة التي يراهن عليها البلدان في تنفيذ مشروع التمكين لقوى الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان. كما تضمن الاتفاق نقل عدد من المدرعات التي تم تصنيعها خصيصا من قبل شركة «نورول ماكينة» التركية لفائدة الجيش القطري إلى مصراتة وطرابلس.

وكان قد تم في مارس 2018 توقيع اتفاق بين الجانبين القطري والتركي على اقتناء الدوحة لـ214 عربة مدرعة من شركة “نورول ماكينة” التركية لتلبية احتياجات قيادة القوات الخاصة القطرية. كما تعاقدت قطر مع شركة “بي.أم.جي” لصناعة العربات البرية على استيراد 85 عربة مدرعة متعددة المزايا.

وفي منتصف مايو الماضي، أكد خالد المشري، القيادي الإخواني ورئيس مجلس الدولة الاستشاري، أن حكومة الوفاق اقتنت طائرات حربية مسيرة، وبدأت باستخدامها ضد قوات الجيش الليبي المتقدمة نحو العاصمة طرابلس. وقال في حديث إلى صحيفة “إندبندنت” البريطانية، إن قوات حكومة الوفاق حصلت في الأيام الأخيرة على طائرات مسيرة، وتمكنت من تحديثها لتبدأ استخدامها عند جبهات القتال مع قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر في محيط العاصمة طرابلس.

وكان واضحا الفرق بين مفردتي «اقتنت» و«حصلت على» خصوصا وأن الاقتناء عادة ما يتم عبر صفقات تسبق مواعيد التسليم غير قصيرة، وهو ما يؤكد أن الموضوع يتعلق بنقل طائرات جاهزة تم الاتفاق عليها مسبقا، إلى ليبيا، يضاف إلى ذلك أن هناك عراقيل تمنع حكومة الوفاق من إمضاء عقود لشراء أسلحة، وعلى رأس تلك العراقيل القرار الأممي بمنع التسليح الأجنبي على الفرقاء الليبيين.

وتتمكن طائرة بيرقدار TB2 دون طيار من التحليق لمدة 25 ساعة دون انقطاع والقيام بمهامها خلال الليل والنهار وتستطيع نقل حمولة بوزن 100 كيلوغرام؛ وهي تعمل على تزويد مراكز العمليات بمعلومات آنية ترصدها خلال مهمتها في الأجواء فضلا عن كونها قادرة على استهداف التهديدات المحددة بذخائر محمولة على متنها.

وكانت القوات المسلحة الليبية قد أعلنت في السادس من يونيو الماضي عن إسقاط إحدى تلك الطائرات المسيرة في مدينة غريان في 20 مايو الماضي، وتدمير طائرة ثانية في مطار معيتيقة يوم السادس من يونيو، كما أكدت نجاحها الأربعاء في تدمير غرفة التحكم بالطائرات التركية المسيرة داخل قاعدة معيتيقة الجوية بطرابلس.

تنصل تركي

عيسى عبدالقيوم: تركيا بدأت في البحث عبر المسارات الدبلوماسية عن كيفية احتواء “العقوبات” التي فرضت عليها في ليبيا
عيسى عبدالقيوم: تركيا بدأت في البحث عبر المسارات الدبلوماسية عن كيفية احتواء “العقوبات” التي فرضت عليها في ليبيا

يشير المراقبون إلى أن التسريبات حول تورط قطر في نقل واستخدام الطائرات المسيرة داخل ليبيا يمثل ضربة إضافية للتحالف القائم بين الدوحة وأنقرة، الذي بدأ يشكو من اهتزازات ملحوظة خلال الفترة الماضية، برزت بالخصوص في سحب النظام القطري أمواله من بورصة إسطنبول، واكتشاف نظام أردوغان أن وعود أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدعم المالي والاقتصادي لبلاده لم تنفذ على أرض الواقع.

كما يعيد المراقبون التسريبات التركية إلى رغبة أردوغان في التنصل من المستنقع الليبي حتى لا يخسر كل رهاناته البراغماتية على بلد غني ومقبل على مرحلة إعادة إعمار ويحتل موقعا مهمّا في الضفة الجنوبية للمتوسط وفي بوابة أفريقيا الشمالية.

ويرى المحلل السياسي الليبي عيسى عبدالقيوم أن تركيا بدأت في البحث عبر المسارات الدبلوماسية عن كيفية احتواء “العقوبات” التي فُرضت عليها في ليبيا، لذلك سربت سفارتها في طرابلس خبر أن الطائرات المُسيرة التي يستخدمها الحشد الميليشياوي وشكلت أحد أسباب الأزمة كانت تركيا قد باعتها إلى قطر، وهي الإشارة التي يفهم منها استعداد تركيا للتفاوض حول ملف العقوبات لعدة أسباب، منها أن الجيش الذي طرح حزمة العقوبات مرشح للسيطرة على طرابلس مما يعني أن مصالح تركيا في كافة ليبيا (وليس في المنطقة الشرقية فقط) ستتعرض للانهيار التام وللمزيد من الخسائر في اقتصاد يعاني منذ مدة طويلة.

وقال عبدالقيوم إن نهم أردوغان للسلطة ورغبته “العثمانية” في الاستمرار فيها قد اهتزا بقوة بعد انتخابات البلدية الأخيرة التي خسر فيها العاصمة السياسية أنقرة والعاصمة التجارية إسطنبول، وثالث أكبر المدن أزمير. وعليه فاستعادة التوازن لحزبه ستفرض عليه البحث عن حلول غير تلك التي يحاول عبرها الظهور بمظهر السلطان.

تحتاج التسريبات التركية إلى النظر إليها من زاوية التحولات الاستراتيجية والميدانية داخل ليبيا، وكذلك من خلال المواقف الدولية التي سئمت حكم الميليشيات وإرهاب العصابات وفشل المجلس الرئاسي وتورط حكومة الوفاق في العبث بالسلم الأهلي وبمقدرات الشعب الليبي، إضافة إلى أن الحسابات المصلحية التي يتعامل بها أردوغان مع قضايا المنطقة، وإن كان ذلك تحت غطاء عقائدي، حيث لم يعد اليوم مستعدا في ظل هزائمه الداخلية لقبول هزائم جديدة على مستوى المنطقة والعالم، خصوصا وأن موضوع تطهير طرابلس من الميليشيات محسوم بالنسبة للجيش الليبي وحلفائه.

7