تسريب اختبارات الثانوية العامة حرب ضحيتها الطلبة

الغش في الامتحانات يضع الحكومات بين خيارَيْ تغليظ العقوبات أو البحث عن المبررات.
السبت 2020/07/25
الغشاشون يحبطون المجتهدين

لم تردع الإجراءات المشددة المتبعة في الكثير من الدول العربية أثناء إجراء امتحانات الثانوية العامة بعض الطلبة عن تجنب الاعتماد على الغش، حيث تدفعهم الرغبة في رفع علاماتهم وضمان نجاحهم إرضاء لأولياء أمورهم إلى اتباع هذا الأسلوب، والبحث عن رادع قانوني يضع الحكومات أمام أزمة ثقافية، وليست مجرد أزمة تربوية أو مشكلة أخلاقية.

عكست موافقة مجلس النواب المصري، الأحد، على مشروع مقدم من الحكومة يرمي إلى تغليظ عقوبة الغش في الامتحانات كحل أمثل لردع الغشاشين، أن هناك أزمة حقيقية لدى بعض الأنظمة العربية في أسلوب التعامل مع الظاهرة، بعدما اكتفت بأن تكون مواجهة الغش مقتصرة على سلاح الردع والترهيب.

لجأت مصر للمرة الخامسة خلال ست سنوات إلى مضاعفة عقوبة الإخلال بأعمال الامتحانات بتصوير ونشر الامتحانات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصلت العقوبة إلى الحبس 7 سنوات وغرامة مالية بمئات الآلاف من الجنيهات، في حين أن العقوبات السابقة لم تنجح في خفض معدلات الغش.

ويبدو الأمر متطابقا إلى حد كبير في بلدان عربية أخرى، تعاملت مع الغش من منظور قانوني بحت، مثل تونس والجزائر والمغرب والعراق. فلم تكن المعالجة تربوية ولا مجتمعية، بقدر ما جرى استسهال المواجهة بالتعامل مع الغشاشين كمجرمين، دون البحث في أسباب لجوئهم إلى هذا الطريق لتحقيق النجاح.

بمجرد مطالعة منصات التواصل الاجتماعي خلال فترة امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا)، تكتشف أن الطلاب يكتبون لبعضهم تعليقات وكأنهم في جلسة سمر جماعية غير عابئين بالعقوبة أو إمكانية ضياع مستقبلهم في حال تم ضبطهم متلبسين باستخدام الهواتف الذكية في الغش وتسريب الأسئلة.

والأغرب أن تجد أولياء أمور يرحبون بهذه السلوكيات، ولا يمانعون قيام أبنائهم بالحصول على مجاميع مرتفعة من خلال الغش، حتى أن بعض المعلمين يتبرعون بمساعدة الطلاب في كتابة إجابات لأسئلة جرى تسريبها، ما يعني أن سلوك الغش ثقافة وليس مجرد أزمة تربوية أو مشكلة أخلاقية.

ولم تقتنع أغلب الحكومات بأنه يصعب القضاء على الظاهرة دون تشعب الحلول على المستوى التربوي والاجتماعي والقانوني والنفسي، لأن تبرير المواجهة مع الغشاشين بأنهم يهدرون مبدأ تكافؤ الفرص من غير الاقتناع بأن الغش في حد ذاته يمثل خطورة على أمن الدول سوف يُبقي الظاهرة لسنوات.

والطالب الذي حصل على الشهادة بالغش والتحق بوظيفة هامة ووصل إلى قمة الهرم فيها سوف يتعامل بنفس المبدأ طوال حياته، لأنه لا يشعر بالذنب أو تأنيب الضمير، بعدما وجد في التدليس طريقا سهلا لتحقيق الحلم، وقد يتعايش مع الغش كمعيار أساسي في النفوذ وجمع المال.

تكافؤ الفرص

متى تقتنع الحكومات بأن الغش ثقافة مجتمع لن تمحى بالعقوبات
متى تقتنع الحكومات بأن الغش ثقافة مجتمع لن تمحى بالعقوبات

صحيح أن التحرك لمنع إهدار مبدأ تكافؤ الفرص بين المجتهد والضعيف مطلوب، لكن الفكرة في غياب النظرة إلى ما هو أبعد من ذلك، فهناك حقوق للمجتمع والدولة يتم التغاضي عنها، أو بمعنى أصح لا يتم النظر إليها، ويدفع الجميع فاتورة باهظة لتسامح الأجيال والأسر مع قضية الغش.

كما أن تغليظ العقوبات الجنائية قد لا تُطبق على الغشاشين، إذا لم تشهد دولة مثل مصر، استفحلت فيها الظاهرة بشكل مخيف، حبس مجموعة طلاب أو معلمين شاركوا في الإخلال بالامتحانات وقاموا بتصوير أسئلة ونشرها أو تداول إجابات، وفي كل مرة تمارس ضغوط كثيرة للعفو عن المتورطين.

وتقوم نفس الجهة التي تقوم بتغليظ العقوبة أحيانا بالتدخل لمنع تطبيقها لأهداف سياسية. فمثلا، تتعرض وزارة التعليم كل عام لتدخل أعضاء في البرلمان لإنقاذ الغشاشين من ضياع مستقبلهم كدعاية انتخابية لدرجة أن بعض المحافظين (الحكام المحليين) يمارسون نفس الضغوط، وينتهي الأمر إلى لا شيء.

ويرى خبراء نظم الامتحانات أن أي بلد يتعامل مع الغش بمنظور قانوني سوف يُخفق في التصدي للظاهرة، ولم يعد هناك بديل عن البحث والتعمق في أسباب الفعل ذاته، بالإصرار على طريقة تقييم عقيمة لم تواكب العصر، أو تطبيق نظام تعليمي مهمته منح الشهادات فقط، دون تفريق بين المجتهد والغشاش.

ويرجع هؤلاء السبب الأهم إلى الاعتماد على التقييم بأسئلة تخاطب الحفظ والتلقين، وهذه أسهل طرق الغش، أما لو جرى وضع امتحانات تقيس الفهم سيصعب حلها بعيدا عن الإطار الشرعي (داخل اللجان)، وحتى إذا تم تداولها إلكترونيا، فإن الطالب لن يستفيد باعتباره الوحيد القادر على الإجابة.

طارق شوقي: تغيير ثقافة المجتمعات التي اعتادت على نظم التعليم والامتحانات التقليدية مهمة شاقة
طارق شوقي: تغيير ثقافة المجتمعات التي اعتادت على نظم التعليم والامتحانات التقليدية مهمة شاقة

ويضاف إلى ذلك، أنه أصبح من الضروري عدم التعامل مع مجاميع البكالوريا باعتبارها العامل الأساسي لقياس مستوى الطالب وتحديد الكلية أو الوظيفة المستقبلية التي يلتحق بها، بحيث تكون هناك اختبارات قدرات تحدد ما إذا كان الخريج يستحق ذلك أم لا، ويكون هذا الإجراء إلكترونيا دون وجود تدخلات بشرية.

ولجأت بلدان عربية مثل السعودية والإمارات إلى تقليص دور مكاتب تنسيق القبول بالجامعات، وأقرت عدم الاعتماد على المجموع لتحديد الكلية التي يستحقها الطالب، وعقد امتحان موحد في البكالوريا لكل الطلاب، وتليه اختبارات تحضيرية لاكتشاف المواهب والقدرات لكل دارس على حدة.

وتتبع غالبية الدول المتقدمة نفس الأسلوب تقريبا، حيث تعتمد على تطبيق نظام اختبارات القبول الجامعي، وتأخذ بعين الاعتبار نتائج الطالب في الامتحانات المؤهلة للكليات، بحيث يتم اختباره في الموهبة والابتكار والميول الشخصية تجاه التخصص، لا أن يكون ذلك وفق المجموع فقط.

وتكمن المعضلة، أن مخاطر الغش تتجاوز فكرة التأثير السلبي على مخرجات التعلم، وتصل حدّ إحباط المجتهدين أنفسهم، إذ يتسلل إليهم الشعور بأنهم مهما كانوا مثابرين على تحقيق التفوق والتميز العلمي وتحقيق أحلامهم بكفاءة، فقد يتساوون في نهاية المطاف بآخرين أقل منهم في المستوى، ويتلازمان في كلية واحدة.

ومن هؤلاء، عمرو سعد، الذي ينتمي إلى أسرة بسيطة تعيش بحي شعبي في القاهرة، وانتهى قبل أيام من امتحانات البكالوريا، وما كان يصدمه إصرار الكثير من أقرانه على ابتكار حلول غير تقليدية لتهريب الهواتف الذكية، والتواصل مع معلميهم من داخل اللجان، ويخرجون مبتسمين لأنهم أجابوا على الأسئلة بشكل نموذجي.

وما زال سعد يعيش مرارة وضيقا، لأنه شعر بإمكانية أن يتساوى مع رفاقه الغشاشين، فقد اعتمد على نفسه واجتهد ليدخل كلية متميزة ليشارك مستقبلا في تحسين أوضاع أسرته ماديا واجتماعيا، بالتفوق على ضعاف المستوى الذين لا يستحقون سوى الالتحاق بكليات أقل في الجودة والفرص المتاحة للتوظيف.

وقال سعد لـ”العرب” إنه كلما جلس مع نفسه ليتذكر أن طابور العمل مستقبلا سوف يشارك فيه المجتهد مع الغشاش يصاب بحالة من الاكتئاب تدفعه أحيانا لإنهاء مشواره التعليمي مبكرا، لأن الحكومة تنظر إلى الامتحانات التقليدية باعتبارها المعيار الوحيد لتحديد مصير الإنسان ومكانته الاجتماعية ونمط حياته.

ولأن الأجيال الشابة تعتبر الشهادة قضية حياة أو موت، فشريحة واسعة من الطلبة لا تبالي بالتضحية بالقيم والأمانة، طالما أنها قد تقف حائلا أمام إنقاذهم من شبح البطالة والتدني المجتمعي، ومن أجل تحقيق الهدف تسقط مبادئ وأخلاقيات، والمعضلة أن بعض الأسر تفكر بنفس الأسلوب بغرض تأمين المستقبل.

مشاركة جماعية

أصبح أرباب بعض العائلات شركاء أساسيين في فرض ثقافة الغش بالقوة، فقد يصل الأمر حدّ محاصرة لجان الامتحانات وترهيب المراقبين وتهديدهم بالسلاح، وهو ما يحدث كل عام في بعض المناطق بالنسبة إلى البكالوريا في مصر، على إثر ذلك يتهاون بعض المسؤولين عن اللجان مع الغشاشين خوفا على حياتهم.

وأكد طارق نورالدين، خبير تربوي وباحث في تطوير نظم الامتحانات، أن “مشكلة بعض الحكومات، ما زالت غير مقتنعة بإمكانية أن يتسبب هاتف واحد في إهدار مجهود دولة بأكملها بتسريب ورقة الأسئلة، ما يفرض على المؤسسات التخلي عن الاستسهال في المواجهة والبحث عن حلول غير تقليدية”.

وأضاف نورالدين في حديثه لـ”العرب”، أن أيّ تنمية تنشدها الحكومات بعيدا عن تحصين مستقبل البلاد من وصول الغشاشين إلى المراكز الحيوية، فلا قيمة لها، وبالتالي الأمر بالغ الخطورة، ويجب أن تكون الحلول سريعة ومرتبطة بتغيير ثقافة الطالب والأسرة والمجتمع والمؤسسات عموما، تجاه مفهوم الشهادة التعليمية.

المجموع أهم من التحصيل

الاعتماد على أسئلة تختبر الحفظ والتلقين هو أسهل طرق الغش، أما لو جرى وضع امتحانات تقيس الفهم، فإن الطالب سيكون الوحيد القادر على الإجابة
الاعتماد على أسئلة تختبر الحفظ والتلقين هو أسهل طرق الغش، أما لو جرى وضع امتحانات تقيس الفهم، فإن الطالب سيكون الوحيد القادر على الإجابة

ودلل على ذلك، بأن هناك جهات حكومية عندما تطلب شبابا للعمل ترهن الوظيفة بارتفاع المجموع، ولا تسأل عن كيفية تحصيله، أو تبحث وراء شرعيته، ما يدفع بعض الطلاب إلى الجري وراء التحصيل الأعلى بغض النظر عما كان متسقا مع القانون والمبادئ من عدمه، المهم الابتعاد عن دائرة الخطر.

ونادرا ما تقدم الجامعات على إجراء اختبارات قدرات للحاصلين على تقديرات مثالية (مثل امتياز، جيد جدا) قبل توظيفهم كأساتذة في الكليات، وقد يكون بينهم من تخطى زملاءه بطريقة غير مشروعة، ما يعني أن رأس العملية التعليمية ومعلم الأجيال، ربما يكون هو نفسه غشاشا ولا يرى في ذلك عيبا.

وأزمة البعض، أنهم ينظرون إلى الغش باعتباره دليلا على قلة التربية الدينية عند بعض الشباب، ويناقشون الأمر من زاوية الحلال والحرام، ولا يدركون أن شريحة من طلاب التعليم الأزهري في مصر الذين تكون أغلب مناهجهم دينية، ارتكبوا وقائع غش مثل أقرانهم في التعليم العام، أي إن القضية أبعد من مجرد التزام ديني.

وبعيدا عن هذا القصور الفكري في معالجة الظاهرة تظل هناك أسباب أخرى مرتبطة بالتسامح المجتمعي مع الغش. فالكثير من الأسر تتعامل مع مجموع الأبناء كمظهر للتباهي، ولا يقبلون بأقل من تحصيل الدرجات العالية للتفاخر بالابن بين الأهل والجيران، ما يضع ضغوطات كبيرة على ضعاف المستوى لإرضاء عائلاتهم.

وأصبحت نظرة المجتمع للتعليم مصابة بالرجعية، فنادرا ما يركز رب الأسرة على: ماذا تعلم الابن؟ والأهم كم المجموع الذي تحصل عليه. ويفسّر ذلك، حجم الرفض المجتمعي في مصر لإقرار نظام تعليم جديد ما زال في مراحله الأولى، يقيس الفهم ويقضي على ثقافة الدرجات، ويميز بين الذي يستحق التفوق والباحث عن الشهادة.

وبمجرد إعلان نتيجة البكالوريا العام الماضي، للصفين الأول والثاني، بطريقة الألوان وليس الدرجات كبداية لتغيير نظرة المجتمع للمجموع والتركيز بشكل أكبر على التحصيل العلمي والمعرفي للطالب، ثار أولياء الأمور وطالب بعضهم بإقالة طارق شوقي وزير التربية والتعليم بذريعة أنه يتعامل مع أبنائهم كفئران تجارب.

وقال طارق شوقي في تصريحات لـ”العرب”، إن تغيير ثقافة المجتمعات التي اعتادت على نظم التعليم والامتحانات التقليدية مهمة شاقة، والصمت على هذا الواقع يقود إلى المزيد من تجريف العقول ووصول من لا يستحق إلى قمة الهرم، وهذا ظلم كبير للمبتكرين وأصحاب العقول المستنيرة، وظلم مضاعف للدول، لأن صناعة إنسان سويّ تعليميا وفكريا، لا تقل أهمية عن التنمية في مختلف المجالات.

وأشار وزير التربية والتعليم إلى أن الحل في إقرار نظم تعليمية معاصرة بامتحانات غير تقليدية يصعب تداولها، لافتا إلى أنه “يجب أن تركز مؤسسات التعليم مع الباحثين عن التعلم، لا أن تسمح لمن يتعاملون مع التعليم كسلعة أو مجرد شهادة بالتشويش على الجهود المبذولة، لأنهم سيعارضون التطوير ويحرمون المتفوقين من التميز ما يؤثر على نهضة الدول”.

وترى بعض الأصوات أنه يصعب فصل ثقافة الغش عن المناخ العام في أي بلد، فإن كان أصحاب هذا التوجه لديهم سمات شخصية تدفعهم إلى ارتكاب الفعل دون لوم النفس، فإن هناك مسببات اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية كرست هذا السلوك المنحرف من الأمور المباحة، فعندما يتصدر المشهد، في أيّ مجال كان، أفراد لا يستحقون المكانة وهناك أجدر منهم، فذلك كفيل بالتفكير في النجاح من دون جهد.

ويبرر بعض الغشاشين سلوكهم هذا الطريق بأنهم يبحثون عن أيّ شيء يكسرون من خلاله هيبة المؤسسات التعليمية ويتمردون على قوانينها التي طالما أثارت بداخلهم الإحساس بالذل والضغوط النفسية لغياب متعة التعلم والتعايش مع مناهج عقيمة لا قيمة لها، والاعتماد على معلمين بعضهم يجيد هواية جمع المال وترهيب الطلاب بالدروس الخصوصية، ومن ثم فإن الانتقام حق شرعي من المنظومة برمتها.

وتقود هذه المعطيات إلى شواهد منطقية تؤكد أن العقوبات وحدها لن توقف الغش، لتعدد المبررات والدوافع، ووضع حل واحد لكل المسببات لن يقضي على الظاهرة، وبالتالي فإن الطريق الأمثل هو دراسة كل سبب على حدة، تربويا أو اجتماعيا أو نفسيا، واتخاذ خطوات عملية لمعالجته بعيدا عن الانكفاء أمام الضغوط الأسرية والطلابية لاستمرار الوضع الراهن، لأن الغش وإن كان يزيح من يستحقون قيادة المستقبل عن المشهد، فإنه يهدد بالتبعية أيّ محاولة لنهضة الدول.

17