تسريب مكالمات البيت الأبيض يكشف إخفاقات الإدارة الجديدة

تغلب النزعة النفعية البراغماتية على توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحديد أولوياته السياسية والتي يرجعها المتابعون إلى طبيعته كاقتصادي رأسمالي يتركز اهتمامه على تحقيق أقصى قدر من المكاسب، وهو ما جعل أداءه الرئاسي أقرب إلى المقايضات أو الصفقات التي يسعى إلى إبرامها تنفيذا لوعوده الانتخابية وحفاظا على رصيده الانتخابي.
الأربعاء 2017/08/09
الاتصالات تضع ترامب في مأزق جديد

واشنطن – تمتزج نفعية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرأسمالية في ممارسته السياسية بحسب المراقبين بتقاليد جمهورية متعصبة، وتنهل من مدرسة جورج دابليو بوش ذات الميول الإنجيلية المتطرفة تجاه المسلمين، والتي تبلغ درجة العداء في ما يشبه استحضار بعض مواقف الرئيس الأميركي الأسبق الذي خاض حروبا ربط مشروعيتها بمنطق عقائدي “صليبي”.

في كتابه “فن الصفقة” والذي أصدره قبل عشرين عاما يربط ترامب إنجاز الصفقة المثالية وإنجاحها بضرورة التحلي بالمعايير التالية “أن تكون مقداما لا تخشي المواجهة، وأن تفي بما وعدت به، وألا تنفق أكثر من اللازم وأن تكون لديك القدرة على احتواء التكاليف”.

منطق الصفقات

معايير الصفقات الناجحة تنسحب من وجهة نظر ترامب على الحسم في الملفات الأمنية والسياسية، والتي يحاول سيد البيت الأبيض حسمها بأيسر التكاليف واقل حد من المخاطرة أو الخسائر.

وتكشف تسريبات البعض من المحادثات الهاتفية التي تمكّنت صحيفة “واشنطن بوست” من الحصول على نسخ منها من البيت الأبيض عن تفاصيل عقلية ترامب، والتي تتحرك في سياق إذكاء ظاهرة الإسلاموفوبيا، ومحاولته حصد البعض من المكاسب السياسية وتجسيد البعض من وعوده الانتخابية بأقل حد من المخاطرة. وتشمل نصوص المحادثات الهاتفية التي نشرتها الصحيفة الأميركية الخميس الماضي اتصالات أجراها ترامب مع نظيره المكسيكي إنريكي بينيا نيتو، ورئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تورنبول والتي يعود تاريخها إلى ينايرالماضي، بعد قرابة أسبوع من صعوده إلى سدة الرئاسة.

محاور الحديث، أثارت سلسلة من ردود الأفعال في واشنطن، إذ اعتبرت البعض من الدوائر السياسية أن الرئيس أفصح عن كرهه لطالبي اللجوء “لكونهم أشخاصا سيئين”، بحسب تعبيره في إحدى المكالمتين، لكنها تؤكد بحسب خبراء في الشأن الأميركي عجز ترامب عن تحقيق برنامجه الانتخابي والذي يشمل بشكل خاص الأمن والاقتصاد.

ترامب يرى أن الولايات المتحدة الأميركية بلد مسيحي، ويجب أن تلعب دوراً في الحفاظ على المسيحيين بالعالم

وبالنسبة إلى ترامب فإن الهجرة هي عامل يتقاسمه كلا المحورين (الأمني والاقتصادي)، كونها السبيل لدخول “الإرهابيين” للبلاد، وكونها تعزز المنافسة التي يفرضها القادمون الجدد على الشعب الأميركي بأسواق العمل التي تفضّل أيادٍي عاملة رخيصة وأجنبية على تلك المحلية الأعلى أجراً.

رؤية ترامب هذه انعكست بشكل جليّ في كلا الاتصالين، إلاّ أنها أبرزت جزئية جديدة، وهي أنه رغم معارضة الرئيس الأميركي لقبول اللاجئين بشكل عام، إلاّ أنه لا يتواني عن الإفصاح بتفضيله للاجئين من فئة معيّنة، وهو أمر يبدو أنّ رئيس الوزراء الأسترالي تورنبول يتفق فيه معه.

وبحسب نص المكالمة التي نشرتها الصحيفة الأميركية، فإن تورنبول أخبر ترامب أنه “من المثير جداً معرفة كيفية منحك الأولوية للأقليات في أمرك التنفيذي، وهذا بالضبط ما فعلناه مع البرنامج (الأسترالي للهجرة) والذي سنجلب من خلاله 12 ألف لاجئ سوري، 90 بالمئة منهم سيكونون مسيحيين”.

ويستطرد تورنبول “من حقائق الحياة المؤسفة، أنه بعد أن يستقر الوضع في الشرق الأوسط، فإن الأقليات المسيحية على الأغلب لن تجد وطناً دائماً لها ومن هذا المنطلق، وكمحطة أخيرة للاجئين، قمنا نحن بمنحهم الأولوية”.

وهو ما عقّب عليه ترامب مؤيدا، قائلا “هل تعلم يا مالكولم، بأنه قبل 4 سنوات كنت مع رجل يعمل في هذا المجال (الهجرة) وهو من أخبرني بأنه إذا كنت مسيحياً من سوريا، فليس لديك أي فرصة بالقدوم إلى الولايات المتحدة (…) أولئك هم من يتم اضطهادهم”.

وأضاف “عندما أقول اضطهادا، أعني أن رؤوسهم (المسيحيين) كانت تقطع، بينما لو كنت مسلماً – لسنا (الأميركيون) ضد المسلمين – فأنت لست مضطهداً، على الأقل ليس لدرجة قطع الرأس، ولو كنت مسلماً من سوريا، فإن هذا هو المكان الأول الذي يمكنك أن تأتي منه إلى الولايات المتحدة”.

وقبل مكالمته مع تورنبول بيوم واحد، أصدر ترامب النسخة الأولى من حظر السفر، والتي أوقفت تطبيقها لاحقاً محكمة فدرالية، حيث نصّت إحدى فقرات الحظر على “عقب معاودة، برنامج قبول اللاجئين في الولايات المتحدة (بعد إيقافه مدة 120 يوماً) يقوم وزير الخارجية بالتشاور مع وزير الأمن الوطني (الداخلية) بإجراء تغييرات بحسب ما يسمح به القانون، بحيث تمنح الأولوية لمن يتقدّم بطلبات اللجوء على أساس الاضطهاد الديني إلى من ينتمون إلى الأقليات الدينية في البلد الأم للمتقدم، على أن يتقدم وزير الخارجية ووزير الأمن الوطني بمساعدة الرئيس في وضع هذه الأولوية بما هو مناسب وضروري”.

الحرص الزائد من الرئيس الأميركي على الظهور مع المدراء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية يعكس توقه إلى إنجاز الأهداف التي يريدها من أجل تشجيع النمو الاقتصادي

وبحسب “واشنطن بوست”، فإن ادعاء ترامب بأن المسيحيين السوريين يواجهون تمييزاً ضدهم من قبل نظام الهجرة الأميركي “كاذب”. وطبقاً لمعطيات وزارة الخارجية الأميركية، فإن أعداد اللاجئين المسيحيين السوريين المقبولين في الولايات المتحدة خلال عام 2016 بلغ 125، من أصل 15 ألفا و479 لاجئاً سوريا، إلا أن الصحيفة بررت الأمر بأن “المسيحيين السوريين يفضلون البقاء مع أقاربهم في لبنان على الانتقال إلى الولايات المتحدة”.

ويرى المحلل السياسي، وخبير الشرق الأوسط رياض محمد الحمداني، أن الرئيس الأميركي “يعكس وجهة نظره ‘الإسلاموفوبية’ حينما يصرّ على احتضان المهاجرين المسيحيين بدلاً من السوريين بشكل عام”، خلال مكالمته مع رئيس الوزراء الأسترالي.

ويقول الحمداني “خلال حملته الانتخابية، أعرب ترامب وفي أكثر من مناسبة عن تخوّفه من نوايا المسلمين الذين يأتون إلى الولايات المتحدة، بل إنه قال في مناسبة واحدة على الأقل إن الإسلام يكرهنا، وبالتالي فطبقاً لهذا المعتقد هو يفكر بأن دخول المسلمين سيزيد عدد المشاكل في بلاده”.

ويلفت المحلل السياسي إلى أن ترامب “كعضو للحزب الجمهوري، فهو أسوة بالعديد من المحافظين، يرى أن أميركا بلد مسيحي، ويجب أن تلعب دوراً في الحفاظ على المسيحيين بالعالم”. وتتفق هذه القراءة مع ردة فعل ترامب وتصريحاته إثر إلغاء المحكمة لمرسومه الرئاسي والتي بالغت في تصوير مخاطر دخول رعايا سبع دول مسلمة إلى الولايات المتحدة بالقول “لا أصدق أن قاضيا سيعرّض بلادنا لمثل هذا الخطر. إذا حدث شيء فلوموه والنظام القضائي. الناس يتدفقون. إنه أمر سيء”.

المهاجرون والإصلاح الاقتصادي

يعدّ هاجس المهاجرين غير الشرعيين أولوية ضمن مشروع الرئيس الأميركي الذي يعتقد أن التخلص من عبء هذه المشكلة الديمغرافية والسياسية كفيل بتوفير ملايين الوظائف للمواطنين الأميركيين خلال السنوات العشر القادمة .

فخلال مكالمته مع نظيره المكسيكي، أصرّ ترامب على أن تدفع المكسيك تكاليف بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية، وقال بهذا الخصوص “في الحقيقة فإن كلينا أمامه التزام سياسي لأن عليّ أن أجعل المكسيك تدفع لبناء الجدار، عليّ أن أفعل ذلك، لقد تحدثت عنه منذ سنتين”، وهو ما يبرز تخوّف ترامب من أن يخلف وعوده التي قطعها على نفسه بهذا الشأن.

وتابع ترامب، بحسب النص المنشور “السبب الذي يجعلني أقول يجب على المكسيك أن تدفع من أجل الجدار، هو أن المكسيك كوّنت ثروة بسبب غباء ممثلي التجارة الأميركية، فهم (المكسيكيون) يتفوقون علينا في التجارة، ويتفوقون علينا في الحدود، وهم يقتلوننا بمخدراتهم.

الرئيس المكسيكي رد على اتهام ترامب لبلاده بتفشي المخدرات والجريمة بالقول “دعني أخبرك في ما يتعلق بمهربي المخدرات في المكسيك، أنهم يتلقون الدعم بشكل كبير متمثلاً في الأموال غير المشروعة والأسلحة من داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع المكسيك لمحاربة العصابات الإجرامية بمشاركة الجيش، كامل الجيش المكسيكي”.

وبدوره يرى المحلل الاقتصادي الأميركي جون دفتريوس أن الحرص الزائد من الرئيس الأميركي على الظهور مع المدراء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية يعكس توقه إلى إنجاز الأهداف التي يريدها من أجل تشجيع النمو الاقتصادي وهو ما دفعه للتوقيع على قرارات تنفيذية وأصدر أوامر تتيح إجراء تغييرات جذرية في القوانين.

وإذا كان الرئيس المكسيكي أبدى مرونة في قضية نافتا، إلا أن قضية الجدار العازل بين البلدين، ستبقى العصا التي تعيق حركة الدولاب، وتقدّم المفاوضات في جزء كبير منها حيث تعتمد شعبية كلا الرئيسين عليها، خاصة وأن كليهما يشهدان تراجعاً في شعبيتهما داخل بلديهما.

7