"تسعون" رواية جزائرية عن ذاكرة القهر

تسحق المدن سكانها، وخصوصا في الأنظمة القمعية التي لا تكتفي باحتكار السلطة السياسية، بل تتغلغل في بنية الأفراد النفسية، العنف يتحول إلى نمط حياة، موقف من العالم نتيجة الإحباط والعجز عن التغيير، ليتحول ساكنوها إلى كتل متحركة، أشبه بالمصابين بالجذام أو المخدرين، لتصبح المدينة هاويّة، وأشبه بآلة تقتات على سكانها.
الثلاثاء 2016/04/05
وجه مقهور بلا ملامح

في روايته "تسعون" يتقصّى الكاتب الجزائري سمير قسيمي العنف في المدينة، والانتهاكات الممارسة على طفل يتعرض للاغتصاب لتتحول حياته إلى فُصام دائم.

يختزن فضاء المدينة، في الرواية، سلسلة من الانتهاكات واختلافاتها العنصرية التي يشير إليها الكاتب نفسه تنتهي بالشخصيات الثلاث في محطة القطار، المكان الأكثر علنيّة والأقل شخصيّة، فالمحطة هي فضاء الانتقال من نقطة إلى أخرى، وبالرغم من حضور الشخصيات في ذات الفضاء يفتح قسيمي نهاية الرواية على الاحتمالات، مستخدما “لو” السحريّة، ماذا لو تعرّف ربيعي على أمّه؟ ماذا لو اعتذر المُغتصب من ضحيته؟ الأسئلة التي يطرحها قسيمي في النهاية تستدعي ما يشبه اليقين، العنف يولد العنف، الوحيدون يبقون كذلك، والثوارت هي احتمال أكبر للمزيد من العنف.

والرواية، الصادرة عن دار روافد للنشر والتوزيع، بعنوان “في عشق امرأة عاقر” قسيمي أعاد الاشتغال عليها لتصدر لاحقا بعنوان “تسعون”.

يُعرّف الحدث التراجيدي بأنه حدث لا ينتمي إلى الحياة اليوميّة، هو حدث غير مألوف، تبقى تبعاته حاضرة حتى الممات، وعادة ما يكون هذا الفعل خارج سياق الحبكة والأحداث الآنية في الرواية، لكن تأثيره حاضر في كل التفاصيل التي تمر بها الشخصيات، وهذا ما يعتمده قسيمي، إذ نقرأ سيرة حسّان ربيعي، الرجل الدميم، ذي الأطراف الطويلة، الذي يعيش في ضواحي العاصمة الجزائر، قاطعاً رحلة يوميّة طويلة إلى العاصمة من أجل وظيفته البيروقراطيّة.

وخلال يوم واحد وبصورة أدق عدة ساعات، نرى ربيعي حبيسا في عربة القطار لعطل أصابه، لتقع سلسلة من المصادفات تَجمع حسان ربيعي، ووالدته، ووالده -ابن عم والدته التي اغتصبها-، والمحامية التي دافعت عن حسان حين تم اغتصابه كلهم في فضاء واحد دون أن يعلم أي منهم بحضور الآخر.

البلاد المخدرة المنتهكة، أيضا تعيش في عوالم الفصام وحلم رومانسي بالتغيير لكن لا بد من مخاض قبله

مصادفات مدروسة

استخدام المصادفة ضمن بنية الحبكة تقنية في حاجة لدقة متناهية، إذ من الممكن لخطأ واحد أو خلل بسيط في بنية السرد أن يجعل العمار السردي ينهار، إلا أن قسيمي يقود زمام الأحداث بحيث لا تغرق في اللامعنى أو المجانية، بل يحاول مقاربة الحياة اليومية، فالصدف ليست وليدة اللحظة، هي وليدة تاريخ من العذابات مرت به كل واحدة من الشخصيات، حسان ربيعي تعرض للاغتصاب في قبو المدرسة من قبل أخي المديرة التي نَسيته هناك إلى جانب إهمال والدته له، والتي بدورها تعرضت للاغتصاب من قبل ابن عمها وأنجبته، ثم هجرت ولدها، الذي يكبر في ظل زوج والدته، ولاحقا إلى جانب زوجته العاقر.

المكان وربيعي كلاهما بطل الرواية في “تسعون”، وكلاهما مصاب بالفصام، ربيعي إثر الصدمة النفسية التي تعرض لها بسبب الاغتصاب أصبح يسمع صوتا في رأسه، سنوات من العلاج لم تجعله يختفي، كذلك المدينة وبصورة أوسع البلاد المحكومة بـ”مُخرج” يُحركّها ويسيطر عليها، البلاد المخدّرة المنتهكة، أيضا تعيش في عوالم الفصام، وحلم رومانسي بالتغيير، لكن لا بد من مخاض قبله، لا بد من عنف آخر نتائجه غير محسومة.

كلنا محكومون بأصوات وهلسات نتجاهلها

المدينة والجنس

يحضر في رواية “تسعون” الجنس لا بوصفه حدثا يوميا، بل كمحّرك للأحداث، العلاقات الجسدية الحميميّة وطبيعة التغيرات الجسدية التي تمر بالشخصيات تتجلى آثارها في ما هو عام وعلني، خارج فضاء المتعة، تاريخ الانتهاكات التي تمر به كل من الشخصيات يجعل الجنس تراجيدياً أكثر منه متعة، الاغتصاب والعنانة إلى جانب التحول الجنسي كلها تفاصيل حميّمية منحرفة عن النموذج التقليدي التي تفترضه المدينة، الشخصيات لا تؤمن بالثورة، بالتغيير وبغياب النموذج، وبالتالي حتى الممارسات الحميمية والتي من المفترض أن تكون منفتحة على الخيارات كلها أيضا تعتبر انحرافاً، الحدث التراجيدي السابق يبقى حاضرا، كخليّة جذعيّة تأخذ شكلا مختلفا في كل سياق وضمن كل حدث.

في الفصول الأخيرة يلجأ قسيمي للمرايا التي ستعكس النهاية، كل شخصية/ مرآة تحكي اللحظات الأخيرة قبل اللقاء، كل الحبكات الفرعية تلتقي وتتداخل وتقدم مبررات لما وصلت إليه الشخصيات الآن، كل يحكي حكايته ليتم اللقاء، لتترسخ الصدفة متحولة إلى تساؤل يشكك بحقيقتها، ما مدى حقيقتها كصدفة، ما مدى استقلالية المصائر، ما مدى قدرة المدينة حقيقة على خلق الاختلافات، على سحق الذاكرة من أجل الاستمرار ونسيان الماضي، الجواب لا تقدر، لا بد لهذا العنف الخفي أن يستدعي شخوصه ولو دون إرادتهم، وكأن إرادة العنف أشبه بالقدر، حتميّة، لا فكاك منها.

في نهاية الرواية يشير قسيمي إلى المرجعية الواقعية التي اعتمد عليها، يفسّر المتخيّل على أساس واقعي، يتدخل ككاتب ليفسر فجاعة حالات الاغتصاب والآثار النفسية الناتجة عنها، فالمتخيّل ممكن الحدوث، وكما الصدفة التي تحكم الرواية، الواقع مشابه، طالما أن لا تغيير فالكل معرض لهذا الاحتمال، ما يختلف الآن أننّا نعلم بقصة حسان ربيعي، لكن ماذا عن غيره، ماذا عن الأصوات التي في رأس كل منا والتي نخاف أن نحكي أنها موجودة، ربيعي أخفى العديد من تفاصيل حياته، لكن الرواية هنا تأتي لتُسائل القارئ، لدفعه للبحث عن مصادفات مماثلة، ماذا لو أن تلك التفاصيل التي نظنها بسيطة هي علامات وإشارات لحقائق نجهلها أو نتجاهلها، لكن نهاية، كلنا محكومون بأصوات وهلسات نتجاهلها.

14