تسقط الخلافة

الخميس 2014/07/03

كلما أراد مستبد تشريع استبداده، وكلما أراد مجرم تبييض صحيفته، وكلما أراد مختل فرض جنونه، نادى لنفسه بالخلافة أو أعلن تطبيق الشريعة، وآخرهم المسمى (أبو بكر البغدادي) زعيم داعش، ذلك التنظيم الذي لا يليق أن نطرد أصحابه من الملة فقط، بل يجب أن نخرجهم من الإنسانية برمتها، خصوصا وأن جرائمهم تفوق الحصر عددا، وتتجاوز البشاعة نوعا.

فكرة الخلافة – وهي نقطة الارتكاز لدى أغلب قوى الإسلام السياسي- تجاوزها الزمن، وهذا لا يستثني الخلافة الراشدة. لم يتمكن حكم الخلفاء الراشدين من الصمود أكثر من ثلاثين سنة، انتهى عهد الخليفة الثالث بالثورة ولم يتمكن أنصاره من دفنه إلا في مقابر اليهود، عاش الخليفة الرابع عهده في الفتنة ثم سقط النظام برمته لعجزه عن الحياة. كان حكام ذلك النظام أفضل العرب والمسلمين صلاحا وخلقا، ومع ذلك تم اغتيال ثلاثة خلفاء من أصل أربعة!

الخلافة هي حكم الفرد الواجب انتماؤه إلى قريش تعنصرا، وصدف أن كان هذا الفرد صالحا زمن الخلافة الراشدة، وهي صدفة مستحيلة التكرار لانتهاء خيرة الصحابة منذ قرون. لكن ممارسات أغلب الخلفاء- بعدهم- يندى لها الجبين، حتى أننا لم نعرف عادلا منهم إلا عمر بن عبدالعزيز المغتال بالسم، معاوية- الذي رفع المصاحف على أسنّة الرماح وكرّس الملك العضود الذي يعانيه العرب إلى اليوم- يتجاهل معايير الصلاح والكفاءة ويورث الحكم لابنه يزيد الذي قتل الحسين ثم استباح المدينة وهدم الكعبة، عبدالملك بن مروان صاحب أول غدر في الإسلام، يزيد بن عبدالملك التهى بجواريه عن الحكم، ثم ابنه الوليد الذي أراد الحجّ ليسكر فوق الكعبة.

لم يكن خلفاء بني العباس أفضل حالا، فالأمير يقتل أخاه وعمه (كالمنصور والمأمون)، والشعراء يتغزلون بالخليفة المشغول برضا غلمانه (كمحمد الأمين والواثق بالله)، ثم انتهت الخلافة ممسحة للوزراء والعسكر.

آلت الخلافة إلى بني عثمان فكرسوا سنن القتل والشذوذ، حتى وصل الأمر إلى قيام الخليفة العثماني بقتل قربى الدم خشية المنافسة على السلطة. نظام الخلافة توشّح بصورة تاريخية إيجابية مقارنة بأنظمة الحكم في عصره، لا لصلاحه في ذاته.

مفهوم الحكم تغير وتطور، لم يعد مطلوبا من الحاكم أن يكون قاضيا عادلا، فالعدل أصبح موكلا تماما للسلطة القضائية المستقلة وفق مبدأ فصل السلطات، المطلوب من الحاكم في هذا الزمن أن يكون مديرا ناجحا في دولة الحداثة، أي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، لا دولة الأمس البدائية والمختصرة في القضاء والحرب، دولة يأتي حاكمها غصبا ويحكم الناس قهرا ولا يرحل إلا بالموت.

يدعون إلى الخلافة ليل نهار باسم الإسلام، وهي ليست من الدين في شيء، ليس هناك نص ثابت- قرآنا أو سنة- يحدثنا عن كيفية تعيين الأمير أو عزله أو محاسبته، ولن تجد شرحا غامضا أو وافيا عن شكل نظام الحكم «الإسلامي» في أصول الدين أو فروعه، لن تجد فقه السياسة إلا في طاعة الحاكم الجائر والتسبيح بحمده من دون الله، ومع ذلك يصدّق الناس من يكذب عليهم لتحقيق مصلحته الخاصة. يدّعي حمقى الفقهاء أن ذلك الغياب من مرونة الدين الإسلامي كعادة العرب في تسمية الأشياء بغير أسمائها، فمن سمى بقاء الرأس على الرقبة «نصرا» اليوم، ومن سمى الهزيمة «نكسة» في الأمس القريب، هما من سميا الغياب «مرونة» في الأمس البعيد.

إن مسؤولية هذا الجنون يتحمله الحكام العرب حين حاربوا كل دعوة جدية إلى التنوير، ويشاركهم فيها وعّاظ السلاطين الذين شرّعوا استبداد الحاكم وغلبته مقابل الوصاية على الناس. حين نادى الأحرار بتاريخية النص والحدود وفردية الإسلام وعلمانية الدولة ومدنية القانون وسيادة العقل وضرورة فصل السلفية عن السنة، عُلّقت لهم مشانق الخيانة بصكوك التكفير. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية الرسمية زايدتا على المتطرفين في تطرفهم، أراد كل طرف أن يحتكر الإسلام لنفسه- باسم السياسة- دون الآخرين، والنتيجة هي ما نراه اليوم خصوصا وأن الخطاب الديني الرسمي في بعض الدول العربية هو المشروع الاجتماعي لداعش والقاعدة.

انجذاب البعض إلى فكرة الخلافة مردّه تعاسة الواقع المعيش، هم يبحثون عن أي نافذة تمنحهم لذة انتقام وهمية من حاضرهم، والأخطر أن الخطاب الديني كرّس نموذجية الماضي ففقدوا كل أمل مستقبلي، والخطاب السياسي كرس الشر في الغرباء- دينا وجنسية- فتصوروا البقاء قائما على إبادة الآخر. وفوق كل ذلك ابتليت المنطقة بأعداء يسكبون الزيت على النار، إسرائيل ترفع شعار الدولة اليهودية في مواجهة الدولة الإسلامية، وإيران تترقب المهدي المنتظر وتتلذذ بصراع الطوائف.

لقد تأخرنا في اعتماد بعض المؤلفات ضمن المناهج الدراسية في كل بلاد العرب والمسلمين: (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبدالرازق و(الحقيقة الغائبة) لفرج فودة و(الإسلام دين وأمة لا دين ودولة) لجمال البنا. وإنها فرصة لأشير إلى المشروع العظيم للمفكر المصري عبدالجواد ياسين والمتمثل في كتابين: (السلطة في الإسلام) و(الدين والتدين).

لعلي أطلب من الحمقى عاقدي العزم على مبايعة رأس الكفر والجنون (البغدادي) مطالعة بعض هذا النتاج عسى أن يعودوا إلى رشدهم. قد أبدو سطحيا تماما، لكن مأساوية الواقع الفادحة تجسد ذروة السطحية في مفارقة لافتة. هناك حقيقة لا مفر من مواجهتها: لو لم تتخذ المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية- عربيا وإسلاميا- قرارات جذرية وشجاعة لإنقاذ الإسلام فقل على المسلمين الدمار. ليتهم اهتموا بإدارة الشأن العام قدر اهتمامهم باستغلال الدين وتحريفه.

إن الدولة المدنية العلمانية والديمقراطية أفضل من دولة الخلافة، هي أقرب للعدل والمعاصرة. ومع أن كل قوانين الإنسانية تزعم استحالة العودة إلى الوراء، لكننا عشنا في زمن نرى فيه الوراء يأتي إلينا!


صحفي سعودي

8