تسهيلات الملاحة والدعم الغذائي.. تعلق قطري بقشة إيرانية

لن تجعل ملفات روحاني وصراعه مع الحرس الثوري وواشنطن إيران تذهب بعيدا في الدبلوماسية التي يواجهها الخليج العربي بعدما قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وتعد علاقة الدوحة بطهران أحد أسبابها. أما شحنات الغذاء التي سارعت إيران إلى إرسالها بمجرد إعلان المقاطعة فالغاية منها، وكما يشير معهد دراسات الشرق الأوسط، لم تكن إنسانية بل اقتصادية وسياسية وأساسا بهدف منافسة تركيا على الظهور بمظهر المدافع عن قطر.
السبت 2017/06/17
السفن الإيرانية غير قادة على ملء الفراغ

القاهرة- لم تتحرك إيران من فراغ عندما سارعت نحو تلقف الأزمة المتصاعدة بين قطر وكل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر من أجل تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية محددة. حاولت طهران البناء على التفاهمات السياسية والأمنية التي توصّلت إليها مع قطر في الفترة الماضية، خاصة في ما يتعلق بالملف السوري رغم الخلافات، الظاهرة بينهما.

استغلت طهران سياسة “الأبواب غير الموصدة” أو “الجمع بين الأضداد” التي تتبناها الدوحة بشكل مستمر، وجعلتها تؤسس علاقات مع الحلفاء والخصوم في آن واحد، على غرار إيران وحزب الله من ناحية وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من ناحية أخرى، ودفعتها أيضا إلى الخروج عن الإجماع الخليجي الرافض لتدخلات إيران المستمرة في الشؤون الداخلية لدول الجوار ودورها في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.

لكن ذلك في مجمله لا ينفي أن سقف الخيارات المتاح أمام إيران للتعامل مع تلك الأزمة للحصول على مكاسب استراتيجية منها ربما لا يكون مرتفعا إلى حد كبير لا سيما وأنها قد لا تستطيع التماهي مع الموقف القطري إلى نهاية المطاف إلا بشروط محددة لا تبدو متوافرة حتى الآن.

ويعود ذلك إلى اعتبارات عديدة يتصل بعضها بالتوازنات الداخلية التي تحكم التفاعلات بين القوى والمؤسسات النافذة داخل النظام الإيراني، ويرتبط بعضها الآخر برؤية إيران للدور الإقليمي الذي تقوم به قطر وعلاقاتها مع الفاعلين المنخرطين في الأزمات المختلفة، سواء كانوا دولا أو تنظيمات مسلحة.

اتجاهات متوازية

إيران تدرك جيدا أن اتجاه قطر إلى رفع مستوى العلاقات معها ربما يكون خيارا مؤقتا للتعامل مع الضغوط الآنية

سارع بعض المسؤولين الاقتصاديين في طهران إلى محاولة استثمار الأزمة من أجل كسب مكاسب اقتصادية تتصل برفع مستوى التعاون الثنائي مع قطر، من خلال تصدير ما تحتاجه الدوحة من مواد غذائية وتخصيص ميناء بوشهر لهذا الهدف، فضلا عن فتح الأجواء الإيرانية أمام الرحلات الجوية القطرية.

وكان لافتا أن وزير الخارجية محمد جواد ظريف حرص، في 14 يونيو 2017، على تأكيد أن “إيران سوف تقوم بتوفير الاحتياجات الإنسانية اللازمة التي تحتاجها قطر”. وقال في لقاء له مع قناة الجزيرة خلال مشاركته في منتدى أوسلو “إن المشكلات العالقة بين الدول لا يمكن تسويتها عن طريق الضغوط والتهديدات والعقاب”.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن إيران تسعى من خلال استثمار الأزمة الحالية إلى تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية عديدة. يتمثل أولها، في العمل على توفير مصدر جديد للعملة الصعبة من خلال تصدير ما تحتاجه قطر من مواد غذائية ومياه وربما سلع أخرى في المستقبل، وذلك بهدف التغلب على المشكلات الاقتصادية التي تواجهها حكومة الرئيس حسن روحاني.

وتعاني إيران من تراجع أسعار النفط في الوقت الذي بدأت فيه زيادة مستوى صادراتها النفطية من جديد بعد رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها في هذا الصدد، وأيضا من عدم قدرتها على استرجاع جزء كبير من أموالها المجمدة في الخارج، والتي يستخدم بعضها في دفع تعويضات لبعض الأسر التي قامت برفع دعاوى قضائية ضد إيران في بعض المحاكم الأميركية والأوروبية لاتهامها بالتورط في عمليات إرهابية قُتل فيها جنود أميركيون، فضلا عن فشلها في استقطاب استثمارات أجنبية كبيرة بسبب العقبات العديدة التي تضعها الولايات المتحدة في هذا السياق.

وأما الهدف الثاني فهو محاولة توسيع نطاق الأزمة وعرقلة الجهود المبذولة للوصول إلى تسوية تقضي باستجابة الدوحة لمطالب الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية معها، وذلك من خلال العمل على تقليص حدة الضغوط التي تفرضها تلك الخطوات على الدوحة، وبالتالي منح الأخيرة حرية حركة أوسع للتعامل معها.

من دون شك، فإن اللعب على المتناقضات هو سياسة تتبناها إيران بشكل مستمر في التعامل مع الأزمات الإقليمية المختلفة، وهو محور توافق آخر يجمع -للمفارقة- بين إيران وقطر التي تنتهج السياسة نفسها.

ترى طهران أن توسيع مساحة التباين في المواقف بين الدول الخليجية يمكن أن يساعدها في دعم دورها الإقليمي في بعض دول الصراعات، خاصة أن الأزمة الحالية تزامنت مع التحولات الاستراتيجية المهمة التي تشهدها بعض تلك الدول، على غرار سوريا، وهو ما يبدو جليا في الجهود التي تبذلها إيران خلال المرحلة الحالية لتأسيس ممر استراتيجي يربطها بسوريا عن طريق العراق ويساهم في تكريس نفوذ لها على ساحل البحر المتوسط، وذلك لضمان الحفاظ على دعمها للنظام السوري وحزب الله، وتأسيس موطئ قدم لها بالقرب من إسرائيل، وذلك في مواجهة مساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقليص تأثير إيران في هذا الصراع تحديدا.

سقف محدود

تعول إيران على أن استمرار الضغوط التي تفرضها الأزمة على قطر قد يدفعها إلى توسيع نطاق تعاونها الأمني مع إيران على الصعيد الإقليمي، ولا سيما في سوريا والعراق وربما في اليمن، وذلك نتيجة العلاقات التي تؤسسها الدولتان مع الفاعلين من غير الدول من التنظيمات الإرهابية والمسلحة الموجودة في تلك الدول.

إيران قامت بتوفير ما تحتاجه قطر من مواد غذائية سلع أخرى خدمة لمصلحتها

وكانت علاقات قطر مع بعض التنظيمات المتشددة مثل جبهة النصرة التي قامت بتغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام لتجنب تعرضها لضربات من جانب التحالف الدولي والأطراف المعنية بالحرب ضد الإرهاب، أحد العوامل التي ساهمت في الوصول إلى صفقات لتبادل أسرى وإخلاء مدن وقرى في سوريا بين النظام السوري وقوى المعارضة وتلك التنظيمات خلال الفترة الماضية.

مع كل هذا فإن إيران لن تستطيع الذهاب بعيدا في مسايرة الموقف القطري من الأزمة حتى النهاية، وهو ما يعود إلى اعتبارات عديدة ترتبط بالتوازنات السياسية داخل إيران، خاصة مع اقتراب بدء الفترة الرئاسية الثانية لروحاني في أغسطس 2017، ورؤية دوائر السلطة في طهران للدور الإقليمي الذي تقوم به قطر، أو للضغوط الإقليمية والدولية التي تواجهها طهران.

على الصعيد الداخلي، لا يبدو أن حكومة الرئيس حسن روحاني ترغب في توسيع نطاق تدخلها في الأزمة خلال المرحلة الحالية وذلك لعدم توفير فرصة للمؤسسات الأمنية والعسكرية النافذة في النظام لتوسيع نطاق تأثيرها ونفوذها في عملية صنع القرار في الفترة القادمة التي يسعى فيها روحاني إلى فتح ملفات خلافية عديدة مع خصومه السياسيين.

بمعنى آخر، فإن روحاني يسعى خلال فترته الرئاسية الثانية واستنادا إلى النتائج البارزة التي حققها في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 19 مايو 2017، وفاز فيها من الجولة الأولى على مرشح المرشد والحرس الثوري إبراهيم رئيسي المشرف على العتبة الرضوية في مدينة مشهد، إلى محاولة تهيئة المجال أمام تسوية بعض القضايا الرئيسية التي تحظى باهتمام خاص من جانب قاعدته الشعبية التي نجحت في تمكينه من تجديد ولايته الرئاسية رغم الجهود التي بذلتها بعض مؤسسات النظام من أجل منعه من تحقيق ذلك.

وهنا، فإن روحاني ربما يعتبر أن التحول إلى طرف مباشر في الأزمة بين قطر والدول الأربع قد لا يخدم حساباته في هذا الصدد، لأن ذلك سوف يمنح الحرس الثوري وتيار المحافظين الأصوليين فرصة للمناورة من أجل رفع مستوى التصعيد مع السعودية والدول الأخرى، وبالتالي فرض ملفات بعينها عليه لمنعه من فتح القضايا الخلافية الأخرى.

من بين تلك الملفات الخلافية مثلا رفع الإقامة الجبرية عن قائدي الحركة الخضراء، وهما مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وتوسيع هامش الحريات السياسية والاجتماعية، فضلا عن مواصلة مساعيه لتحسين العلاقات مع الخارج، وتقليص احتمالات عرقلة استمرار العمل بالاتفاق النووي.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن الضغوط التي يواجهها روحاني في الوقت الحالي لمنعه من محاولة توسيع نطاق دوره في عملية صنع القرار وتقييد هامش الحركة المتاح أمامه، والتي بدت جلية في الانتقادات الحادة التي وجهها المرشد الأعلى خامنئي إلى سياسة حكومته في 14 يونيو 2017، قد تدفعه إلى العزوف عن الدفع باتجاه التورط أكثر في تأييد الموقف القطري في الأزمة، باعتبار أن ذلك سوف يخصم من قدرته على احتواء هذه الضغوط.

والمسألة هنا لا تتعلق بتوجهات روحاني التي يصفها بعض المراقبين بأنها “معتدلة”، وهو ما لم تثبت صحته من الأساس بدليل تماهيه مع سياسات النظام في الكثير من الملفات، وإنما ترتبط بحساباته السياسية ورؤيته لاتجاهات توازنات القوى السياسية مع خصومه السياسيين في الداخل.

ثقة مفقودة

على المستوى الإقليمي ثمة متغيرات عديدة تدفع إيران إلى تبني مقاربة حذرة تجاه الأزمة الحالية، إذ أنها لا تريد على المدى الطويل أن تضفي المزيد من الزخم على الاتهامات الموجهة لها بالمساهمة في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط بسبب أدوارها السلبية التي تقوم بها في كل من سوريا واليمن والعراق ولبنان وغيرها.

وبدأت هذه الصورة في التبلور بالفعل مع تصاعد حدة الأزمة القطرية عندما وجه المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية مارتن شيفر دعوة إلى إيران، في 9 يونيو 2017، إلى “عدم صب الزيت على النار”، في إشارة إلى التصريحات التي أدلى بها العديد من المسؤولين الإيرانيين تجاه الأزمة والتي اعتبرت ألمانيا أنها تفاقم من حدتها.

فضلا عن ذلك، فإنه رغم توصل إيران وقطر إلى تفاهمات سياسية وأمنية في بعض الملفات الإقليمية، مثل الملفين السوري والعراقي، بسبب علاقاتهما القوية مع الأطراف المنخرطة في الملفين، إلا أن ذلك لا ينفي أن إيران تبدي تحفظات على الدور الذي تمارسه قطر على الصعيد الإقليمي.

لا تنفي إيران علاقة قطر بالتنظيمات الإرهابية، وهو متغير يمثل للمفارقة محور توافق مشتركا بين الطرفين أيضا نتيجة حرص إيران بدورها على دعم بعض التنظيمات الإرهابية، إلى درجة أن بعض التقارير تبدي شكوكا حول مدى تورط تنظيم داعش في التفجيرات الأخيرة التي وقعت في المبنى الإداري التابع لمجلس الشورى ومرقد الخميني في 7 يونيو 2017.

بل إن إيران في بعض الأحيان، وجهت اتهامات لقطر بـ”الارتباط بشبكات تخريبية” داخل أراضيها، على غرار ما حدث في 4 يونيو 2013، عندما قامت طهران باستدعاء القائم بالأعمال القطري لديها لإبلاغه احتجاجا بعد إعلان وزارة الاستخبارات الإيرانية عن ضبط شبكة تخريبية قالت إنها مرتبطة بدولة عربية، ورغم أنها لم تسمّ تلك الدولة، إلا أن حرصها على استدعاء المسؤول القطري بالتوازي مع الإعلان عن تفكيك تلك الشبكة معناه أنها توجه هذا الاتهام إلى قطر تحديدا.

سقف الخيارات المتاح أمام إيران للتعامل مع المقاطعة الخليجية لقطر والحصول على مكاسب استراتيجية ليس مرتفعا

فضلا عن ذلك، فإن إيران تدرك جيدا أن اتجاه قطر إلى رفع مستوى العلاقات معها ربما يكون خيارا مؤقتا للتعامل مع الضغوط الآنية التي تواجهها الأخيرة بسبب الأزمة، خاصة أن الدوحة حريصة في الوقت نفسه على الاحتفاظ بعلاقات قوية مع قوى إقليمية ودولية عديدة تعمل على كبح الطموحات الإقليمية والنووية لإيران في إطار ما يسمى بـ”الأحلاف المفتوحة” التي انتهجتها قطر خلال الفترة الماضية بهدف دعم دورها في المنطقة.

على ضوء ذلك، سيركز الموقف الإيراني من الأزمة في المقام الأول على دعوة الأطراف المختلفة إلى الحوار دون أن تتحول إيران إلى طرف رئيسي فيها، على الأقل في المستقبل المنظور، حيث أن أي تغيير محتمل في هذا الموقف سوف يرتبط بعاملين أساسيين:

يتمثل العامل الأول في المسارات المحتملة التي يمكن أن تتجه إليها الأزمة الحالية والتي ستحرص إيران على قراءة ودراسة تداعياتها المباشرة على مصالحها في المنطقة.

ويرتبط العامل الثاني بمدى اتجاهات التفاعلات مع إدارة الرئيس الأميركي ترامب خلال المرحلة القادمة، والتي يبدو أن التصعيد سيكون عنوانها الرئيسي، سواء بسبب اتجاه الأخيرة إلى رفع مستوى العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، على غرار العقوبات التي أقرها مجلس الشيوخ الأميركي في 15 يونيو 2017، بسبب البرنامج الباليستي، أو بسبب التركيز على دعم إيران للإرهاب ومواجهة تدخلاتها في الأزمات الإقليمية المختلفة، وفي مقدمتها الأزمة في سوريا.

وتعتبر معركة البادية السورية التي تجري في الوقت الحالي اختبارا مهما لتقييم احتمالات المواجهة بين الطرفين (الإيراني والأميركي) خلال المرحلة القادمة في ظل حرص واشنطن على منع تأسيس الممر الاستراتيجي الذي يصل بين إيران وسوريا عبر العراق، وهو ما بدا جليا في الضربات التي وجهتها للميليشيات الطائفية التي قامت إيران بتكوينها وتدريبها لدعم النظام السوري، وآخرها الضربة التي وقعت بالقرب من معبر التنف في 18 مايو 2017.

لكن يبقى أن تفاقم الأزمة في الخليج واتجاهها إلى مسارات أكثر تصعيدا -في ظل إصرار قطر على عدم الاستجابة لمطالب الدول الأربع التي اكتسبت دعما إقليميا ودوليا كبيرا بسبب إدراك كثير من القوى الإقليمية والدولية لمخاطر استمرار قطر في دعم الإرهاب فضلا عن اتساع نطاق التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية- قد يدفع طهران إلى الانخراط بشكل أكبر في الأزمة إلى جانب قطر.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

7